«المتاجرة بالهامش» تستهوي أموال الناس وتخفي هواجس الخسارة
كتبه: محمد جواد منذور
حرر في: 2015/06/08
القراءات: 953

«دع مالك يعمل...»، «حقق اكثر من 700 دولار في الشهر الاول من التداول تحت ارشاداتنا».

لابد انّه واجه الكثير منّا هذه العناوين المنتشرة بوفرة في مواقع الانترنت، تطلقها شركات «الوساطة» في تداول الأسهم في الأسواق المالية والمعروفة بشركات السمسرة، محاولة جذب رؤوس الأموال الموجودة لدى الناس، لتداولها كأسهم، سواءً قلّ مقدارها أو كثُر، وذلك بهدف دعم سوق التداول، و زيادة الطلب على الأسهم، وارتفاع اسعار تلك الأسهم والتي تكون عادة مدعومة من قبل شركات السمسرة ذاتها. ولمعرفة آلية التداول برؤوس الأموال الصغيرة وتحقيق الأرباح الكبيرة، كما يروج لها، والتي تعرف بالتمويل على الهامش، او «المتاجرة بالهامش»، وما هي المخاطر التي تواجه المستثمر، سواء الاقتصادية منها، او القانونية؛ نحاول من خلال هذا البحث المقتضب، ان نسلط الضوء على التعريف بهذا النوع من المتاجرة والنظرة القانونية والشرعية لها، وما يشوبها من مخاطر ومقامرة اقتصادية.

 

* ما هي المتاجرة بالهامش؟

ان عملية الشراء بالهامش، او المتاجرة بالهامش، من المعاملات المالية المعاصرة، وتعد من الأدوات المالية المهمة في الأسواق المالية، حيث يتم استخدام هذا النوع - كما تقدم- من قبل المستثمرين، وهذه العملية المالية تتيح للمستثمرين الحصول على قوة شرائية مضاعفة في سبيل تحقيق مكاسب، او ربما خسائر، دون الحاجة الى رؤوس أموال كبيرة، وتساعد على تنشيط التداول بالبورصة. ونظراً لخطورة هذا النوع من التعامل، فقد سعت التشريعات الوضعية في مختلف البلدان، من خلال هيئات الأوراق المالية، كما في البلدان العربية، الى تنظيم هذا النوع من التمويل ووضع الضوابط عليه وذلك لتقليل المخاطر التي قد يتعرض لها المستثمرون والمتعاملون، ويقصد بالتمويل على الهامش هو: «شراء الورقة المالية بسداد جزء من قيمتها نقدا، بينما يسدد الباقي بقرض، بضمان الأوراق محل الصفقة» (1)، وقيل فيه أيضاً: «أن يقوم المستثمر بدفع جزء من ثمن الأسهم التي يريد شراءها من أمواله الخاصة، ودفع الجزء الباقي من أموال مقترضة»(2)، وبعبارة أخرى يقوم الوسيط او السمسار بتمويل الجزء الأكبر من صفقة شراء الأوراق المالية، على ان تقدم تلك الأوراق الى السمسار كضمان له لتأمين الحصول على ما قدم في قيمة تلك الصفقة.

ويمكن ان نوضح الصفقة من خلال المثال التالي:

يرغب أحد المستثمرين في شراء أسهم بقيمة (200) ألف دينار عراقي، فإذا ارتفعت قيمة الاستثمارات (10%) فتصبح قيمة استثماراته (220) ألف دينار، أي ان نسبة ارباحه في تلك الصفقة (20) ألف ديناراً. أما اذا انخفضت قيمة الأسهم بنسبة (10) فتكون الخسارة بمبلغ (20) ألف دينار وعليه يتبقى من رأس المال (180) الف دينار، هذا في الحالة الطبيعية؛ أما اذا رغب المستثمر في ان يتاجر بهامش الربح والخسارة فيقوم بالاتفاق مع احدى شركات السمسرة المنتشرة في العالم، والتي باتت تستهدف المستثمرين العراقيين عبر الاعلانات على شبكة الانترنت، وبعد إبرام العقد بين المستثمر والوسيط يقوم هذا الأخير بتمويل صفقة شراء الأسهم حسب النسبة المتفق عليها بين الطرفين والتي تشكل ما يعرف بهامش الربح او الخسارة، كأن تكون (20%) او (30%) او أي نسبة مئوية أخرى، فيدفع المستثمر مبلغ (200) الف دينار، في مثالنا هذا، كنسبة مئوية (هامش الربح والخسارة)، فيما يتم تمويل الباقي من قبل السمسار، وعليه فإن ارتفاع قيمة الأسهم المشتراة او انخفاض قيمتها بنسبة (10%) لا تحسب على (200) الف وإنما على المبلغ الكلي، أي على ما يقارب (المليون) دينار، فيما اذا كانت نسبة الهامش هي (20%)، وعليه تكون نسبة الربح ما يقارب (100) الف والخسارة كذلك، أي ما يقارب (50%) من المبلغ الذي وضعه المستثمر في الصفقة، والملاحظ في هذا النوع من التعامل، هو ان التمويل على الهامش، وفّر للمستثمر أموالاً اضافية مما ساهم في زيادة ربحه او زيادة خسارته.

ويلاحظ من خلال هذا المثال التوضيحي لفكرة المتاجرة بالهامش، ان هذا النوع من التعامل يحتمل على نسبة مخاطرة عالية، مما دعا معظم التشريعات العربية الى تبني تنظيم هذا النوع من التعامل وفق ضوابط وتعليمات واضحة، إلا انه ونظرا للضعف التي تشهده سوق الأوراق المالية في العراق، فإن المشرع العراقي لم يولِ هذا النوع من التعامل اهتماما خاصا، وهذا ما يستدعي ان نقوم بتقديم أهم الشروط والقواعد التي نظمتها بعض القوانين الوضعية ونسعى كذلك الى استفهام الموقف الشرعي عن هذا النوع من التعامل.

 

* شروط المتاجرة بالهامش

بينت الضوابط والتعميمات والتعليمات الصادرة من هيئات وإدارة أسواق الأوراق المالية الرسمية، وبشكل مفصّل الآليات والسبل التي يجب اتباعها في حالة الرغبة في المتاجرة بالهامش، ونلخّص أهم ما يجب ان تتضمنه اتفاقية التمويل بما يلي:

1- بيان تعريفي عن التمويل على الهامش والمخاطر التي قد يتعرض لها المستثمر من خسارة نسبة كبيرة او كل ما استثمره في هذا المجال.

2- حق الوسيط في عمولة شراء وبيع الأسهم، وحقه في جزء او كل الأوراق المالية الممولة بالهامش في حال انخفاض الأسعار الى حد الهامش المتفق عليه، او قيام المستثمر بتعديل الهامش بمبلغ استثماري إضافي.

3- تبقى الأوراق المالية الممولة على الهامش، كضمانة على التمويل تحت تصرف الوسيط وله الحق في بيعها من خلال وكالة خاصة غير قابلة للعزل.

4- تحديد مقدار الفوائد والعمولات التي سيتقاضاها الوسيط المالي من العميل، وكذلك الاجراءات التي يتم اتخاذها في حال انخفاض الاسعار و أي تفاصيل أخرى يمكن اضافتها الى هذه الاتفاقية.

ومن خلال ما تم عرضه من شروط تحتويها اتفاقيات المتاجرة بالهامش، سواء كانت منصوصة او جرى العرف على التعامل بها بهذه الصورة، فعلى الرغم مما ذكرناه في المقدمة من مزايا يقدمها هذا النوع من التعامل الى المستثمر من مضاعفة المال المستثمر، إلا انها لا تخلو من سلبيات تكاد تفوق إيجابياتها، وأهمها هو ان الهدف من هذا التعامل هو تعزيز الطلب على الأسهم لدفع عجلة عمليات الشراء، وبالتالي ارتفاع قيمة الأسهم، الا ان هذا الارتفاع ليس ارتفاعاً حقيقياً، وإنما من خلق شركات الوساطة (السمسرة) في هكذا نوع من التعامل، مما يعزز قيمة البيع على الأسهم القيادية و يشكل ضغطاً على غيرها من الأسهم.

وهذه السلبيات هي التي دفعت المشرع المصري الى منع التعامل بالهامش إبّان الازمة الاقتصادية، ثم أعاد التعامل بها قبل فترة وجيزة، كذلك فعلت معظم التشريعات العربية على حظر لاستخدام التمويل على الهامش لاستخدامه في الاكتساب وفي الاصدارات الجديدة للأوراق المالية، سواء من خلال الطرح العام او الخاص او عند تأسيس الشركات او زيادة رأسمالها، وذلك لضمان عدم المضاربة و اتاحة المجال لعامة المواطنين للاكتساب بتلك الأسهم بالقيمة الاسمية، كما حظر على شركات الوساطة المرخصة للتمويل على الهامش، التعامل بالأوراق المصدرة عنها او من قبل الشركات التابعة او الحليفة لها وذلك لضمان الحيادية والشفافية وعدم تضارب المصالح.

 

* موقف الشريعة الاسلامية

بعد التعرف على هذه التجارة التي بدأت تأخذ بالانتشار بشكل واسع، من حيث المضمون والنواحي القانونية ومزاياها ومخاطرها، لابد من الإشارة الى موقف الشريعة السمحاء من هذا التعامل.

تتضمن تجارة الأسهم انواعاً مختلفة من اسهم الشركات المتنوعة، ولا مجال في ذكر ما يمكن التعامل به من عدمه وهذا يعود الى صناعات وتعاملات تلك الشركات، ولكن ما نحن في صدد بيانه، هو حكم تجارة الهامش بمعنى الترتيب الذي يتيح للفرد دفع مبلغ قليل والحصول على قدرة مضاعفة على المجازفة في الأسواق ضمن الترتيبات التي سبق ذكرها للمتاجرة فيما يجوز المتاجرة به، مثل أسهم شركات البترول او ما شابه ذلك.

ومن خلال ما قدمناه في تعريف هذه التجارة، تبين لنا انها تقوم أساسا على فكرة القرض، وأهمها هو القرض المكمل للهامش، وهو أساس هذه التجارة ومصدر الأرباح او الخسارة، وأما الجانب الآخر فهو جانب البيع والشراء، فبعد عملية القرض تقوم شركات السمسرة بشراء الأسهم لحساب المستثمر، وعليه يمكن ان نستنتج من ذلك انها قرض وبيع مجتمعان، وهو ما نهى عنه الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، حيث أخرج الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في كتاب «التهذيب»، عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنّه قال: «نهى رسول اللّه عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك»(3).

وقد فسر هذا الحديث بأمور عدة، منها؛ أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد، كبيع وسلف، أو إجارة وبيع، أو نكاح وإجارة.  

ويلاحظ هنا ان القرض إنما يحصل بناءً على شرط شراء الأوراق المالية من خلال الوسيط وهو المقرض هنا، مما يعود عليه بنفع عمولة الشراء والبيع. هذا من جانب وأما من جانب آخر فإن شرط عدم قبض المبيع للأوراق المالية المشتراة، كونها تبقى كضمان في حوزة الوسيط، من الشروط التي تدرج ضمن نظام تجارة الهامش، وحتى لو انها لم تدرج فإن العمل جار بها حسب عرف هذا النوع من التداول في الأسهم، والمعروف عرفاً، كالمشروط شرطاً، وهذا شرط مخالف لمقتضى عقد البيع، ويفوت على المشتري مقصود العقد؛ إلا ان هنالك من يرد على هذا القول بأن المقصود من التسليم هو التسليم الحكمي وهو حاصل في هذه التجارة.

---------------

1- الخدمات الاستثمارية في المصارف، د.يوسف الشبيلي، ص 295.

2- البورصات، د. عبد الغفار حنفي، ص 50/ الاوراق المالية وأسواق رأس المال، د.منير هندي ص 135.

3- التهذيب، 7/230، الرقم 1005.


ارسل لصديق