الى السائرين نحو كربلاء المقدسة .. لا تَفُتكم الصلاة أينما حللتم
كتبه: الشيخ حيدر العامري
حرر في: 2017/10/25
القراءات: 21

للصلاة منزلة عظيمة في الإسلام، فهي أفضل الأعمال العبادية، وأحبها إلى اللَّه - تعالى-، وهي من أعظم الطاعات، وأفضل العبادات، وهي «عمود الدين، إن قُبلت قبل ما سواها، وإن رُدت رُدَّ ما سواها»، وهي آخر وصايا الأنبياء والأئمة، عليهم السلام، وهي معراج المؤمن اليومي إلى عالم الملكوت.

وقد حثَّ القرآن الكريم على أمر الصلاة، وأدائها في مواقيتها، والالتزام بشرائطها وواجباتها وآدابها، مما يوحي بأهمية الصلاة ومكانتها المقدسة في الدين.

جاء في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، (سورة البقرة: 238) وجاء ايضاً: {...فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، (سورة النساء: 103).

 

 مكانة الصلاة في حياة الامام الحسين، عليه السلام

وتأتي هذه الفريضة العبادية في مقدمة المبادئ التي ضحى من أجلها الامام الحسين، عليه السلام، كونها تندرج ضمن مشروع الإصلاح الحسيني في الأمة، وقد روى المؤرخون أن الإمام الحسين، عليه السلام، كان من أعبد الناس في زمانه، ومن أكثرهم اهتماماً بالصلاة وإليك بعض ما نُقل عن محافظته وإقامته للصلاة:

1: كثرة صلاته

عُرف الإمام الحسين، عليه السلام، بكثرة صلاته وصيامه، ومناجاته لله -تعالى- وقد أشاد بعبادته المؤالف والمخالف، فهذا ابن الأثير (في كتابه الكامل في التاريخ) يقول: «وكان الحسين رضي الله عنه فاضلاً، كثير الصوم، والصلاة، والحج، والصدقة، وأفعال الخير جميعها».

2: إحياء ليلة العاشر بالعبادة والصلاة

ففي عصر يوم التاسع من محرم سنة 61هـ أمر الإمام الحسين، عليه السلام، أخاه العباس أن يطلب من الجيش الأموي تأخير المعركة من ليلة عاشوراء إلى يومها وذلك للتفرغ للعبادة والصلاة والدعاء والاستغفار.

وجاء في «البحار» للعلامة المجلسي، إن الإمام الحسين، عليه السلام، قال لأخيه العباس، عليه السلام، يوم التاسع من المحرم: «ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد أحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار».

أما كيف أحيا الإمام الحسين، عليه السلام، وأصحابه تلك الليلة؟ فيشير المؤرخون والرواة بأن الإمام، عليه السلام، وأصحابه قد أحيوا ليلة عاشوراء بالعبادة والصلاة والدعاء والاستغفار.

قال الراوي: «وباتَ الحُسَينُ، عليه السّلام، وأصحابُهُ تِلكَ اللَّيلَةَ ولَهُم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحلِ، ما بَينَ راكِعٍ وساجِدٍ وقائِمٍ وقاعِدٍ،....وكَذا كانَت سَجِيَّةُ الحُسَينِ، عليه السّلام، في كَثرَةِ صَلاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ».

وذكر ابن كثير عن الحارث بن كعب وأبي الضحاك عن عليّ بن الحسين (زين العابدين‏)، عليه السّلام‏، قال: «باتَ الحُسَينُ، عليه السّلام، وأصحابُهُ طولَ لَيلِهِم يُصَلّونَ ويَستَغفِرونَ ويَدعونَ ويَتَضَرَّعونَ، وخُيولُ حَرَسِ عَدُوِّهِم تَدورُ مِن وَرائِهِم، عَلَيها عَزرَةُ بنُ قَيسٍ الأَحمَسِيُّ، وَالحُسَينُ، عليه السّلام يَقرَأُ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}، (سورة آل عمران: 178-179).

3: الإتيان بالصلاة جماعة في اليوم العاشر

كان الإمام الحسين بن علي، عليه السلام، حريصاً على أداء الصلاة حتى في أصعب الأوقات وأحلك الظروف، فقد أدى الصلاة جماعة بأصحابه في اليوم العاشر من المحرم والأعداء تهجم عليه من كل حدب وصوب، والسهام تنهال على بدنه الطاهر، إلا أنه كان لا يبالي بكل ذلك وهو واقف بين يدي الله عز وجل.

وقد جعل عبدالله بن سعيد الحنفي - وهو من أصحاب الإمام - بدنه درعاً دون الإمام الحسين من سهام العدو إلى أن أتمّ الإمام، عليه السلام، صلاته جماعة في يوم عاشوراء، وما إن انتهى الإمام من صلاته حتى قضى عبدالله الحنفي نحبه لما أصابه من السهام، حيث وجدوا على جسده الطاهر ثلاثة عشر سهماً غير ضربات السيوف وطعنات الرماح؛ فكان أول من لقب بـ»شهيد الصلاة».

وبذلك أعطى الإمام الحسين، عليه السلام، الأمة الإسلامية درساً من تلك الساعات الصعبة والحرجة، درسا في وجوب المحافظة على الصلاة، والإتيان بها في الشدة والرخاء، في العلن والسر، في السلم والحرب، في القوة والضعف، فالصلاة هي عمود الدين التي لا تترك بأي حال من الأحوال.

 

 الصلاة وزيارة الأربعين

ورد في الحديث عن الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، أنّه قال:

علامات المؤمن خمس: «صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والتختم باليمين وتعفير الجبين»، فقد جُعلت الصلاة في هذا الحديث الشريف إلى جانب هذه الأمور التي تمّيز المؤمن عن غيره، وهي كما في نصّ الرواية، وذلك من جملة علامات أخرى للمؤمن. وقد فسر العلماء صلاة إحدى وخمسين، بمجموع الفرائض والصلوات في اليوم والليلة، وهي سبع عشرة ركعة، يضاف اليها النوافل اليومية مع نوافل الليل وهذا ما اختص به الشيعة الإمامية والمؤمن من التزم بالنوافلِ والفرائض؛ لأن النوافل مُكملةٌ للنقصِ في الفرائض، وتجبر ما في الصلاة من خلل ونقص؛ فالإنسان يؤدي الفريضة، ولكن من منّا لهُ معراجيةٌ في صلاته؟ ومن منّا راضٍ عن صلاته؟ وقد بين الإمام الصادق، عليه السلام، علة تشريع النوافل، قال :»إن العبد ليرفع له من صلاته - يقصد الصلاة الواجبة - نصفها، أو ربعها، أو خمسها، وما يرفع له إلا ما قُبِلَ عليه منها»، بمعنى؛ لا يرفع من الصلاة إلا ما كان بتوجه وإقبال وخشوع، وإنما أُمِروا بالنوافل لتتم لهم بها ما نقصوا من الفرائض.

تأسيساً على ذلك؛ ينبغي لزائري الامام الحسين، عليه السلام، الالتزام بالصلاة؛ حقيقة وجوهراً، خصوصاً ونحن نسير في درب الحسين، عليه السلام، ونحيي شعائره ضمن مواكب مباركة ومسيرات عظيمة مشياً على الأقدام صوب مرقده الطاهر لإحياء ذكرى الأربعين، فعلينا أن نعطي الصورة النموذجية للعالم في هذا المجال، بإقامة الصلاة الفريضة في أي مكان وصلنا اليه، كيف لا، ونحن نخاطبه بالزيارة: «اشهد انك قد أقمت الصلاة...».

إن كل واحد منّا يتمنى لو كان من أصحاب الامام الحسين والملبين لندائه الخالد، واليوم هذه فرصة تاريخية عظيمة ربما لا تتكرر في العام القادم اذا لم يُقدر لنا الحياة، لذا لنكن ممن يحملون لواء نهضة الامام الحسين، عليه السلام، ونكن ممن ينشرون الصلاح والإصلاح في المجتمع الاسلامي، كما أراد، عليه السلام، فأي تعظيم لهذه الفريضة العبادية هو بالحقيقة تعظيم للشعائر الحسينية، ومن ثمّ هو بمنزلة تلبية نداء الإمام الحسين، كما فعل أنصاره يوم عاشوراء في كربلاء سنة 61 للهجرة، من أمثال حبيب وزهير وعابس والحر وغيرهم.

 

 مشروعية الصلاة على الطريق العام

تنشط المواكب الخدمية على الطريق الطويل الى كربلاء المقدسة، كما هو دأبها في الأعوام السابقة لتقديم الخدمات للزائرين المشاة، من طعام وشراب ومنام ودواء وحتى خدمة الاتصالات الهاتفية وغيرها.

وقد لوحظ تطور خلال السنوات الماضية بتخصيص خيام خاصة للصلاة، وهي خطوة تعبر عن وعي ديني وشعور بالمسؤولية إزاء قضية الامام الحسين، عليه السلام.

وقد أثار البعض إشكالاً في هذه الأماكن المخصصة للصلاة على الطريق العام، وأنها ربما تعود ملكيتها لأشخاص قد لا يوافقون على الصلاة فيها، في حين تؤكد كتب الأحكام لعديد مراجع الدين بأن «...كما تجوز الصلاة في كل مكان، باق على اصل الإباحة، لقول رسول الله، صلي الله عليه وآله: جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا، أينما أدركتني الصلاة صليت».

وهنالك مسألة في جواز الصلاة في الأراضي المملوكة للغير اذا علم او استكشف رضا مالكها، وقد تسأل كيف يعلم رضا المالك؟

الجواب: يعلم ويستكشف من خلال الخطوات التالية:

1- استحصال الإذن الصريح من المالك، كما لو قال: صلّ في بيتي او ارضي.

2- الإذن بالفحوى؛ فلو أذن له بالتصرف في داره ـ مثلاً ـ بالجلوس والأكل والشرب والنوم فيها، وقطع بكونه ملازماً للإذن بالصلاة، جاز له أن يصلي فيها، وان لم يأذن للصلاة صريحاً.

3- شاهد الحال؛ وذلك بأن تدل القرائن على رضا المالك بالتصرف في ماله، ولو لم يكن ملتفتاً إليه فعلاً لنوم أو غفلة بحيث يعلم او يطمأن بأنه لو التفت لأذن.

كما أجاز الفقهاء الصلاة في الأراضي المتسعة اتساعاً عظيماً بحيث يتعذر او يُعسر على الناس اجتنابها، وإن لم يكن حصل أذن من ملاكها، بل وإن علم كراهة المالك للصلاة فيها، وان كان فيهم (المالكين) صغار ومجانين.*

ــــــــــــــــــــــــــــ

* الفقيه الاسلامي، تعليقات على العروة الوثقى - المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي - ص 315، فصل؛ في مكان المصلي.


ارسل لصديق