العقل والعقلنة
كتبه: علي ضميري
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 963

أوصى الله تبارك وتعالى بني البشر في القرآن الكريم بالتعقل والتفكر، وقد مدح الذين يختارون بناءً على العقل ومعرفة الواقع، وعدّهم من أهل الهداية: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَاب» (سورة الزمر /18)، وفي موارد أخرى؛ بيّن أن الذين ينتفعون بالآيات والأمثلة القرآنية، ويستخدمون عقلهم وذكاءهم، ينالون ثواباً وأجراً مضاعفاً، فيما انتقد الذين لا يعقلون ولا يستثمرون قواهم العقلية.
وأكثر من ذلك، انه عزّوجلّ ساوى الذين لا يعقلون بالحيوانات، بل وعدّهم أضل منها بمراتب، وخاطبهم على أنهم صمّ بكمٌ وموتى، وعدّهم الأسوأ على وجه البسيطة، ووعدهم بعذاب النار: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (سورة البقرة /171)، والأمر الجدير بالإشارة، هو أن تلاوة القرآن الكريم بلا تفكر، وأداء الصلاة فارغة عن التوجه العميق، والدعاء بلقلقة لسان –مثلاً- لا قيمة لها ولا ثمرة، بل إن استخدام العقل اصبح معيار الحصول على الأجر ـ أي إن الأعمال التي نمارسها، والعقائد التي نعتنقها، ينبغي أن تكون مؤسسة على العقل والتعقل، دون العاطفة أو التعصب.. وحتى الموارد التي ورد فيها الأمر بالحب أو البغض، إنما المقصود بهما ما نبعا من التعقل، إذ لا يصح أن يكون الحب أو البغض مؤسسين على الجهل والتعصب والمصلحة المادية.قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ساعة تفكر خيرٌ من عبادة سبعين سنة».


* عاقبة الهوى
ينبغي التذكير بأنه إلى جانب العقل، وهو أصل إنساني مشهود، يكمن هنالك الجهل والهوى. فإذا كان العقل (بالمفهوم الديني)، ممثلاً لله العليم الحكيم و رسوله، فإن هوى النفس عميل الشيطان الرجيم..! وإذا كان العقل نوراً، فإن هوى النفس ظلام. ولذا لابد من الوعي والتحصّن بالله المتعالي، فلا يشتبه علينا العدو من الصديق، والسم من العسل، كما لابد من فسح المجال للعقل السليم، لوعي التعاليم الدينية الواردة في القرآن وعلى لسان النبي وآله صلوات الله عليهم أجمعين.
ترى أباللسان يذاق الطعام أم بالعين؟! «لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون»، «وما أبرئ نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم». وما لم يتم كبح جماح النفس الأمارة،فتغيّر إلى نفس مطمئنة، يبقى صاحبها ميالاً للقبائح والعيوب راغباً بتكريسها في نفسه.


* أحلى من العسل
نستفيد من النصوص الدينية الشريفة أن صلاح الإنسان وخيره، يكمن في معارضة الميول النفسية الباطلة، وتقييد النفس الأمارة، يعني ممارسة ما فيه رضا الله تعالى ورسوله والأئمة المعصومين وخاتمهم الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه.
ولو أننا تدبرنا في آيات القرآن المجيد وتمسكنا بنصوص أهل البيت عليهم السلام جيداً، لوجدنا الإنسان وسموه، تجسيداً في مخالفة الهوى الذي يتمثل بصور لا تعد ولا تحصى، حتى أن الأنبياء قبل خاتمهم صلوات الله عليه وآله، كان الله تعالى يسمو بمراتبهم (المعصومة) بفعل مخالفتهم لرغباتهم وإصرارهم على عدم الاستسلام للأهواء والميول النفسية.
بلى؛ إن الأعمال الصالحة (الحسنات) التي يؤديها صاحبها بخلوص نية ووعي عقل، مستعيناً بالله تعالى على أدائها هي طريق السعادة، وإن شابها شيء من العسر والمرارة، فهي في نهاية المطاف تتحول إلى أحلى من العسل بل ألذّ، ولكن السيئات ورغم ما فيها من لذة ومتعة ظاهرية، إلا أنها في النهاية تنتهي بصاحبها إلى المرارة وسوء العاقبة وجهنم الحارقة.. هذا ما نجده في بعض النصوص المعصومة الواردة عن أمير المؤمنين سلام الله عليه.


* غذاء العقل
مع أن العقل شيء معنوي إلهي، إلا أن تربيته وتنميته لا تتأتَّيان إلا بالتغذية الروحية، إذ يبلغ من خلالها القمة والازدهار ليفهم أكثر ويبصر.. فيحيد بالانسان عن الأخطار، ويأخذ بيده إلى حيث الهداية والسعادة..
وإنما الغذاء الروحي المشار إليه يتمثل في: العلم والمعرفة، وكلما ازداد العلم– عادةً- كانت الزيادة أرضية ومقدمة للتعقل الأفضل. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «العلم حياة القلوب»، وإنما المقصود بالعلم، هو العلم بالله وتعاليمه، لأن هذا النوع من العلم من شأنه التصفية ونقل العقل إلى مساحات النور.
ولابد من استخدام العقل بالتفكير الصحيح، لأن الممارسة في تفعيل العقل تفضي إلى التنمية والنمو. تماماً كما تؤدي الرياضة إلى تقوية الجسم. كما يجب الاستفادة وطلب المشورة من أولي الرأي الصائب، وقد ورد ان «العقل يزيد بالعلم والتجارب»، وعلى العقلاء أن يستفيدوا من آراء العلماء ليضاف إلى عقولهم وإيمانهم.
وكما أن العقل ينقص في الكسل والقعود عن استخدامه، فيعد ذلك ذنباً وخسارة، كذلك الأسوأ منه، الاعتماد الكلي عليه، بما يتمثل في حالة من الجهل المركب ثم الكبر والغرور، ظناً بأن العقل قادر على فهم كل شيء.. هذا في حين أن الصواب شيء آخر، إذ لو كان العقل يعي كل شيء، لانتفت الحاجة إلى بعثة الأنبياء وتنصيب الأئمة.. إنما العقل يؤدي دوره الذي خلق من أجله عندما يتصل بالوحي، كما القطرة تتصل بالبحر.
ولو أن العقل لم يتصل بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة، لكان مثله كمثل المصباح المنقطع عن مصدر الطاقة الكهربائية، فيتحول الى جماد غير فاعل أو مؤثر.
ترى ما هو المصباح ليدعي الاستقلال عن الكهرباء..؟! وماهو العقل ليتجرد به صاحبه عن مصدر الحق؟ وأنّى للعقل أن يعي الحقائق وهو مخلوق،دونما رفد يأتيه من الله، وهو الخالق؟!
إن العقل وفعله وما يستهدفه ابن آدم حيث الماديات والدنيا بزخارفها، هو عقل ناقص أعمى، بل لنقل إنه آفة تبتلع الإنسان.إنما يقوى العقل ويسمو بالعبادة والعمل الصالح، ذلك لأن كل حركة إنسانيّة تستهدف القرب من الله تبارك وتعالى، تضفي على العقل طاقة جديدة، حتى إن الإنسان،ومن خلالها تتضاعف سرعته وقدرته ونورانيته، وإذ ذاك يمكنه القول بأنه يتبع هدفاً راقياً تتحطم لديه عوائق المادة وعقبات الانحطاط.
وقد ورد في الحديث القدسي أن عبدي بقيامه بالواجبات وتركه المحرمات وأدائه المستحبات يقترب مني ويقترب حتى اكون أنا الذي اُريد له، فأرى وأسمع له بما ينفعه.. وهكذا يبلغ الانسان بعقله مرتبةً لا يُخطئ عندها، لأنه اتصل بالله المتعالي اتصالاً غير قابل للانفكاك.


* مذبح العقل..!
أما العوامل التي يذبح عندها العقل، فهي التي تقف بالضد أمام كل ما تقدم من عوامل رافدة.
فالتعلق غير المسموح بالماديات، واتباع هوى النفس، والأمل بغير الله تعالى، وكثرة الكلام غير المفيد، ومرافقة الجهلة والملوثين بالذنوب، وممارسة الذنوب.. وغير ذلك، له دور مهم وخطير في تعريض العقل إلى ضربات مهلكة.
نعوذ بالله من سبات العقل، ومن يقظة الهوى!!


ارسل لصديق