دعاء الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء ومدرسة الإيمان
كتبه: مصطفى الصفار
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 363

تحتاج الأمة الإسلامية - دائماً- إلى مدرسة الدعاء لتعالج بها إصاباتها العميقة في الأخلاق والعقيدة، وعندما تعرّج على واقعة عاشوراء النهضة الحسينية، تجد أن بإمكانها استلهام الدروس لوضع حدٍ لحالة الضلال والضياع، من خلال الأدعية التي تلاها الامام الحسين، عليه السلام، قبل وخلال الواقعة.

جاء في إحدى أدعيته، عليه السلام: «اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة».

هذا الدعاء الذي تلاه الإمام، عليه السلام، في ليلة عاشوراء، اتصف بخصوصية مكانية، والتي هي أرض وتربة كربلاء التي شرفها الله - تعالى- على كل أرض، وخصوصية زمانية والتي خصها الله -عز وجل- لكي يُتَقرب فيها العبد إليه أكثر فأكثر، لذا جمع الإمام، عليه السلام، هاتين الخصوصيتين، إضافة إلى خصوصية هذا اليوم عند النبي الأكرم، وأهل بيته، عليهم السلام، وايضاً خصوصيته في تاريخ الأنبياء وبشواهد موثقة، مثل استواء سفينة نوح، عليه السلام، على الجودي في يوم عاشوراء، وحوادث عديدة، الى جانب خصوصية استجابة الدعاء.

ومن مظاهر شخصية الامام الحسين، عليه السلام، حبّه للدعاء بشكل لا ينفك أبداً، وتجليِّه في ليلة العاشر من محرم، حين نادى عمر بن سعد في عسكره بالزحف نحو عسكر الحسين، عليه السلام، وكان جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه، يترقب ما يريد القوم من زحفهم هذا.

فزحفت الجموع تحمل نوايا الحرب والقتال، وكان من الإمام، عليه السلام، موقف سُجل بأحرف من نور ليكون ضمن المنهج التربوي والتعليمي للأجيال، يتعلم فيه الإنسان كيف يواجه أصعب الظروف، بل يعلمنا، عليه السلام، بهذا الدعاء كيف نواجه الموت بالحياة والذعر بالاطمئنان والخوف بالسكينة، من خلال استثمار دقائق الحياة بالعبادة.

لذا أعدّ، عليه السلام، لهذه الليلة ركائز أربعة وهي: الصلاة، وتلاوة كتاب الله -تعالى- وكثرة الدعاء، والاستغفار، والتي عرَّفها القرآن الكريم بـ «التهجّد» في قوله تعالى: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}، (سورة الإسراء، الآية:79).

فكان هو وأصحابه، عليه السلام، بين قائم وراكع وساجد، لهم دوي كدوي النحل لا يفترون من ذكر الله - تعالى- ومناجاته والتضرع إليه، راجين في ذلك رضاه - سبحانه - ورضا رسوله، صلى الله عليه وآله، مستلهمين توفيقه في نصرة شريعته المباركة ودينه الحنيف، فكان لهم ما سألوا الله من أجله في نصرة دينه وشريعته، فاستجاب دعوتهم ومضوا شهداء صالحين في قمة الإيمان.

إن تعدد أماكن دعاء الإمام الحسين، عليه السلام، في يوم عاشوراء يعود لسببين؛ الأول: كثرة الدعاء، والثاني: تنوع الأسباب الباعثة للدعاء، ليُظهر لنا، عليه السلام، المدد الذي لا ينقطع والسلطان الذي لا يتبدل والقوة التي لا تفنى، وهو الله الواحد القهار، من ثم بياناً منه في دور الدعاء وآثاره الغيبية والتكوينية، ويقيناً منه، عليه السلام، بأن الله - عز وجل - لا يرد دعوة الداعي، إضافة إلى اعتماده، عليه السلام، على أقوى سلاح وهو سلاح الدعاء الذي هو من أقوى الأسلحة في الوجود، ولذا على الانسان المؤمن أن لا يتخلّى عن هذا السلاح العظيم والفرصة الربانية مهما كانت ظروفه المكانية والزمانية.

إن الإمام الحسين، عليه السلام، ومن خلال الدعاء في يوم عاشوراء، يقدم لنا منهجاً تربوياً يعزز الإيمان بالغيب واليقين بصدق وعده - تعالى- الذي وعد به عباده، ويُظهر لنا شدة افتقار الإنسان إلى الله - جل شأنه - مع وجود الأهل والأصحاب.

وبين هذا وذاك، يبقى صوت الحسين، عليه السلام، مدوياً بين الحشود المغرر بهم لقتاله عليه السلام، فهو للظالمين قارعة ترتعد منها فرائصهم، وللمؤمنين سكنٌ تغفو على ترانيمه قلوب الموقنين.

لذا ينبغي للمسلم أن يغتنم هذه الخصوصيات في التوجه إلى الله - تعالى- بالعبادة والتضرع والتقرب إلى الله بالبكاء على مصائب آل الرسول، عليهم السلام، وخصوصاً صاحب المصيبة العظمى الإمام الحسين، عليه السلام.


ارسل لصديق