طلب العلم ومخاطر سرقة المكاسب والإبداعات
كتبه: جعفر ضياء الدين
حرر في: 2013/03/02
القراءات: 1056

ما هي علاقة العلم بالمال؟ وما هو الضمان الذي يعطيه الإسلام للعلم لكي يبقى مستقلاً وبعيداً عن الضغوط، وعن استغلال القوى المنحرفة في المجتمع؟ وكيف يحصن العلماء أنفسهم إزاء هذه الضغوط الهائلة؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لابد أن نعرف، أن ما وصل إليه العالم من تقدم ورقي إنما هو رهين العلم والعلماء لا الحكام، ولكن مشكلة البشرية أن الحكام كانوا دائما يسرقون مكاسب العلماء، ويوظفونها لصالحهم.

فعلى طول التاريخ كان العلم أداة فاعلة بأيدي الطغاة والجبابرة لتطويع الشعوب وترويضها، فلقد كان لكل فرعون (هامان) يؤيده ويؤازره، و(بلعم) يُؤمّن له التغطية الدينية المزيفة. وكان لكل معاوية رجال أمثال كعب الأحبار، ولكل يزيد رجال مثل شريح القاضي، ولكل طاغوت مجموعة من العلماء المرتزقة سواء تستروا بستار الدين أم بستار مادي.

 

لابد من استقلالية العلم

والتأكيد على استقلالية العلم لا يعني عدم التأكيد على أهمية العلم ذاته والمكاسب العلمية الهائلة التي حققتها البشرية بالعلم، فتخلف بلادنا لا يعود الى وجود الأنظمة الفاسدة فيها، وتسلط الدكتاتوريات الارهابية والفاشية عليها فحسب، وإنما إضافة الى ذلك لعدم اهتمام شعوبنا بالعلم والتعلم، فالتخلف واقع فاسد له مظاهر عديدة منها الأنظمة الفاسدة، ومنها البؤس والحرمان، وتفشي الجهل والأمية، وفقدان الرعاية الصحية، وضعف القوة العسكرية...

ونتساءل: لماذا نجد شعبا آسيوياً مثل الشعب الياباني يعيش في منطقة فقيرة في الموارد الطبيعية، وغير ستراتيجية، يتقدم يوما بعد يوم، ويبدأ الثورة الثالثة في عالم الصناعة، ويغزو بإنتاجه أسواق اوروبا وأميركا؟ يجيب الباحث الأمريكي (جان جاك سونان) مؤلف كتاب (التحدي العالمي) عن هذه التساؤلات قائلاً: «إذا كان ثمة عامل يفسر النجاح الياباني، فهو البحث الجماعي الدائم عن المعرفة». وعندما أعلن (دانيال بيل) و (بيتر داركر) وبضعة آخرون بداية مجتمع ما بعد الصناعة الذي تحل فيه المعرفة كمورد أساس محل رأس المال، لم يكونوا يتصورون الى أي حد سيشق هذا المفهوم الجديد طريقه، وبسرعة خاطفة في جميع الأوساط القيادية في اليابان، ثم كل شرائح الشعب. لقد أجمع العالم على الأمسية القصوى التي يجب ان تولى الى متابعة التعليم والمعرفة باستمرار طوال سنوات العمر...)(1).

ونحن بين أيدينا التعاليم والمبادئ الإسلامية التي تجعلنا نستفيد من العلم أيما استفادة، وذلك من خلال توفير ضمانات تحول دون سرقة العلم؛ وهي:

 

1- منح العلم قيمة ذاتية

الإسلام يمنح العلم قيمة ذاتية ليكون هو والعلماء محوراً يستقطب حوله قدرات الجماهير وطاقاتهم وإمكانياتهم، وقد جاء في الحديث عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: «أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه في ما يبتلى به من شرائع»(2).

فمع أن اليتيم الذي يفقد أباه في صغره يعاني الكثير من الآلام في حياته، الا أن من ينقطع عن إمامه هو في الحقيقة أشد معاناة وأكثر خسارة، ذلك لأنه بانقطاعه عن إمامه سيخسر الطريق الذي يصل عبره الى سعادته في الدنيا والآخرة.

ويمثل الرسول صلى الله عليه وآله، العلماءَ كنجوم السماء يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، فيقول: «مثل العلماء في الارض كالنجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فاذا طمست أوشك أن تضل الهداة».

وعنه، أيضاً صلى الله عليه وآله، قال: «ما أهدى المرء المسلم الى أخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى، ويرده عن ردى»، وعنه صلى الله عليه وآله، وهو يبين منزلة العلماء في الجنة: «ألا أحدثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور؟ فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين يحببون عباد الله الى الله، ويحببون عباد الله إليّ، يأمرونهم بما يحب الله، وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبهم الله).

كل تلك الأحاديث والعشرات من أمثالها إنما جاءت لتوضح قيمة العلم والعلماء وإن العلماء هم محور المجتمع؛ هذه هي من الضمانات الأساسية لاستقلال العلم عن المال والقوة.

 

2- خلوص النية لله

عندما يوقّع الطالب الجامعي على وثيقة يتعهد بموجبها أن يخدم المعهد الذي يدرس فيه لمدة خمس أو عشر سنوات، فإنما يوقع - في الحقيقة - على وثيقة ارتباطه بذلك المعهد، لأنه لم يوفر الإمكانات لهذا الطالب الا لكي يوظفه بعد تخرجه في المجال الذي يخدم مصالح المعهد نفسه، وهكذا يصبح العلم، وبشكل تلقائي، تابعاً للمال، فترى الطالب يطلب العلم لا لكي يخدم الناس وإنما لكي يكتسب قيمة بينهم، كأن يصبح وزيراً يخدم في إحدى وزارات السلطة الحاكمة.

إزاء ذلك، نرى النصوص الإسلامية تؤكد تأكيداً بالغاً على ضرورة أن تكون نية طالب العلم نقية، بأن يكون طلب العلم لله وحده، وحينما يكون كذلك فإنه سيكون للناس أي للمصلحة العامة.

وفي الحديث المأثور عن الإمام علي، عليه السلام: «طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف، الا فاعرفوهم وأعيانهم: فصنف يتعلمون للمراء والجهل، وصنف منهم يتعلمون للاستطالة والختل، وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل، فأما أصحاب المراء والجهل تراه مؤذياً، مماريا للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالخشوع، وتخلى عن الورع، فدع الله من هذا حيزومه (أي قصم ظهره)، وقطع منه خيشومه (أي أنفه)، وأما صاحب الاستطالة والختل، فانه يستطيل على أشباهه من أشكاله، يتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله من هذا بصره، وقطع من آثار العلماء أثره، وأما صاحب الفقه والعقل تراه ذا كآبة وحزن، قد قام الليل في حندسه، وقد انحنى في برنسه (لباس الزهد)، يعمل ويخشى، خائفا من كل أحد الا من كل ثقة من إخوانه فشد الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه».

فهو لا يثق بمن يحوم حوله من شياطين الإنس، هؤلاء الذين يدورون حول العلماء ويمثلون بطانتهم الفاسدة، التي يستطيع أعداء الدين عبرها التأثير على العلماء

 

3- تحديد هوية علماء السوء

ويكون ذلك من خلال تزويد الناس بمقاييس ثابتة وواضحة يمكنهم بواسطتها التعرف على علماء السوء، ومن ثم طردهم من ساحة المجتمع، والقرآن الكريم يضرب لنا أمثالاً تاريخية على علماء السوء ويصف بعضهم بانه (كلب) والآخر (حمار).

يقول – تعالى – وهو يحدثنا عن قصة (بلعم بن باعوراء) العالم الذي استخدم علمه لضرب نبي الله موسى (عليه السلام) ورسالته: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ» (سورة الأعراف /175).

والغواية هي الضلالة بوعي واختيار، فقد يضل إنسان طريقه وهو غافل، وقد يضل طريقه عامداً، فهذا الانسان كان واعيا ولكنه لم يتبع وعيه، فأضلّه الله وكان من الغاوين. وفي الآية التالية من نفس السورة يقول تعالى: «وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».

فقد كان بامكان ابن باعوراء ان يسمو بعلمه الى أعلى عليين، ولكنه أخلد الى الشهوات، فكان مثله كالكلب الذي يلهث بمناسبة وبغير مناسبة.

وفي سورة المؤمنون يحدثنا القرآن الكريم عن العلماء الذين يغترون بعلمهم، ويتصورون أن ما عندهم من علم يغنيهم، فيستهزئون برسالات الله، ولكنهم ينسون أن ما توصلوا إليه من علم ما هو الا قطرة من بحر، ولذلك فإن ما يجهلونه سيحيق بهم فيهلكهم ويدمرهم. «فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ» (سورة غافر /83).

وفي سورة الجمعة يقول – تعالى- : «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (سورة الجمعة /5).

وفي السنّة أحاديث كثيرة، تستهدف ذات الهدف الذي يدور حديثنا حوله وهو ضرورة فصل علماء السوء عن المجتمع، ففي الحديث عن الإمام علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «العلماء رجلان؛ رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهو هالك، وإن أهل النار ليتأذون بريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً الى الله عز وجل فاستجاب له وقبل منه، واطاع الله عز وجل فأدخله الله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه، واتباعه هواه»، ثم قال، عليه السلام: «الا إن أخوف ما أخاف عليكم خصلتان؛ إتباع الهوى؛ وطول الأمل، أما إتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة».

وفي الحديث عن الامام علي، عليه السلام: «قطع ظهري رجلان من الدنيا، رجل عليم اللسان فاسق، ورجل جاهل القلب ناسك، هذا يصد بلسانه عن فسقه، وهذا يصد بنسكه عن جهله، فاتقوا الفاسق من العلماء، والجاهل من المتعبدين، اولئك فتنة كل مفتون فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: يا علي هلاك امتي على يدي كلّ منافق عليم اللسان.

وبعد توفر ضمانات استقلالية العلم، وعدم انحرافه، فان على العالم – حينها- التحلّي بصفات أخلاقية منها الزهد، فالزهد هو أهم صفات علماء الدين الذين من المفترض أن يصبحوا قادة للأمة، ففي دعاء الندبة الذي يحدد فيه الإمام صفات أولياء الله الصالحين نقرأ هذه الفقرة: «وشرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها»، فالله – سبحانه – فوّض أولياءه مسؤولية قيادة الناس بعد أن أخذ عليهم العهد بأن يزهدوا في متاع الدنيا وزينتها، وهذا هو أهم الشروط التي اشترطها الله على عباده الذين خولهم مسؤولية الإمامة.

ومن حديث له صلى الله عليه وآله، لأبي ذر الغفاري قال: (يا أبا ذر؛ إن الله تبارك وتعالى أوحى الى أخي عيسى: يا عيسى، لا تحب الدنيا فإني لست أحبها، وأحب الآخرة فإنما هي دار المعاد.

يا أبا ذر إن جبرئيل أتاني بخزائن الأرض على بغلة شهباء فقال لي: يا محمد؛ هذه خزائن الدنيا، ولا ينقصك من حظك عند ربك، فقلت: يا حبيبي جبرئيل؛ لا حاجة لي فيها، اذا شبعت شكرت ربي، وإذا جعت سألته.

وعن أمير المؤمنين، عليه السلام، قال: «إن في جهنم رحى تطحن، أفلا تسألوني ما طحنها؟، فقيل له: وما طحنها يا أمير المؤمنين؟ قال: العلماء الفجرة، والقراء الفسقة، والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة».

وعن الإمام الصادق، عليه السلام: "إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يحوط ما أحب"، وأوحى الله – تعالى – الى داود عليه السلام: «يا داود؛ لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طرق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن انزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم».

ومما نستلهم من الأحاديث والآيات القرآنية الكريمة أن معرفة علماء السوء والشاذين عن طريق الهدى والصواب لها الأولوية لأن التعرف إليهم وتحديدهم يكفل للإنسان لا سيما طالب العلم الذي يضع خطواته الاولى بتكوين شخصية علمية اجتماعية، تحديد المعايير والمقاييس الصحيحة القائمة على القيم والمبادئ الشخصية لعالم الدين القادر على بناء شخصية الإنسان والمجتمع.

---------------

1- أحد أساتذة جامعة (هارفارد) وقد أقام في اليابان مدة طويلة ليتعرف على السبب الحقيقي لتقدم الشعب الياباني.

2- عن بحار الأنوار ج2 باب الهداية والتعليم وفضلها - وهو مصدر الأحاديث المروية فيما بعد - .


ارسل لصديق