اكتشاف الذات.. خطوة كبيرة نحو النجاح
كتبه: جعفر ضياء الدين
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 1747

هناك مسؤوليات على الإنسان أن يقوم بها في حياته، أيّاً كان انتماؤه، منها مسؤولية الحفاظ على الذات؛ فكل إنسان مسؤول عن نفسه بأن يحافظ عليها، ولا يدع الخطر يحدق بها، والذي لا يلتزم بواجبات هذه المسؤوليّة فانه متّهم في بشريته وإنسانيته، إذ إنها ترتبط بطبيعة الانسان ككائن حيّ يعيش على هذه الارض.

والمسؤولية الأخرى هي مسؤوليّة العلم التي تشبه مسؤوليّة الحفاظ على الحياة لسببين:

1- إنّ هذه المسؤوليّة جزء لا يتجزأ من المسؤولية الأولى، فالعلم هو الذي يدفع عنك الاخطار وهو الذي يزيل المشاكل، فالذي يعرف الطريق لا يمكن ان يضلّ ويتيه فتحدق به الأخطار، هكذا فانّ المعرفة هي التي تجنّب الانسان من الاخطار.

2- إنّ العلم جزء من كيان الإنسان، فإنسانيته ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعلم، فالإنسان مسؤول عن تعلّمه الذاتي.

وللأسف فانّ كثيراً من الناس يفقدون الإحساس بهذه المسؤوليّة في حياتهم، فيفقدون بذلك سرّ النجاح في الحياة، فيحسبون أنّ الآخرين هم المسؤولون عن تعليمهم، في حين انّهم يجهلون انّ العلم هو حاجتهم قبل أن تكون حاجة الآخرين اليه، وإذا استخدم هنا مصطلح العلم في إطاره العام لا في إطاره الخاص، فالعلم ليس فقط ما تدرسه في الكتب أو تسمعه من الدروس والمحاضرات، بل هو أوسع مدى من ذلك بكثير، انّه سيطرة الإنسان عقليّا على الحياة، أي أن يعرف الإنسان الوسط المحيط به وان يعرف متغيّرات الحياة والقضايا الاجتماعيّة الاقتصادية والسياسية العامّة والخاصّ‍ة، وكلّ ذلك يمكن ان نطلق عليه تسمية (العلم) لكي يستطيع الإنسان تكييف نفسه مع ما يحيط به في الحياة.

وعندما أراد الفلاسفة تحديد فلسفة العلم وهدفه وهدف الأحاسيس والمشاعر التي تؤدّي الى العلم، قالوا انّ الهدف من كلّ ذلك ان يتكيّف الانسان مع ما يحيط به وقولهم هذا صحيح فالعلم بمعناه الأوسع هو كل ما يسهم في تحقيق هذا التكيّف وكلّ ما يجعلك تسيطر على حياتك سيطرة أفضل.

وللأسف فانّ بعض الناس لم يكتشفوا هذا السرّ، فأصبحت حياتهم مظلمة، بعيدة عن العلم والنجاح، واكتشاف هذه المسؤولية والإحساس بها هما من أركان بناء الإنسان لنفسه بناء قياديّاً.

فالإنسان إن لم يدرك أن المسؤول عن تعليمه في الحياة هو ذاته، وان العلم هو احدى المسؤوليات الملقاة على عاتقه طبيعياً كمسؤولية الحفاظ على النفس، فانّ عجزاً كبيراً سينفذ في حياته، وهذا العجز سوف يؤدّي به الى الفشل قطعاً.

 

العلم وإشارات الحياة

والسؤال هنا: كيف يمكن أن يتحسّس الإنسان هذه المسؤوليّة؟ وكيف يؤدّيها؟ وكيف يمكن لبعض الناس الذين أصيبوا في بداية حياتهم بعقدة تجاه العلم فأصبح عبئاً ثقيلاً عليهم، بدلاً من أن يُقبلوا على التعلّم بنشاط ورحابة صدر؟

انّ على هؤلاء ان يكتشفوا انفسهم وان يزيلوا هذه العقدة ويوحوا الى ذواتهم ان الكتاب هو خير صديق للإنسان وانّ المعلّم هو أحبّ الناس اليهم، وانّ ساعة الدراسة هي من ألذّ الأوقات، فمثل هذا الإيحاء سوف يقضي شيئاً فشيئاً على تلك العقدة الكامنة في نفوسهم منذ أيّام الطفولة والتي تفصل بينهم وبين الاحساس بضرورة العلم.

ولكن كيف يستفيدون من هذا الاحساس؟

انّ العالم المحيط بنا فيه إشارات عديدة الى حقيقته، ولنفترض انّ الإنسان أصيب بمرض في أصبع من أصابع رجله نتيجة بعض الطفيلي‍ات التي تكاثرت عليه، انّ هذا المرض سوف يخلق أثره في كلّ جزء من أجزاء جسم الإنسان؛ وهذه الآثار بعضها مكشوفة للعلم والبعض الآخر ما يزال غامضاً، وقد اكتشف العلماء أخيرا‍ً طريقة لاكتشاف مرض القلب من خلال خطوط اليد الموجودة على الكفّ، وهذه حقيقة، فالعلم يسير بخطى حثيثة نحو فهم العلاقة بين وقوع الشيء وبين الإيحاءات والإشارات المحيطة به، فكلّ حقيقة تحدث في هذا الكون صغيرة كانت أم كبيرة تحيط، بها مجموعة إشارات ودلالات نستطيع بواسطتها ان نكتشف تلك الحقيقة.

وعلى هذا فانّ العلم له عدّة طرق، والكتاب ليس هو المعلّم الوحيد للانسان، فالحياة هي بحدّ ذاتها أفضل معلّم للانسان ولكنّ الناس لا يبصرون ولا يستخدمون مشاعرهم وأحاسيسهم ليعرفوا ما يجري حولهم وكيف يجري ليربطوا بين بعض الدلالات والحقائق التي تقع.

انّ الكثير من الناس يكتشفون الحقيقة اليوم في حين انّ البعض الآخر لا يكتشفها الا بعد عام أو عامين، والفريق الأول ليسوا رجال غيب ولكنهّم بصروا ما لم يبصره الآخرون وأدركوا أهميّة الدلالات والاشارات المحيطة بالحقيقة في حين انّ الآخرين لم يلتفتوا اليها.

ولكي نكون ممن يكتشف هذه الاشارات قبل الآخرين لابدّ ان يختلي الانسان منا بنفسه ساعة ويبتعد عن المؤثّرات الخارجيّة، فهذه الخلوة تقدّم للانسان منافع كثيرة منها معرفة طريقة الاستفادة من ايحاءات الحياة، فعندما يجلس ويفكّر فيما جرى حوله؛ من الذي أحسن وأصلح ومن الذي أساء وأفسد، من يسير في الاتجاه الصحيح،ومن ينتهج الطريق الخاطىء وما شاكل ذلك من قضايا، فانّه سيثري بذلك فكره وتندفع نفسه الى اكتشاف الكثير من الحقائق.

انّ فكر الانسان يشبه الى حدّ كبير المصباح الكهربائّي الذي ينتشر ضوؤه في كلّ مكان محيط به فهو ثابت في نقطة واحدة ولكن أمواجه تترامى وتتسع لتلتقي هنا وهناك، فمن الطبيعيّ انّه في حال التفكّر في قضية فان الفكر سوف يعمل بشكل متواصل ليكشف أكثر من قضية واحدة وأكثر من علاقة واحدة بين حدثين، وهذا ما يجعل الانسان قريبا‍ً من الحقائق مكتشفاً لها قبل الآخرين، بل انه ستكتشف الأسلوب الى الحقيقة، ففي المرّة الأولى التي اكتشفت فيها الحقيقة فانّه ستكتشف الطريق المناسب الى مثيلاتها من الحقائق الأخرى.

 

تفكر ساعة

انّ المنطق الذي يبحث في سبل اكتشاف الحقائق مؤخّر عن العلم لا مقدّم عليه، لانّ الانسان بعلمه يكتشف شيئاً ثمّ يكتشف المنهج الذي اعانه على اكتشاف هذا الشيء، وبذلك يصل الى قاعدة من قواعد المنطق، فكلّ إنسان بإمكانه ان يكتشف مناهج جديدة للفهم شريطة ان تكون له خلوة.

وللخلوة إضافة الى ذلك فوائد أخرى منها تركيز الإرادة وشحذ العزيمة واكتشاف النواقص وأسباب العجز الذاتي والابتعاد عن المؤثّرات النفسيّة، ولكن الفائدة الرئيسية هي (فهم الحياة)، فلنتدبر في هذه الكلمة ولنعمل بها فـ (تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) كما يقول النبي صلى الله عليه وآله، فلنجعل منها مفتاح النجاح في حياتنا فالذي يفشل في الدنيا يفشل أيضاً في الآخرة، لانّ الانسان الذي يفقد مفتاح النجاح فانّما يفقد طريق إنسانيته.

انّ الانسان من الممكن ان يصاب بانحرافات كثيرة دون ان يشعر بها ودون ان تتسنى له لحظة تفكير واحدة يكتشف من خلالها هذه الانحرافات، فيجعل كلّ واحد منّا من الآخرين مقياساً لتقييم نفسه، فنحن نعرف انّ الآخرين لهم انحرافات ويعانون من نقاط ضعف، وبالتالي فانّنا أيضاً لابد وان نعاني من بعض تلك الانحرافات ونقاط الضعف، لذا فلنبدأ من انفسنا بالوعظ والزجر ولنكن مربّين لأنفسنا بدلاً من الآخرين من خلال الساعات التي نختلي فيها، ولذلك نجد في الاحاديث الشريفة تأكيداً على ضرورة وجود ساعات معيّنة يختلي فيها الانسان بنفسه.

ولكي لا ينغّص علينا الشيطان خلوتنا هذه ينبغي ان تكون هذه الساعات بالنسبة لنا ساعات الاختلاء بالله تعالى ـ

كذلك ففي نفس الوقت نفكّر أن من الأفضل أن نقرأ الأدعية والقرآن ونتدبّر فيهما لكي نتفاعل معهما، ونكون بعيدين عن الأجواء الماديّة المحيطة بأنفسنا، ونخرج من تلك القوالب الحديديّة التي وضعنا فيها أنفسنا، فنكتشف بذلك نواقص انفسنا لنبادر الى اصلاحها.

فلنتفاعل مع آيات القرآن الكريم ومواعظه وعبره، وهكذا الحال بالنسبة الى الأدعية والصلاة، فلا بأس ان يفكّر الانسان اثناء الصلاة في شؤونه ويتذكّر ذنوبه وأخطاءه التي لو قال الآخرون أنها موجودة فيه لَنَهرهم ورفض الاستماع اليهم، أمّا في الصلاة فان الانسان يشعر بالخجل والحياء من ربّه ولا يستطيع إنكار وجود تلك الانحرافات في نفسه، فتبكي أو تتباكى على ذنوبك في الصلاة عند القنوت.

صحيح انّ بعض الناس يختلون بأنفسهم ولكن في أيّ شيء يفكّرون، ولأيّ شيء يخططون؟ انّهم يخطّطون ليركزوا مفاسدهم وانحرافاتهم ويكرّسوا منهجهم المنحرف، أمّا الانسان المؤمن فانّه يختلي بنفسه وبينه وبين الله عز وجل شاهداً عليه، هذا هو سرّ من أسرار النجاح.

وإن لم استطع ان أعبر للقارىء الكريم تعبيراً دقيقاً عن كلّ ما يحيط بهذه الفكرة، فانّي أطلب منه ان يجرّب هذه العمليّة بنفسه لكي يكتشف مدى فائدتها، فليجلس بعيداً عن الاضواء ولا يفكّر في شيء واحد بل في مختلف أموره؛ دراسته، موقفه من الحياة، طريقة تعامله معها، ليفكّر في كلّ هذا فمجرّد التفكير هو سرّ النجاح في حياة كلّ العظماء الذين درستُ حياتهم، فقد كانت لهم ساعات للتفكير.

وهكذا فانّ ساعات الخلوة هي ضرورة من ضرورات الحياة، وهذه هي القاعدة الثانية في بناء الإنسان لنفسه، فالإنسان عندما يكون طموحه عالياً فانّ هذا الطموح سوف يصبح وقوداً يدفع الإنسان الى الأمام، وحديث الإمام الصادق عليه السلام، بليغ كلّ البلاغة في بيان هذه الحقيقة فهو عليه السلام يقول: (ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيَتْ عليهِ النيّة)، فإذا كانت نيتك قويّة، وإرادتك فولاذيّة فانّ جسمك سيتبعك شاء أم أبى.

ان الهمة العالية هي من طبيعة الانسان الذي استوعب رسالة السماء وعرف لماذا خُلق والى أيّ مدى يستطيع أن يصعد، ولكنّ المشكلة الأساسية عند الإنسان هي مشكلة اليأس الذي يجب ان يعالج بالتوكّل على الله تعالى، ففي كلّ لحظة نحن بحاجة الى التوكّل وخصوصاً القائد فينا، فعندما يصبح الإنسان قائداً يعني أنه اختار تحمّل مسؤوليّة الآخرين فضلاً عن مسؤوليته، فالآخرون سوف يحمّلونه مسؤوليّاتهم ومشاكلهم ويطالبونه بتشجيعهم، بان يفيض من روحه روحاً عليهم ومن ارادته عزيمة.

لكن السؤال هو كيف يتم ذلك؟

انّ ذلك ممكن من خلال الاستعانة بالله تعالى، والتوكّل عليه، أي التعايش مع حالة التوكّل دائماً، فنحن نعيش في كلّ لحظة بين اليأس والرجاء ولابدّ ان نستمد من التوكل روح الرجاء، وهنا تكمن آفة من آفات القيادة الكبيرة الا وهي (خور العزيمة) والتردد في اتخاذ القرارات، متعلّلة بذرائع شتى.

كلّ ذلك يعني أنّ الإنسان ضعيف اقتضاءً لطبيعته البشريّة، ولكي لا يسيطر الضعف عليه في الأوقات الحرجة في حياته فعليه ان يكتشف الطريق الى الله ـسبحانه وتعالى، وإذا أراد أن يصبح قائداً فعليه ان يكتشف مفتاح التوكّل على الله، لكي يستمد العزيمة من الله كلّما خارت عزيمته هذه شريطة ان لا نغلق الباب بيننا وبينه ـ تعالى ـ.

انّ هناك البعض من الناس يدعون الى التوكّل ولكنّهم لا يفهمون معناه، فالإنسان العاصي الذي قطع علاقاته مع ربّه فغضب عليه، مثل هذا الإنسان لا ينفعه توكله لان الانسان المؤمن هو الجدير بالتوكل: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (آل عمران/160)، فالذي لا يمتلك الايمان لا يمكنه التوكل.


ارسل لصديق