حقوق الأقليات في الإسلام ... حكومة الإمام علي،عليه السلام، انموذجاً
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2014/11/16
القراءات: 1333

لم تكن ظاهرة الاقليات الدينية او الآخر، كما يعبر عنه بعض الباحثين، ظاهرة متوقفة في دائرة البعدين؛ الزماني والمكاني، بل هي ظاهرة قديمة بقدم الانسان والاديان. وبالتالي فان هناك العديد من الاسئلة التي شغلت الكثير، و مازالت تشغل الاكثر من الباحثين والمفكرين، لاسيما من ابناء الديانات الاخرى، وهي:

إذا حكم الاسلام، او إذا حكم المسلمون باسم الاسلام و طُبّقت تعاليمه على ارض الواقع، فما هو مصير الاقليات أو «أهل الذمة»؟ هل سوف يجبرون على اعتناق الاسلام وتصادر حرياتهم ويباعون في الاسواق على انهم «عبيد» و «إماء» و «انهم سبايا الجيش الاسلامي الفاتح»،  كما فعلت «داعش» بالازيديات وغيرهن؟

وهل يؤمن الاسلام بمفهوم المواطنة؟  أم أن هناك مواطناً من الدرجة الاولى والآخر ليس كذلك؟ وان لم يجبروا على اعتناق الاسلام وبقوا على دياناتهم، فهل يحق لهم ان يمارسوا طقوسهم كما يفهمونها؟ أم ان هناك قيداً وهو ان لايتعارض مع اصول الاسلام مثل؛ التوحيد، وغيرها. وهكذا العديد من الاسئلة التي تتعلق بالجانب الديني والرؤية السياسية. والتي نحاول ان نقف عند اهم تلك الاسئلة وتلك الافكار.

وتطبيقا لمفهوم الراعي والرعية ــ وان كان بحسب بعض الباحثين لايصح اطلاق هذا المفهوم في مجال علاقة الحاكم والمحكوم ــ في ظل الحكومة الصالحة نجد ذلك الشاهد في حكم النبي، صلى الله عليه وآله، في المدينة المنورة بعد هجرته اليها، وشاهد آخر: هو فترة حكم الامام علي، عليه السلام، ومبايعته اماما للمسلمين.

وقد جاء القرآن الكريم وهو يضع معالم تلك العلاقة التفاعلية بين مواطني الدولة الاسلامية من خلال بيانه لكيفية طرح الحوار الحضاري، حتى يؤدي الى ذلك التعارف المبني على اسس التقوى: {لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. (سورة الحجرات، الآية:13). وكذلك فإن صيغة الحوار يجب ان لا تخرج عن القيم الاخلاقية وان يكون أدب الحوار حاضرا  من خلال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة النحل، الآية:123). وغير هذه الآيات الكثير، وهي ترسم خطوط ذلك المشروع الالهي، لتنتقل الى وضع القواعد لبيان الحقوق والواجبات، من خلال طرحه لمفهوم «أهل الذمة»، ليفهم جميع المسلمين ان اهل الكتاب لهم اكثر من ما للمسلمين، لانهم داخلين في ذمة المسلمين، وعلى القيادة الاسلامية والمسلمين ان يحترموا تلك الذمة ويكونوا أمينين عليها. 

 

 تعريف اهل الذمة

الذمة في اللغة؛ العهد والامان، واهل الذمة هم المستوطنون في بلاد الاسلام من غير المسلمين، وسموا بهذا الاسم لانهم دفعوا الجزية فأمنوا على ارواحهم وأعراضهم واموالهم، وأصبحوا في ذمة المسلمين، وكانت تقاليد الاسلام تقضي بانه اذا اراد المسلمون غزو اقليم وجب عليهم ان يطلبوا من اهله اعتناق الاسلام، فمن استجاب منهم طبقت عليهم احكام المسلمين، ومن امتنع فــرضت عليه الجزية.(1)

ورغم ان المستشرقين حاولوا ان يشنّعوا على الاسلام والمسلمين في مسألة اخذ الجزية ويعدونها عقوبة لهم على عدم الدخول في الاسلام، فان الجزية ما هي إلا ضريبة، مثلها مثل كل الضرائب المعمول بها في كل البلاد، بل نستطيع ان نقول ان مقدار الضرائب المالية التي يدفعها المسلمون اكثر بكثير مما يدفعه اهل الكتاب للدولة الاسلامية. فقد كان اهل الذمة لا يدفعون سوى عُشر التجارة والجزية، وهم معفون من الصدقات(2). وفي المقابل تجد ان على المسلم ان يدفع خمس الغنائم، والزكاة، وزكاة الفطرة، وغيرها.

والحياة في كل مجتمع، وفي كل عصر تقوم على اساس الحقوق والواجبات، وقد تمتع اهل الذمة بكثير من الحقوق، فكان عليهم ان  يقوموا، مقابل هذه الحقوق المختلفة، ببعض الواجبات، كما ان كل فرد في أي دولة في أي عصر، لابد ان يساهم بجزء من المال، للقيام بما يحتاجه المجتمع من خدمات ومرافق.

واعترف المؤرخ «توماس ارنولد» بذلك فقال: لم يكن الغرض من فرض الجزية على اهل الذمة، كما يريد بعض الباحثين على الظن، لونا من الوان العقاب لامتناعهم عن قبول الاسلام، وانما كانوا يؤدونها مع سائر اهل الذمة، وهم غير غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش في مقابل الحماية التي كفلتها لهم الدولة الاسلامية. (3)

  وقد كتب النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، عهده الى احد الامراء المسيحيين جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، وهذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله، ليحنة بن رؤبة وأهل أيله، سفنهم وسياراتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من اهل الشام واهل اليمن واهل البحر،...»(4)

وجاء في حديث عن النبي، صلى الله عليه وآله، انه قال: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة».(5).

ومن كل هذا نفهم ان الاسلام  نظر الى تلك الشعوب التي لم تدخل في الاسلام، على انهم مواطنون في الدولة الاسلامية، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ومن ثمّ، فان لهم حقوقاً وعليهم واجبات، و أعطاهم صفة اهل الذمة، لانهم دخلوا في الاسلام والمسلمين بل وفي ذمة رسول الاسلام  محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، ولهم الحرية في ان يمارسوا طقوس دينهم ان كانوا من اهل الكتاب، ولذلك لم يروِ لنا التأريخ أنه، صلى الله عليه وآله، قد هدم كنيسة او معبداً، بل ولا حتى في زمن الخلفاء من بعده، بل ولا حتى في زمن الدولتين الاموية او العباسية. 

 

  اهل الكتاب في حكم الامام علي، عليه السلام

لنا الحق في أن نعد سلوك الامام علي بن ابي طالب، عليه السلام، هو نموذجاً لتجسد افكار الاسلام وتعاليمه في الحياة، لانه هو الذي أخذ من النبي، وتربى على يديه، ونهل من نمير علومه، صلى الله عليه وآله، فهو عدل القرآن وشريكه، والقرآن هو دستور المسلمين، ومن ثمّ، فان سلوك علي هو دستور المسلمين ايضا، وليس هذا ما يدعيه شيعة اهل البيت، بل ان الكثير من المؤرخين والكتاب المسلمين يستشهدون بالكثير من سلوكياته واخلاقياته، عليه السلام ، وما ذلك الا اعتراف ضمني بانها تشريعات إلهية لا يدنو اليها الشك والريب. فقد نقل «ابو الاعلى المودودي» عن صاحب كتاب «البرهان في شرح مواهب الرحمن»: أنه أخذ رجل من المسلمين بقتل ذمي، وقامت الحجة عليه فأمر بالقصاص ــ يعني الامام علي ــ. فجاءه أخو المقتول وقال: قد تركت القود. ولكنه لم يرض بذلك وقال: لعلهم فزعوك او هددوك، فقال: لا، بل قد اخذت الدية ولا اظن أخي يعود إلي بقتل هذا الرجل. فأطلق علي، عليه السلام، القاتل وقال: «من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا».(6)

ومن ذلك نجد انه، عليه السلام، حينما عهد الى مالك الاشتر النخعي - رضي الله عنه- ولاية مصر وقد أوصاه، لم يخصص الرحمة بالمسلمين، بل كان جميع كلامه بصورة عامة، ومن ما جاء في وصيته: «... واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولاتكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق... فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك من عفوه وصفحه...».(7)

ولم تشدد الشريعة على اهل الكتاب في دفع الجزية بل ان هناك حالات استثنائية حيث ان النبي نهى عن تعذيب الناس وقد روي عنه، صلى الله عليه وآله، انه قال: «ان الله -عزّ وجل- يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»(8)، ولهذا فان الذين يصبحون فقراء ومحتاجين من اهل الذمة، فلا يعفون من الجزية فحسب، بل يجري لهم عطاء من بيت المال الاسلامي(9). وينقل عن الامام علي، عليه السلام، انه رأى رجلاً يتكفف ويطلب من الناس، فقال ما هذا ــ اشارة الى الفعل المستغرب حيث لايوجد فقراء يتكففون في دولته ــ فقيل له: انه نصراني. فقال ما معناه: انكم استعملتموه حينما كان شاباً قادراً، ولما كبر اليوم تركتموه يتكفف، و أمر صاحب بيت المال ان يجري له العطاء من بيت المال.

 

 الخلاصة:

من كل ما تقدم نفهم؛ ان الاسلام احترم اصحاب الديانات الأخرى، وتعامل معهم على اساس الانسانية، والمواطنة في الدولة، و وضع لهم حقوقاً كما وضع للمسلمين حقوقاً، وعلى الدولة ان ترعى وتحافظ عليها، بل ان النبي، صلى الله عليه وآله، جعل من نفسه حجيجاً ومخاصماً لمن يُعتدى عليهم وعلى حقوقهم يوم القيامة، وانهم داخلين في ذمة الله ورسوله، وذمة المسلمين، واي اعتداء عليهم او طردهم من بلادهم او مساكنهم ما هو الا تصرف بعيد عن روح الاسلام واحكامه وتشريعاته، وقد كان اجلى واوضح تطبيق لاحكام الاسلام، في سلوك ومنهج وتعاليم الامام علي بن ابي طالب، عليه السلام، ربيب النبي، صلى الله عليه وآله، وتلميذه الاول، الذي تأدب بأدبه وأخذ تعاليمه. ومن ذلك نفهم أيضا، ان ما يفعله خوارج العصر (الدواعش) الذين يرفعون شعار «الدولة الاسلامية»، والاسلام منهم براء، من قتل الابرياء من ابناء الديانات الاخرى مثل «الازيديين»، و»المسيحيين» وغيرهم، وسبي نسائهم وبيعها في الاسواق، ماهي الا تصرفات بعيدة عن الشرع المقدس، وبعيدة عن روح الاسلام وتعاليمه، وان الله وصف ارسال نبيه بالرحمة للعالمين، فهل يكون المسلمين نقمة على العالمين.

* باحث أكاديمي

-----------------

1 ــ علي حسن الخربوطلي، الاسلام واهل الذمة، ص 65.

2ــ المصدر السابق، ص 67.

3 ــ توماس ارنولد، الدعوة الى الاسلام، ص 79.

4 ــ سيرة ابن هشام، ج4، ص ص 180 ــ 181.

5 ــ سنن ابي داود : كتاب الجهاد.

6 ــ البرهان في شرح مواهب الرحمن، ج3، ص278، نقلا عن : ابو الاعلى المودودي، حقوق اهل الذمة، ص 17.

7 ــ المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، الحكم الاسلامي في مدرسة الامام علي، عليه السلام،  ص 18.

8 ــ كتاب الخراج ص 71، نقلا عن : ابو الاعلى المودودي، ص 25.

9 ــ ابو الاعلى المودودي، مصدر سبق ذكره، 25.


ارسل لصديق