لماذا تخلفنا كأمة؟
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2018/01/04
القراءات: 205

واقع أمتنا الإسلامية؛ ومنذ قرون والى الآن، لا يناسب أمة حُظيت بنور القرآن وفضله العظيم؛ فمن خلال التأمل الفاحص في وضع الأمة، نجد أنها تعاني من تخلف شديد، وضياع، واستبداد، وبطش بسبب سيطرة الحكام الطغاة في الكثير من بلاد المسلمين، فبسبب استبدادهم بالحكم وسوء إداراتهم، تضاعفت أزمات الأمة وتعقدت اكثر.

فهل تساءلنا؛ لِم وقع كل ذلك علينا؟ وما سبب بقاء ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، (سورة آل عمران: 110)، في ظل هذه الأوضاع المرّة طوال قرون عدّة، وهي تملك ذلك النور الرباني؟!

هل الإشكال في الدين!؟، حاشا لله، وقد أكمله وارتضاه؟ بل وأوضح؛ أن بالالتزام به وبطاعة القيادة الربانية تُحيا الأمة وتنطلق.

لنتبحر في فهم طبيعة وعمق أزمة أمتنا، ومن ذلك؛

أولاً: إن مشكلة الكثير من الحكام والنخب الملتفة حولهم، أنهم رفعوا شعارات الإسلام والتزموا ببعض تعاليمه التي تناسب وضعهم وهواهم، وتركوا البعض الآخر، ومثل هذا التبعيض لا يحقق للأمة صلاحها وانطلاقتها وحصولها على بركات الإسلام، وقد أوضح الله - تعالى- ذلك في كتابه الكريم، بأن التطبيق غير الكامل للقرآن لا يحقق لأصحابه إلا الخزي في الحياة الدنيا، وهو تعبير مختصر ومركز لواقع حياة الأمة في أكثر مراحل وجودها، فهي لا تعيش عزّ الإسلام وعظيم حضارته، بل كان الجزاء هو ﴿الخِزْي أي التخلف والانحطاط المعيب، وقد قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ}، (سورة البقرة: 85)؛ فلله قوانين صارمة وواقعية جداً في هذه الحياة، فعطايا الدين العامة في هذه الحياة الدنيا، لا تتواجد إلا حين يكون هناك تطبيق سليم ومتكامل للدين، أما التطبيق التجزيئي وبحسب الأهواء والرغبات، فهو ردٌ على الله، بل وشرك به، وما ربك بظلام للعبيد.

ثانياً: إن الله ربنا، حذّر نبيه الأعظم محمداً، صلى الله عليه وآله - من باب التعليم لأمته - إن أدنى تهاون في طاعة الله بطاعة غيره والركون الى طلباتهم، يكون وباله عظيماً على النبي في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}، (سورة الإسراء: 74-75).

فإن كان ذلك القانون الصارم يُعامل به أعظم الخلق وأفضلهم، أيكون ذلك على نبيه الأكرم فقط، ولا يكون على أتباعه؟! بل في عقيدتنا، أن هذا التحذير موجه للأمة بالدرجة الأولى، وإن لا أحد يستثنى منه حتى ولو كان بمرتبة الرسول الأعظم.

وبصراحة تامة؛ لنواجه الحقيقة بوضوح تام، ولا نتهرب منها.

إن تخلف الأمة والخزي الذي تعرضت له، ولا تزال، بسبب تضييع أكثر الأمة لقرآنها الكريم، وقيادتها المعصومة الطاهرة المتمثلة في أهل البيت، عليهم السلام، وهم الامتداد الذي جعله الله بعد النبي المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله، فقد حدث الضلال الذي حذر منه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث الثقلين.

فمشكلة أمتنا الإسلامية؛ ابتعادها وعدم تمسكها الصحيح بالعوامل الحقيقية لتقدمها ونهضتها، وهو كتاب الله، وقيادة أهل البيت، عليهم السلام، وهو ما جعلها تعيش في ظل تيه طويل دام قروناً، منذ أن ضيعت تلك الأمة قيادتها الربانية بعد وفاة الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله.

ثالثاً: الأمة اليوم أحوج ما تكون الى تغيير مسارها التقليدي، والتخلّي عما سطره السابقون، وترك التعصب والاختلاف حول أهم قضية دينية وهي القيادة التي بها ترتقي الأمة وتضمن الطريق الذي لا تيه فيه ولا انحراف.

ان المسار الصحيح يمكن ان نستلهمه من الآية الكريمة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، (سورة الفتحة: 6)، فالصراط الذي يسأل المسلمون ربهم يومياً في كل صلاة أن يهديهم إليه، مرهونٌ عند الله بتعريف عملي محدده يرتبط بصنف معين هم الذين أنعم الله عليهم، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، (سورة الفاتحة: 7)، فلنسأل أنفسنا حقاً، من هم الذين أنعم الله عليهم؟!

ولقد اختصر الله علينا ذلك بأن أوضح من هم الذين أنعم الله عليهم، ولكن ربط الهداية والمعيّة معهم بأن يكون العبد مطيعاً لله ورسوله، فقال سبحانه:

{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}، (سورة النساء: 69)، وقد استفاضت الآيات والأحاديث النبوية الدالة على قيادة أهل البيت، عليهم السلام، وضرورة طاعتهم وولايتهم.

رابعاً: إن البداية الصحيحة لتغيير وضع الأمة وخروجها من التيه الطويل والدامي هو باتباع الأمة لإرشادات الله ورسوله كاملاً، وفي مقدمتها أن تتوحد حول القرآن وأهل البيت، عليهم السلام، حبل الله المتين وتنهي حالة التفرق والتمزق القاتل، وهذا تغيير صعب ولكنه ضروري لوضع الأمة وإعادة صياغة واقعها من جديد، أما أن ننتظر لتغيير الأمة بمعجزة من السماء، فذلك مستحيل، ولن يتحقق، كما لا يتحقق أي تقدم بسبب انفصال معظم الأمة عن قيادتها الربانية.

إن الأمة الإسلامية يرتبط تقدمها بمدى تمسكها القوي بالقيادة الشرعية التي ارتضاها الله لها، وبقدر هذا الارتباط والتمسك يكون التقدم. إن القرآن حث على ضرورة السير على خطى القيادات الشرعية الربانية التي تمتلك مواصفات متقدمة من العلم والتقوى والسلوك المتقدم.


ارسل لصديق