سورة إبراهيم وقواعد المشروع النهضوي المتواصل
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2017/05/08
القراءات: 169

في البدء نقول: إن كتاب الله العزيز يعطي تأثيره الحي والفعال في أرض الواقع، من خلال القدوة العالية والأسوة الحسنة، وهو القائل - جلّ وعلا-: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، (سورة الأحزاب: 21)، وقد تمثل ذلك في النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، ثم في الأئمة الاثني عشر، عليهم السلام، من بعده.

واليوم وفي عصر الغيبة يقوم بمهمة القدوة والقيادة، الفقهاء الصالحون العدول الذين هم نواب للإمام المهدي، عجل الله فرجه الشريف، فيتحملون مسؤولية التصدي والتغيير ضمن خطط واسعة مستنبطة من القرآن والسنة، وحينئذ يكونون خير امتداد للنبي وآله الطيبين الطاهرين.

قال تعالى في بدء سورة إبراهيم:

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.

الآية المباركة تتحدث عن أن هدفية إنزال القرآن هو لمهمة مكلّف بها الرسول ومن ينوب عنه من الأوصياء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، هذه المهمة مستمرة لا تتوقف ولا تتخصص بزمن الرسول محمد، صلى الله عليه وآله، بل تمتد عطاءً وهدايةً من الله للناس بما أنهم بشر يرحمهم بتوجيههم وتعريفهم بهدف وجودهم في الحياة ومتطلبات السلامة والنجاح فيها.

إذن هناك مهمة كبرى وعالمية تقع على القدوة والقائد المؤمن، وهو السعي المكثف والدؤوب لإنقاذ الناس جميعاً في العالم من كل الظلمات التي يعيشون فيها، وإخراجهم إلى واقع النور الإيماني التوحيدي، وكل ذلك ضمن قوانين الله التي عبرت عنها الآية الكريمة {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}.

 

 ما معنى ﴿الظُّلُمَاتِ؟

وهنا نتساءل عن معنى مفردة (الظلمات)؟

أولاً؛ جاءت لفظة الظلمات بصيغة الجمع المطلق، أي؛ كل ظلمة مخالفة للنهج الرباني الذي يعي تفاصيله العامة، القائد العالم والمؤمن، ومن ثمّ فهي تشمل ظلمات الجهل والكفر والنفاق والاستبداد والتخلف العام والعادات الخاطئة والتقاليد المخالفة للدين وقيمه، ومن الظلمات؛ كل الأخلاق السيئة، لأنها معاكسة للتعاليم القرآنية وللفطرة السليمة، ومن الظلمات أيضاً؛ مجمل الأوضاع السيئة في البلاد؛ السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والفكرية، وكل ما يتعلق بحياة الناس.

وأشد أنواع الظلمات؛ وجود الاستبداد والطغيان لدى الحكام، لأن الأجواء العامة في ظل حكمهم تساعد على نشوء ونمو كل الظلمات الأخرى، ومن هنا كان التغيير السياسي وإيقاف الحاكم الجائر عن ظلمه وطغيانه، يمثل الأولوية الأولى في العمل بالقرآن، وإن أصر على عدم الإذعان بإيقاف ظلمه واستبداده، تصبح عملية إزاحة الحاكم الجائر ضرورة شرعية لا مناص منها.

وفي الآية الثانية من سورة إبراهيم، يكشف الله أن أكثر الظلمات هي منهجية وقيادة الطغاة المتحكمين والمستبدين والمحاربين لسبيل الله، كما في قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}.

مع ملاحظة أن لفظة الكافرين هي أوسع ممن كفروا بالإسلام كعقيدة، بل يشمل حتى من يعتنقه ظاهراً ويحاربه عملاً كالكثير من الحكام الطغاة المنافقين الذين لا يوجد لديهم من الدين إلا ديكور الصلاة أمام كاميرات الإعلام والادعاء اللفظي بتأييد الإسلام، بينما كل سياساتهم العامة وسلوكياتهم الخاصة مخالفة ومعادية بل ومحاربة للدين، وهم من عبّر عنهم القرآن بالأعراب، ووصف كفرهم العملي بأنه الأخطر والأشد، كقوله تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، (سورة التوبة: 97).

وقد استفاض القرآن بوصف المنافقين المعادين عملياً للدين بالكفر في عدة آيات منها: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كسالى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ}، (سورة التوبة:54).

حتى إقامة هؤلاء الطغاة للمساجد والمشاريع الدينية ظاهراً هي لغير هدى وتقوى الله بل لمحاربة الله تعالى، واعتبارها عملياً وسيلة لتفريق صفوف المسلمين.

{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، (سورة التوبة: 107).

لذا يؤكد الله - تعالى- على أن عمل هؤلاء، حتى ولو قالوا وادعوا أنه لصالح الناس، فهم كاذبون.

 

 النبي موسى من عظماء قادة التغيير

في ذات السورة المباركة يخاطب الله نبيه موسى، عليه السلام، بقوله تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.

وهنا نلاحظ أيضاً تعدد الظلمات التي كان فيها قومه، وكان أشدها، الاضطهاد والقهر والتعذيب في زمن فرعون، ثم أنهم بعد انقاذهم من ذلك البلاء العظيم، فقد استكانوا لظلمة الدعة في غير موقعها وتركوا الجهاد الواجب عليهم حين طلب منهم النبي موسى، عليه السلام، حيث قالوا:

{قالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، وقوم موسى رغم ما رأوه من عظمة هلاك فرعون، إلا أنهم كانوا في ظلمة الإيمان السطحي وظلمة التأثر بالأجواء المادية وظلمة التخلف عن طاعة القادة المؤمنين، فسرعان ما عبدوا العجل في ظل غياب نبيهم موسى، متأثرين بشكل ولمعة الذهب. ثم طلبوا من موسى أن يريهم الله جهرة، وهو ما يكشف عن عدم وعيهم وتدني ثقافتهم العقيدية. لذا جاء الأمر الإلهي بالإنقاذ الثاني لبني إسرائيل من ظلمات أخرى.

هذه السورة وما فيها من الآيات تضع ملامح مشروع الإنقاذ العالمي المتوجب على القائد المؤمن ومن معه من الصالحين في ضرورة إنهاء ظلم الطغاة وخطورة عواقب الركون لهم، وفي ضرورة العبادة السليمة لله وأهمية الطاعة المتقدمة للقادة المؤمنين والسعي معهم، وتعطي السورة تأكيداً على أن النصر حليف المطيعين لخط النبيين وأن الهلاك عاقبة المستكبرين.

إن الناهضين بالمشروع الإلهي العالمي يتوجب عليهم التعرف على ملامح وأبعاد هذا المشروع الإلهي، وسورة إبراهيم تضع قواعد هذا المشروع الضروري لعالمنا المعاصر.

والآن أدعوكم أحبتي القراء؛ لساعة تفكر وتأمل في جميع آيات هذه السورة العظيمة لتكتشفوا بأنفسكم ملامح هذا المشروع العظيم الذي نحن أحوج ما نكون للعمل به.


ارسل لصديق