حتى يغيروا ما بأنفسهم والتفاعل الاجتماعي مثالاً
كتبه: محمد رضا الصفّار
حرر في: 2016/03/24
القراءات: 437

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} (الرعد: 11)

القرآن الكريم وحي من الله - تعالى- إلى رسوله، صلى الله عليه وآله، والمحرك لمسيرة المجتمع الاسلامي، في أبعاده القيمية والثقافية والسياسية والاجتماعية، فكانت معرفة هذه النصوص وتفسيرها، مصدر وعيٍ للفرد وللجماعة، وايضاً لتفعيل دور الجماعة وحثها نحو التكامل.

ان كل قيم التغيير والتجديد في تاريخنا، كانت تتخذ من القرآن الكريم، منطلقاً، وقد تكون بعض دعوات التجديد الفكري والاجتماعي اصابت بعض الهدف او اخطأته، لكن الطموح كان كبيراً في جعل القرآن الكريم، مصدر وعي متجدد مع كل زمان ومكان، وايضاً لتنشيط حركة المجتمع الرتيبة، فهي (قيم التغيير) تقود هذا التغيير وفي نفس الوقت تتأثر به، فإما أن تقوى فتنمو أو تضعف.

 لذا ترد في أذهاننا بعض التساؤلات التي تشمل؛ الشروط والقواعد والمنطلقات وايضاً الوسائل لتحقيق التغيير.

إن حركة الأفراد داخل المجتمع وسعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، وتعاونهم من جهة، وتخاصمهم فيما بينهم من جهة أخرى، وطبيعية علاقاتهم مع المؤسسات والهيئات العامة، الحكومية وغير الحكومية، كلها؛ ذات صلة بعملية التغيير الاجتماعي، وهذه العملية حاصلة لا محالة، لأنها شرط لوجود المجتمع. فلو فرضنا استحالة هذا التفاعل، فليس بمعنى توقف عملية التغيير الاجتماعي، فهو ربما يكون سريعا أو بطيئا، أو يكون صاخباً أو هادئاً، أو يكون سلمياً أو عنيفا، وهذا يعتمد على القيم الاجتماعية التي تحكم المجتمع ويتم التفاعل الاجتماعي على ضوئها.

من هنا يأتي اهتمام القرآن الكريم بمشروع التغيير الذاتي انطلاقاً من الآية المباركة التي صدرنا بها المقال، والتي تدل على أن الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته، لا يُغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، بمعنى أن التغيير لن يتم إلا وفق قانون «السبب والمسبب»، وفي ظل عوامل يكون للإنسان الدور الرئيس في ايجاده. كما في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}، سورة آل عمران: 135 136. فهنا جاء التغيير من الله، بما بهم من بؤس وفرقة، ومن شدة وفقر، إلى رخاء ونعمة، واجتماع كلمة وصلاح حال، بسبب أعمالهم الطيبة وتوبتهم إلى الله سبحانه وتعالى، وجاء في آية أخرى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. (سورة الأنفال: 53)

 

 صناعة الواقع ومقدمات التغيير 

وانطلاقاً من المعنى العام للآية المباركة، نعرف أن الانسان هو الذي يصنع واقعه بنفسه من خلال القيم والمبادئ المسلّم بها بين أفراد المجتمع أو غالبيتهم، ولا نشك انها تمثل مرجعية لأنماط من التصرفات والسلوكيات الانسانية، الى جانب الشريعة الإسلامية واجتهادات العلماء أو ما تصالح عليه المجتمع أو مما استقر في المجتمع نتيجة حوادث معينة عبر التاريخ الطويل. كل ذلك من شأنه ايجاد قيم معينة في المجتمع غايتها ضبط السلوك الفردي والاجتماعي، وتسيير التفاعلات بين الأفراد، عندئذ يستطيع الإنسان أن يغير نفسه، حين يتغير ما حوله، إذ إن ﻣﺠﻤﻮع ﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻪ وﺳﻠﻮﻛﻪ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺆدي ﺑﻪ اﻟﻰ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﺬي ﻳﻌﻴﺸﻪ، ﻓﻠﻮ ﻏﻴَّﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﻟﻸﺣﺴﻦ، ﻋﻨﺪﺋﺬ ﻳﻐﻴِّﺮ ﻣﺎ ﺣﻮﻟﻪ ﻟﻸﺣﺴﻦ ايضاً.

بالمحصلة؛ فإن القيم لا تنفصل عن الواقع الخارجي، فهي ماثلة في الذهن بمعناها وما يرتبط بها من مفاهيم ظاهرة في المجتمع من خلال سلوكيات الافراد، فلو انفصل الوجود المادي للقيم عن الوجود الذهني، لما كانت لها قيمة تذكر، ومن ثَمَ لم يكن لها تأثير على المجتمع، فينبغي لنا التمسك بالقيم والتي يقتضي عندها المحافظة على الوجودين معاً.

وهذا يتم من خلال عملية نشر القيم وتكريسها بين الافراد وعلى نطاق واسع لتأخذ مكانتها في السلوك العام، وتكون ملازمة لشخصيات الفرد والمجتمع.

ولكن إذا انهارت القيم الاجتماعية فيؤدي إلى انهيار المجتمع، وبالتالي يفقد حركته وتوازنه وتصبح قيمه عشوائية. صحيح أنها حركةٌ دؤوب، ولكن ليس في مصلحة المجتمع وتنميته واستقراره، بل تؤدي إلى هدمه وتتجرد مؤسساته عن صلاحياتها، فلنا أن نتخيل مجتمعا يضم شريحة تعرف بالجهل والتخلف وانهيار قيمها، فهي تثير الاشمئزاز، الى جانب وجود مؤسسات تتدخل فيما لا يعنيها، والبعض منها يتجنب العدل والنظم والتشريعات، والحراك الإجتماعي فيه يتخذ سبيلاً غير شرعي وغير أخلاقي، كالواسطة والرشوة والنفوذ والقوة للحراك غير الشرعي وليس فيه من الحق شيء.

مجتمع كهذا، لا يكون أرضية مناسبة لنمو الإنسان، وبالتالي الأسرة ومن ثَم المجتمع بالإنسانية، فإذا نشأ المجتمع على القيم والمثل والفضائل والمبادئ الحقة، عندها يكون المجتمع مهيأ للتغيير.

 

 التفاعل الاجتماعي مع القيم 

القيم الاجتماعية في جميع المجتمعات ترتكز على إيمان أفراده بها وتعظيمها وتبجيلها واعتبارها مركزاً قيادياً لها، لهذا تأتي حركة المجتمع متناسقة مع هذه القيم، بالرغم من التغيرات المختلفة الناتجة عن حركته، مع ذلك لا ينتج مجتمع مختلف للمجتمع القديم، كما وأصوله وثوابته ومبادئه تبقى مستمرة مع مراحل التطور، لهذا نلاحظ الكثير من المجتمعات التي مرت عليها تغيرات اجتماعية مختلفة وتطورات اقتصادية ضخمة، مع هذا لم تتغير قيمها ومعاييرها كثيراً، والمجتمع العراقي مثال جيد على ذلك، فقد تعرض لتغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية وغيرها من الحروب الداخلية والخارجية التي فرضت عليه من قبل الاستعمار، لكنه استطاع أن يستوعب كل ذلك، ويحقق التغيير نحو الأفضل، وخير مثال حيّ على ذلك؛ تصدّيه الباسل والشجاع والحازم لجماعة «داعش» وهجومها العسكري في مناطق عدّة في العراق، بفضل وتوجيه من المرجعية الرشيدة، وما زالت تتوافد الأبطال الغيارى للدفاع عن هذا المذهب الحنيف.

فبالرغم من وجود المظاهر السلبية في المجتمع العراقي، ومظاهر الإخلال في بعض المعايير السلوكية والأخلاقية، إلا أنه بقي محافظاً على قدراته وسماته العامة، وهذا ما لم يتحقق للكثير من المجتمعات الأخرى التي استطاعت التطورات والمؤثرات الخارجية أن تمحي الكثير من قيمها ومعاييرها، وهناك أسباب عديدة لذلك؛ منها اقتصادية وسياسية وثقافية وايضاً دينية، بعدم وجود هادٍ وموجه لهذه المجتمعات.

   

 عوامل التغيير

إن عملية التغيير الاجتماعي لا تتم من فراغ، إنما تتحقق من خلال العلاقات البشرية القائمة بينهم من ضمن مصالح مشتركة، تهم المجتمع ضمن الإطار الشرعي حتى يمكن لهذا المجتمع من التقدم و الرقي من خلال المؤسسات والعلاقات العامة والسليمة، ومن هذه الناحية تتحدد درجة نجاح العملية التغييرية وقدرتها على تعبئة إمكانات المجتمع وتفجير الطاقات الصالحة في الأمة تبعاً لمدى انسجامها سلباً أو إيجاباً مع التركيب النفسي والتاريخي لهذا المجتمع.

ولا نقصد بذلك أن العملية التغييرية يجب أن تكرس هذا التركيب النفسي والتاريخي للمجتمع وتحوله إلى صيغ ثابتة، لأن هذا لايمكن أن يكون صحيحا بالنسبة للمجتمعات المخضرمة الثابتة على وتيرة واحدة في حركاتها، ولا ترقى الى ما هو افضل والقائمة في العالم الإسلامي، والتي تشكو من أعراض التخلف والتمزق والضياع، وتعاني من ألوان الضعف النفسي، لأن تجسيد هذا الواقع المهزوم ليس إلا تكريساً له واستمراراً في طريق الضياع والتبعية، وإنما الذي نقصده أن أية عملية تغيير جديدة لهذه المجتمعات المخضرمة إذا كانت تستهدف وضع أطر سليمة للنهوض بالأمة، وتعبئة طاقاتها وتحريك إمكاناتها للمعركة الحضارية الشاملة ضد التخلف والاستعمار والانحراف عن التطبيق الحقيقي للإسلام الواقعي لا بد لها أن تأخذ في حسبانها مشاعر الأمة ونفسيتها وتركيبها العقائدي والتاريخي. ذلك أن عملية التغيير لا تستطيع أن تحقق أهدافها إلا إذا اكتسبت إطارا يستطيع أن يدمج الأمة ضمنه حقاً، ويجعلها تتفاعل معها، باعتبار أن حركة الأمة باتجاه أهداف العملية التغييرية شرط أساسي في نجاح هذه العملية ذاتها، لأن حركة الأمة هي تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الذاتية.

 

 نهضة الأمة

من أساسيات نهضة الأمة أي أمة كانت أن يتوفر لديها مبادئ صالحة، لكي تحدد لها أهدافها وغاياتها ويضع لها المثل والعليا، ويرسم اتجاهها الموفق في الحياة، فتسير على هذا المنوال، واثقة من رسالتها مطمئنة إلى طريقها متطلعة إلى ما تستهدفه من خلال المثل والغايات المستوحاة من المبدأ الأساسي لوجودها الفكري، وكيانها الروحي. أي توفر المبدأ الصالح في الأمة مع وجود المبدأ الصحيح، من ثَم فهم الأمة له، وإيمانها به، فإذا استجمعت الأمة هذه العناصر كان لديها مبدأ صحيح تفهمه، وتؤمن به، أصبح بإمكانها أن تحقق لنفسها نهضة حقيقية، وأن توجد التغيير الشامل الكامل في حياتها على أساس ذلك المبدأ فما كان الله ليغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما دل على ذلك القرآن الكريم.

مجتمعاتنا الإسلامية لا تفقد شيء من العناصر الأساسية للنهضة البناءةِ، فهي تملك القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وسيرة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، والفكر الأصيل الذي يحميها من الانحرافات والدسائس، وهذا يتم من خلال قيادة المرجعية الدينية التي كانت وما تزال تمثل صمام الأمان لهذه المجتمعات في عهد غيبة الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه- وعلى الأمة أن تلتزم بهذه القيادة ومن لديه عقل راجح. وقد ذكر علماء الأخلاق أن الإنسان مهما وصل إلى المراحل الثقافية، يبقى بحاجة إلى من يرشده ويوصله إلى طريق صحيح وواضح، وما بالك إن كانوا علماء ومجتهدين وهم وكلاء الإمام الحجة، غير أن هذا الإيمان وهذه البصيرة تكون احياناً، ضعيفة عند بعض الناس، والسبب في ذلك، عدم امتلاك العنصر المهم وهو فهم المبدأ، فالأمة تؤمن بالمبدأ الإسلامي الإيماني، والعقبة في ذلك بأنها لا تفهمه فهماً إجماعيا، وهذا هو الذي قد يبدو غريبا للوهلة الاولى، فكيف تؤمن الأمة بالمبدأ وتدين له بالولاء وهي لا تفهمه حق الفهم ولا تعرف من مفاهيمه وأحكامه وحقائقه إلا الثلة القليلة منهم، ولكن هذا هو الواقع المرير الذي تعيشه هذه الأمة منذ منيت بالمؤامرات الدنيئة المستترة تارة والسافرة أخرى من قبل الإستعمار ومن بعده، القوى الاستكبارية، وعلى رأسها اميركا والكيان الصهيوني، الذين يكنون العداء للإسلام الحقيقي المتمثل بمذهب أهل البيت، عليهم السلام.

تلك المؤامرات الهائلة التي شنوها على الأمة وكيانها حتى انتهت بالغزو الاستعماري المسلح على المناطق الشيعية بالأخص، ومبتغاهم الوحيد الذي خططوا له منذ التاريخ هو؛ أن يباعدوا بين الأمة ومبادئها، وقامت عملية الفصل هذه، على قدم وساق وهي تعني سلب الأمة إيمانها بالله تعالى وجعله منحصراً في مكان محدد ولا يسمحون لهذا الدين بالشكل العلن كما طبق على الدين النصراني، ولكنهم لا يعلمون أن روابط هذه الأمة بالله تعالى وبالأولياء وثيقةً بحيث لا تهزها الريح، وأن إيمان الأمة بالإسلام أقوى من تلك المؤامرات والمخططات الاستعمارية، واستطاع أن يثبت وينتصر في المعركة، وبقيت محتفظة بإيمانها بإسلامها العظيم.


ارسل لصديق