شهر رمضان .. فرصة البناء الاجتماعي
كتبه: باقر ياسين
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 1065

ما أن يحل شهر رمضان المبارك، حتى يعمّ شعور من نوع خاص، لدى الغالبية من الناس، فيخرج الإنسان من دائرته الذاتية الضيقة، الى رحاب المجتمع والأمة، في أول مفردة من الشهر الكريم، وهي الصيام، حيث يُمسك جميع الصائمين دون استثناء في وقت واحد، وهو في لحظة حلول الفجر، ثم يجلسون على مائدة الإفطار في وقت واحد ايضاً، عند سماع أذان المغرب. وكذلك الحال، في مجالس الذكر والوعظ والدعاء وقراءة القرآن الكريم، كلها تمثل طقوساً عبادية – روحية، يشترك فيها الصغير والكبير، العالم والجاهل، وجميع شرائح المجتمع.

 

* «اغتنموا الفرص...»

هذه العبادة الجماعية تمثل لنا فرصة ذهبية لا يجب أن تمر مر السحاب، إنما تكون بالشمس الساطعة التي لا تترك زاوية مظلمة في حياتنا إلا وكشفتها ثم عالجتها بشكل تام. ففي مجتمعاتنا أمراض أو ظواهر سلبية عديدة، تشكل خطراً على سلوك وثقافة الافراد، وهي متشعبة وعديدة؛ مثل ظاهرة التسيّب الأخلاقي لدى الشباب، وتصدّع الحجاب لدى شريحة من النساء والفتيات، وعدم تحمّل الأب  والأم مسؤوليتهما الاخلاقية والدينية أمام الابناء، وغياب العادات الحسنة والصفات الحميدة في المجتمع، الى حدٍ ما، مثل الصدق والأمانة والتكافل والقناعة والشعور واحترام الآخرين، وغيرها كثير، وانتشار ظاهرة العنف والقسوة واللامسؤولية.

لو لاحظنا مجمل الظواهر السيئة لدينا، نجد أنها نسخة من الواقع الجاهلي الذي كان يعيشه سكان مكة قبل الإسلام، مع فارق الظروف وظواهر الحياة، وهي مسألة مثيرة للتساؤل حقاً، بمعنى ان مجتمع اليوم يعيش النهج الجاهلي دون أن يعي ذلك، فالعنف والقسوة والتجاوز على حقوق الآخرين، من سمات المجتمع الجاهلي الذي عمل على هدايته وتغييره الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، وهذا ما نلاحظه اليوم في معظم مجتمعاتنا، ربما التطور التقني والخدمات الوفيرة المحيطة بالانسان، لم تكن موجودة آنذاك، إلا ان الانسان، كإنسان لم يطرأ عليه أي تغيير، فهو ذات قابلية على حمل الصفات الحسنة تارةً، والسيئة تارة اخرى.

 

* خطوات نحو التغيير

هنالك خطوات وعوامل مشجعة نحو التطوير والتقويم الاجتماعي:

أولاً: التهذيب داخل الأسرة

لا يمكن ان تجتمع عبادة الصوم، بما تشتمل على الإجهاد من أجل توثيق العلاقة وتحسينها مع الله تعالى والتقرب اليه، مع التقاطع والتدابر داخل الأسرة الواحدة، ولاسيما اذا تعلّق الامر بالوالدين.. وقد صرّحت الآية القرآنية الكريمة بقوله تعالى: «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا». فقد قرن الله تعالى عبادته وتوحيده، مع الإحسان الى الوالدين. فعندما يختل لدى الانسان أمر العبادة والتوحيد، بلا شك، ينعكس على مجمل منظومته الفكرية والعقائدية، ويكون في طريق آخر، كذلك الحال، اذا اختلت العلاقة لديه مع أبويه، أو أحدهما، فانه بلا شك سيترك بصمات سلوكه وتصرفاته، بل ومسيرة حياته.

جاء في السيرة  النبوية، أن رسول الله صلى الله عليه وآله، حضر شخصاً يعالج سكرات الموت، فجلس عند رأسه وقال له: يا فلان.. قل: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». فلم يسع الرجل التفوه بذلك. فألح عليه النبي، فلم ينطق بكلمة واحدة مما أمره به. وعند ذاك سأل النبي من كان حوله عما إذا كان لهذا الرجل المحتضر أم أو أب، فقيل له: ان له أما، فأمر بها النبي، فأحضرت عنده. فقال لها رسول الله: أأنت راضية عن ولدك؟ قالت: كلا؛ يا رسول الله! لست راضية عنه لما آذاني. فنصحها النبي بأن ترضى عنه، فلم يزدها ذلك إلا إصرارا على غضبها من إبنها. وإذ ذاك أمر النبي - الرؤوف الرحيم- بأن يوقد للرجل حتى يضرم فيه النار. فاضطربت المرأة أشد الاضطراب لما ينوي النبي فعله، فقال لها: إن إبنك هذا يستحق النار ما لم ترضي عنه، ونار جهنم أشد عليه من هذه النار التي أريد إحراقه فيها. فأعلنت المرأة رضاها عن إبنها. فما كان منه إلا ان نطق بالشهادتين وتوفي راضية عنه.

من الملاحظ أننا لا نرضى -عادة- لأولادنا أن يصيبهم ألم بسيط أو مكروه، فلماذا نرضى لهم أن يكونوا وقوداً لنار جهنم يتعذبون فيها خالدين. ولعل السبب في ذلك أننا نغفل أو نتغافل عما يفعله الأولاد من الموبقات والفواحش التي يستحقون عليها عذاب النار، ثم نكون معهم حيث نستحق النار أيضا بغفلتنا تلك، في حين أننا إذا أولينا لهم الإهتمام بهم فربيناهم التربية المناسبة ووضعنا كل شيء في محله، دخلوا ودخلنا معهم الجنة الأبدية، وكنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

* ثانياً: التربية بتخصص

اذا لاحظنا مزالق الانحراف أمام شبابنا، مثل التوجه الى الانترنت والقنوات الفضائية، نجد أن هناك تصنيفاً وتخصيصاً، في جانب الرياضة – مثلاً- والفن والرياضة، ولكل من هذه الأمور تفرعات وتشعبات، يدخل فيها الشاب ولن يجد الطريق للخروج منها. وهذا يعود الى ثقافة التخصص في الغرب، حيث كل شيء له تخصص في أول مراحله النظرية، وحتى الدراسة والتعليم ، ثم التطبيق العملي والانتاج. فهناك تخصص في أدقّ الامور الفنية والتقنية، وحتى الخدمات التي لا نولي لها أية أهمية، مثل الديكور والاتصالات والنقل ومرافق الانتاج المختلفة، وايضاً مرافق التعليم. أما نحن، لدينا أقسام للدراسة الاكاديمية في جامعاتنا، مثل القانون والتاريخ والطب وغيرها، لكن ليس لدينا مؤسسات مختصة بإرشاد المتزوجين، وإزالة الغموض عن كثير من المسائل الاجتماعية والأسرية، كما من المفترض أن تكون لدينا هنالك زوايا في المساجد والحسينيات خلال شهر رمضان المبارك، للإجابة عن مختلف اسئلة الشباب البالغين والفتيان المراهقين، حتى يعرف هؤلاء أنهم ليسوا وحيدين في عالم الانترنت والفضائيات، فهناك من يدعمهم ويساندهم ، بل يقويهم أمام التيارات الثقافية الاخرى.

لامناصّ اطلاقاً من التخصص في امر التربية الاجتماعية، وهذا شهر رمضان المبارك، خير فرصة لتجربة ذلك، ابتداءً من الطفل الصغير ومتطلباته الصحية والتربوية والنفسية، و الامور الزوجية، والمسائل الاخلاقية والدينية، ومختلف أنواع التعامل بين الناس، وذلك في ضوء السيرة المطهرة للمعصومين، صلوات الله عليهم، ولدينا ما يغنينا من الدروس والعبر في الاخلاق والتربية والمفاهيم الانسانية، من حياتهم الكريمة.

 

* ثالثاً: التطبيق العملي

ربما لا يجهل معظم الناس – إن لم نقل كلهم- قدسية القيم الاخلاقية الدينية، ودورها في تقويم الاخلاق والسلوك، لكن المشكلة دائماً في التطبيق العملي لهذه القيم على الأرض، فالجميع يتحدث عن الاخلاق والفضيلة والصفات الحميدة والقيم الدينية، لكن ليس من هذا الجمع إلا القليل ممن يفي لتلك القيم المقدسة بتطبيقها على نفسه أولاً ثم أسرته وجماعته، حتى وإن كلفهم ذلك بعض التغيير والتحوّل. وهذا شهر رمضان المبارك، واحة مفتوحة لأن يكون لقيم اخلاقية وانسانية، مثل التكافل والإحسان والعفو والتسامح والتعاون وغيرها، مصاديق على الأرض من خلال ادخال هذه المفردات في قاموس علاقاتنا ومواقفنا وافكارنا، و اذا حصل التغيّر من قبل الافراد، فان المياه الراكدة في المجتمع الكبير ستتحرك قطعاً، وسينخفض منسوب الرشوة والظلم والكذب والسرقة والخيانة والغش والدجل في المجتمع، ولو بنسبة معينة.

لقد بات الحديث عن غياب القيم الدينية والاخلاقية، مسموعاً بصوت عال في معظم مجتمعاتنا الاسلامية، رغم الظواهر الموجودة، والنشاطات الدينية، مما يمكن القول ان شهر رمضان المبارك يمثل تحدياً كبيراً لنا جميعاً بأن نبين قوته وقدرته على التغيير، وأن لا يأتي ونعيش أيامه صائمين نهاراً ، ومفطرين ليلاً، ومن حولنا الصفات السيئة، في محيط العمل والسوق ، والأسرة، كما لو أنه لا تناقض بين كل هذه الانحرافات وبين هذا الشهر الفضيل، الذي شبهه الرسول الأكرم صلى  الله عليه وآله بأنه «شهرٌ دعيتم الى ضيافة الله». بمعنى أننا أمام مائدة رحمانية عظيمة، تتضمن المغفرة والرضوان، لكن بشرطها وشروطها، حيث لابد من التغيير والتحول في النفوس والافكار والمزاجات.


ارسل لصديق