الخطيب الشهيد العلاّمة السيّد جواد علي شبرّ
(المنبر الحسيني مدرسة مجانيّة للأمّة)
كتبه: مصطفى الصفار
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 108

حظي المنبر الحسيني بأحد العملاقة الأفذاذ في قوة الخطاب وغزارة العلم وعمق الثقافة وأصالة الفكر، فمنح مدرسة المنبر روحاً متجدّدة، ألا وهو الخطيب الموهوب والأديب الشاعر العلامة الشهيد السيد جواد شبر، قدس سره، الذي جمع بين الخطابة والشعر والتأليف، واحتلّ موقع الصدارة في الطراز المتميّز من خطباء المنبر الحسيني؛ فقد خرج من الطور السائد، متجهاً نحو الاسلوب الحماسي المؤثر في النفوس.

 

 المنبر مدرسة المجتمع 

ولد في النجف الأشرف ليلة السبت، في 13 جمادى الآخرة لسنة 1322هـ، نشأ وترعرع في أسرةٍ علميّةٍ عريقة من بيوتات العلم والصلاح والشرف عُرفت منذ قرون عديدة بالسيادة والفضل، فنهَل من أبيه العلّامة آية الله السيّد علي شبّر، قدس سره، كما أخذ العلوم الحوزوية المختلفة من علماء النجف الأشرف؛ فدرس المقدمات والسطوح على يد والده السيد علي شبر، وحضر البحث الخارج في الفقه والأصول على يد السيّد أبوالقاسم الخوئي، قدس سره، وغيرهم من العلماء الفضلاء الكبار آنذاك.

اتّجه بكل طاقاته الخلّاقة وقدراته المتفوّقة إلى خدمة المنبر الحسينيّ الشريف، فخَبَر تجارب كبار الخطباء لينهل منهم فنون الخطابة الناجحة، وكانت تراوده هذه الرغبة الملحّة وهو ابن تسع سنين، حتى حقّق طموحه، ونبغ وتخصّص بها وهو في ريعان شبابه.

نُقل عن الشهيد السعيد أنّه كان يرى: «أنّ المنبر الحسيني لجميع الطبقات والفئات من المجتمع...» «وإنّه مدرسة مجانيّة للأمّة جمعاء».

أحد المواظبين على حضور مجلس الشهيد السيد جواد شبّر، يروي ان مجلسه كان يجمع بين الاسلوب الشيّق والبساطة وايضاً الحماسة الأدبية مع عطاء وافر من المعلومات للمستمعين.

 

 الثقافة والأدب والمنبر الحسيني

عُرف عن الشهيد السيد جواد شبّر أنه من أوائل الذين أدخلوا الشواهد الأدبية في مجالس المنبر الحسيني، مما أعطى المواضيع المطروحة رونقاً خاصاً وجذابية ونجاحاً، علماً أن الشهيد كان شاعراً موهوباً، وقد تميّز شعره بالصدق والجزل في الألفاظ والاسلوب والمعاني، كما كان مهتماً جداً بالكتاب، كمصدر علم ومعرفة ونشر للثقافة والفكر، فمن مؤلفاته: «الى ولدي»، و»المناهج الحسينية»، و»قصص من حياة الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، و»أشعة من حياة الامام الصادق، عليه السلام، ومؤلفات اخرى لا يسع المجال لذكرها، ومن أبرزها وأكثرها رواجاً حتى اليوم؛ «أدب الطف» ويقع في عشرة مجلدات، وقد جمع فيه الشهيد من عيون الشعر العربي حول واقعة الطف.

ومما تميّز به خطيبنا الشهيد إنشاؤه مكتبة تضم حوالي عشرة آلاف مجلد منها (500) كتاب مخطوط مما هو نفيس.

 

 ضريبة الكلمة الشجاعة

على طريق من سبقه من شهداء الكلمة، فان الشهيد السيد جواد شبّر، لم يتردد لحظة واحدة في تقديم ضريبة هذه الكلمة، منذ الأيام الأولى لتصدّيه للفكر الملحد والتيارات الدخيلة، وتحديداً منذ عام 1959، حيث تم تهديده بالقتل والسحل على يد من يحملون هذه الثقافة، وعندما أصدر الأمام الحكيم فتوى تكفير الشيوعية، كان ممن تولّى نشر هذه الفتوى في كل مكان.

وعندما لا يكون بوسع خطيب مثل الشهيد السيد جواد شبّر السكوت عن الظلم والطغيان، مهما كانت واجهته وسطوته وادعاءاته، فان المؤكد اصطدامه في نهاية المطاف بالسلطات البعثية مما أدى الى تعرضه للاعتقال عدة مرات، كما اعتقلوا أولاده الأربعة، وهو في السجن تم إعدام ابنه السيد حامد شبر، فيما غابت آثار ابنه الثاني؛ السيد زيد شبر، ثم أطلق سراح الآخرين.

وبعد عودته من الكويت جرى اعتقاله فتعرض للاستجواب والتعذيب، ثم أخليَ سبيله مع منعه من ارتقاء المنبر، فكان الرفض القاطع منه وتجاهل الأمر، مما أجبرهم على التراجع واشتراط أن يدعو للطاغية صدام، بيد أنه واصل طريقه الرسالي غير عابئ بتلك السلطة التي كانت ترى نفسها مريعة ومهيبة، فكان يواصل إلقاء المحاضرات والمجالس الحسينية حتى هددوه بالقتل، فلم يكترث بهم، وفي عام 1982م اعتقلوه للمرة الثالثة، وانتهى به هذا المسار إلى غياهب السجون ولم يسمع منه خبر، وتوقع الكثير أن يكون قد تمت إذابة جسَده الطاهر في أحواض التيزاب، فقد كان مخيفاً وهو حيٌ نابض، كما كان مخيفاً لهم وهو ميت وشهيد.

فاذا لم يكن للخطيب الحسيني الثائر السيد جواد شبّر، جنازة وقبر ومزار، فانه حيٌ مضيء في قلوب المؤمنين والثائرين ابداً من اجل الإصلاح والتغيير وتحكيم القيم والمبادئ السماوية. 


ارسل لصديق