الشباب والفهم الواعي لشهر رمضان
كتبه: الشيخ حسين الخشيمي
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 1229

الحياة محطة، نسير فيها عبر ساعاتها وأيامها وسائر أزمنتها.. فهي مجرد مرحلة ولا تعدو غير ذلك، إلا أنها في غاية الأهمية، فمن خلالها يُحدد الإنسان مصيره الأبدي، فإما في جنان الخلد في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أو في نيران جهنم والعياذ بالله.
وتحمل هذه الحياة بين طيات أيامها العديد من الفرص، التي يمنحها الله تبارك وتعالى للإنسان بين الحين والآخر، وهي ليس حكراً لأحد، بل هي فرص جماعية ينعم بها جميع المسلمين في كل بقاع الأرض. الهدف من هذه الفرص هو منح الإنسان القدرة على عبور مرحلة الحياة بنجاح وامتياز لينعم بعيش رغيد في الآخرة التي وعدنا بها الله تعالى، والتي منها مرحلة الشباب، هذه المرحلة التي يكون فيها الفرد بكامل قواه الجسدية والعقلية، فهو في هذه المرحلة كالشجرة اليافعة التي تعطي ثماراً يانعة، إلا أنها لن تستمر بالعطاء ما لم تنتفع بأرضها التي غرست فيها، وكذلك الإنسان لن ينتفع بنعمة الشباب ما لم يستفد منها ويستثمر كل لحظة من لحظاتها، بل إن كل فرد مسؤول عنها أمام الله، وسوف يُسأل عنها يوم القيامة. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة : عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت». وهنا إشارة واضحة الى ضرورة الانتفاع من مرحلة الشباب الحساسة، والاستفادة منها قبل ان تنقضي وتنتهي مع الزمن.
ونحن في رحاب شهر رمضان المبارك أمام فرصة عظيمة، وهي تلك النعمة والرحمة الإلهية والأجر العظيم الذي خُصّ به الصائمون والقائمون في هذا الشهر الفضيل، والذي دعانا الى كتابة هذه السطور،  ما نراه من إحراق متعمد للوقت من قبل بعض الشباب في هذا الشهر المبارك، فالكسل حليف بعض الشباب في أيام وليالي هذا الشهر الفضيل، بحجة التعب من الجوع والعطش، ولو عرفنا أن الغاية من الصيام هو تنمية ملكة التقوى و الورع عن محارم الله، و تنقية النفس البشرية من الصفات السيئة والعادات الخاطئة، وتربيتها على الصبر والتحمل والتواضع؛ لأصبح واضحاً لدى الشباب أن هذا التعب والجهد المبذول في الصيام، هو بالحقيقة لمصلحته الشخصية، في الدنيا وفي الآخرة.
والبرنامج الإلهي الموضوع في شهر رمضان يُظهر لنا ايضاً ان هذا الشهر الكريم يهدف الى بعث الحيوية في حياة الانسان، و الاجتهاد ، في طلب الثواب، وسيتضح لنا ذلك من خلال إطلالة خاطفة على روايات أهل البيت عليهم السلام، التي جاءت في كتاب «مفاتيح الجنان»،  الذي جمع فيه الشيخ المرحوم عباس القمي هذه الروايات الشريفة، بشكل يسهل اعتماد مضامينها برامجاً للعمل في هذا الشهر المبارك وسائر الشهور الأخرى. كما ان في هذا الشهر أيضاً ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وفيها يفرق كل أمر حكيم، وتقدر فيها أرزاق ومصائر البشر، وهي فرصة أخرى للمراجعة والانقلاب على الكسل والتعطيل الذي يعيشه بعض الشباب، والتحول من نفق الفشل الى رحاب النجاح، لذا فان قيام هذه الليلة بالصلاة والدعاء والتهجّد كفيل بنجاة الإنسان من نيران جهنم ومحو ما ارتكب في الايام السابقة من الذنوب، وما اقترفه من أخطاء، ربما يكون البعض منها غير مقصود، وبالرغم من بساطة هذه الأعمال وسهولة القيام بها في هذا الشهر العظيم؛ نجد ان اغلب الشباب يستصعبها، وفي الوقت الذي ينبغي ان يكون فيه مشتغلاً بالصلاة والقيام وحضور المحافل القرآنية التي تقام طوال أيام الشهر الكريم؛ تجده يتجه نحو مجالس اللهو واللعب والمقاهي، التي يتناول فيها الشباب أنواع مختلفة من الأحاديث التي تقسي القلب ولا تتناسب مع اجواء هذا الشهر المبارك، بل و الأنكى من ذلك، حصول التعارض الكبير بين وضع الشاب خلال مدة الصوم، وامتناعه عن سائر المحرمات والمفطرات؛ وبين مدة ما بعد الإفطار، وبذلك يضيع جهد الصوم والامتناع عن المفطرات في  النهار باللهو وضياع الوقت في الليل، التي ربما تجره الى المعاصي ايضاً، ويكون  مصداقاً للآية الكريمة: «كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً».
إن مشكلة الشباب هي الفهم الخاطئ للمرحلة التي يعيشونها، وليست القضية محصورة في ايام شهر رمضان المبارك، لكن الشهر الكريم، يعد فرصة خاصة، ولن نتمكن من استثمارها إلا عبر الفهم الواعي لأيامه ولياليه، والالتزام المستمر بالتعاليم الدينية والقيم الاخلاقية، والمداومة على الأعمال المستحبة التي توصي بها الروايات عن المعصومين، لان فلسفة الصيام في هذا الشهر بالتحديد تقتضي الجد والاجتهاد في العبادة، فأيامه ليست كباقي الأيام، فالعمل فيه مبارك، والأجر فيه مضاعف. كما ينبغي للشباب ان يتخذ من هذا الشهر المبارك منطلقاً لاستغلال مرحلة الشباب بالإيمان والعمل النافع، لكي تكون ساعاتها وأيامها ثمن الجنة في الآخرة، وان نتذكر دائماً أننا سوف نسأل عن كل لحظة قضيناها من مرحلة الشباب يوم القيامة، فهل نحن مستعدون للإجابة عن هذا السؤال..؟ 


ارسل لصديق