الجهاد المجتمعي وتحديات ما قبل الانتصار
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2018/03/05
القراءات: 218

يصطبغ الصراع الصحيح في عالمنا اليوم بين الحق وبين الباطل، بين طغاة الأرض وبين المؤمنين المستضعفين؛ ففي دائرة الحق يتحرك المجاهدون المؤمنون باعتبارهم يتحملون مسؤولية التغيير الإيجابي ويقودون حركته لصنع واقع عادل وصالح جديد في مجتمعاتهم، وفي دائرة الباطل يتحرك الطغاة؛ سواءٌ كانوا حكاماً أو من يعاونهم ويسير في مخططاتهم، يتحركون لبقاء وتثبيت الأوضاع الظالمة والسيئة في المجتمعات، إذ يمارس الطغاة سياسات البطش والتنكيل وسرقة المال العام ونشر الفساد الأخلاقي والإداري والبيئي والدخول في الحروب التي تفتك بالشعوب المظلومة ويُقتل فيها عشرات الآلاف من الأبرياء. ويتحرك المؤمنون المجاهدون ببصائر النور الإلهي الذي يقذفه الله هداية في قلوبهم، وقد جاء في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، (سورة العنكبوت: 69). والواقع ان الذين يختطون درب الجهاد هم صفوة أولياء الله، لأنهم اختاروا صفوة العمل الصالح الذي لا يقوم به عادة إلا الخاصة ممن وفقهم الله وتحلّوا بالعزيمة والتوكل والصبر، وهو درب أسماه الله - تعالى- (ذات الشوكة) في سورة الأنفال. وهذا قول أمير المؤمنين وقائد المجاهدين علي، عليه السلام، بشأن الجهاد وأهله: «إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائهِ». وجهاد المؤمنين في زمننا هو أعم من القتال، بل يشمل الحرب النفسية ضد المعادين والإعلام الجهادي المتنوع والضغوط السياسية والدبلوماسية وقد يلجأ المؤمنون الى القتال إذا فرض عليهم.

إلا أن درب الجهاد في العديد من مجتمعاتنا، وبالأخص في الدول التي تخضع لحكم الطغاة لا يحظى عادة بتوافق مجتمعي عام حتى في داخل المجتمعات المؤمنة، وذلك لأن الفاتورة العامة التي يدفعها المجتمع العام بسببه تكون عادة ثقيلة وتتطلب صبراً وعزماً قويين لا تتواجد الا لدى الطليعة المتقدمة من المؤمنين. وعادة يتعرض المجاهدون في مثل تلك البلدان لضغطين:

الأول، من السلطات الطاغوتية، فتواجه المجاهدين بشتى صنوف التنكيل من القتل والسجن والتعذيب والمطارد؛ كما تقوم بتعبئة الإعلام المحلي والدولي ضدهم وتصنفهم بأنهم إرهابيون من أجل تشويه حركتهم كي يبتعد الناس والعالم عنهم، وعادة يجد هذا التشويه صدى في الإعلام الدولي الخاضع للدول المستكبرة في العالم، وتلك الدول في الغالب تعمل ضمن تحالفات مع كل طغاة العالم، كما يتم استخدام كل الآليات السياسية العالمية لإدانة أولئك المجاهدين.

الثاني، من الجاهلين؛ ديناً وفهماً لسنن الله في الحياة ومجريات الواقع، وهم ينتمون للمجتمع الإيماني وعادة يكونون من بعض علماء الدين المنكسرين والطامعين ومعهم غالباً بعض المثقفين والتجار ولكنهم يؤثرون مصالحهم الشخصية أو العشائرية أَو الحزبية على مصالح الشعب أو الأمة. فتكون لهؤلاء أجندتهم ورؤيتهم الخاصة والتي يعبّرون عنها زوراً بـ»المصلحة العامة» ويسوقون لها مفردات دينية من نفس عقيدة المجتمع المؤمن، وعادة ما تكون تلك الرؤية مهادنة للطغاة وتدعو للمسالمة معهم بل والتعاون معهم بذرائع مختلفة وينساق وراء هؤلاء - في الغالب - جزء من المجتمع الإيماني ممن تأثر بفكرهم ومظاهرهم العامة. فنرى هؤلاء الجاهلين يدخلون في مشاريع الطغاة ويمتدحونهم ويتملقون لهم ويعلنون الولاء لهم رغم أن ذلك منهي عنه شرعاً.

وإذا كان الطغاة عدواً معلناً للمجتمع الإيماني بفكره وإعلامه وسلوكياته وإرهابه الواسع، فإن هذا الصنف من الجاهلين على العكس لا يعلنون عداوتهم لذلك المجتمع بل يعلنون الشفقة عليه ويتألمون لمصائبه وآلامه التي يحدثها الطغاة، ولكن يعزون سبب تلك المصائب للمجاهدين الذين في نظرهم، يقودون المجتمع للتهلكة ويدفعون بالطغاة لعقاب المجتمع ككل. وتلك مغالطة ورؤية كاذبة، فالطغاة حتى قبل تحرك المجاهدين ومطالبتهم بالتغيير، عادة يُعاملون المجتمعات الإيمانية بشكل إرهابي وفوقي ويسرقون المال العام ولا يخضعون لمنطق الحق والعدالة بل يستأثرون بكل مقدرات الشعوب، ويقودون المجتمع بجهل وعناد وتخبط ودون مشورة العقلاء نحو الأزمات والحروب.

هنا الامتحان الصعب الذي تمر به المجتمعات المؤمنة في السابق والحاضر، فإن كانت تُقاد من قبل أصحاب البصائر كأنبياء الله أو الأئمة الأطهار أو العلماء الربانيين، فلا خوف على مسار تلك المجتمعات لأن هؤلاء المتبصرين بالهدى الرباني قادرون على إعداد المجتمعات لمواجهة المخاطر والتحديات، أما إن كانت المجتمعات تُقاد من قبل علماء طامعين أو خانعين ويؤثرون السلامة على مواجهة الطغاة ويبررون ذلك بالتقية مرة وبالمصلحة مرة أخرى، وبألف تبرير وتبرير، فتلك المجتمعات في خطر حقيقي وتعيش ردحاً من الزمن في الأزمات والظلم الشديد.

 

 رؤية قرآنية

يحدثنا القرآن، عن عدم تقبل بعض المسلمين قضية القتال في سبيل الله، وذلك في آيات من سورة الأنفال تبدأ بقوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}، (سورة أنفال: 5-6)، إلا أن عزيمة الرسول وخيرة صحابته في المضي على الجهاد أحدثت النصر وغيرت مسار التاريخ.

ونلاحظ اليوم، أنه بعد كل ضربة شديدة وموجعة يوجهها الطغاة للمجتمع المؤمن حين يطالب بالحقوق، ويسقط فيها شهداء وجرحى وأسرى يعتقلهم الطغاة وتحدث أزمات معيشية بسبب حالة الصراع المستمرة، ينقسم المجتمع إلى موقفين:

 

 الاول: الموقف الانكساري

وهو موقف ضعاف الإيمان، ممن تهمهم مصالحهم الشخصية والعائلية أو الحزبية فقط. حيث يتمكن الشيطان من اختراق أنفسهم وصفوفهم، فيبدؤون بالتبرم وإبداء الجزع وتوجيه اللوم والاتهامات للمؤمنين المجاهدين، بل يتوجه بعضهم حتى لجبهة العدو ويدخلون في مشاريعه، وهو ما عبر عنه موقف الضعف والانكسار في الآية التالية: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، (سورة آل عمران: 154). ويخاطبون المجاهدين وعوائل الشهداء: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، (سورة آل عمران: 168).

 

 الثاني: الموقف الرسالي

وهو موقف الثبات والتحدي والإصرار على مواصلة درب العمل الجهادي، هو ما عبرت عنه الآية الكريمة: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، (سورة آل عمران، 146). وقال الإمام علي، عليه السلام، أن الأزمات والمحن التي واجهت الرسول والمؤمنين الرساليين معه زادتهم قوة واستمراراً، بقوله: «مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الاْلَمِ، وَجِدّاً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ».

إن حدوث الأزمات وتجرع الغصص، أمر طبيعي في ظل وجود حكم الطاغوت الذي يقود المجتمع دوماً نحو الأزمات والمواجهات والحروب، حتى مع عدم تحمل المؤمنين مسؤولياتهم، فسيف الطاغوت وقسوته وفساده أمر مستمر. فطوبى للصابرين العاملين، وطوبى لمن لا تبدله الأيام والمحن، ففي تبدل الأحوال علم جواهر الرجال.

 

 تجربتان من الواقع المعاصر

يرى المجاهدون في سبيل الله أن ضريبة الجهاد المجتمعية، مهما علا ثمن التضحيات فيها، أهون بكثير من ضريبة الركون والتقاعس عن مجابهة الظالمين والتي تكون الخسائر فيها عالية جداً. فقد تعرض الشعب الإيراني في النصف الثاني من القرن الماضي لامتحان الظلم الشديد بسبب طغيان وفساد البهلوي الأول والثاني العميلين لبريطانيا ثم لأميركا، إلا أن وجود العلماء المجاهدين في إيران أمثال؛ السيد حسن مدرس، والسيد أبو القاسم الكاشاني، ثم الإمام الخميني، كان سبباً في يقظة الشعب الايراني وانتفاضته العارمة ضد الشاه. وكان لابد من تضحيات وقرابين من الشهداء قدمها الشعب الإيراني بطيب خاطر ووعي تام فكان النصر حليفه وأقام دولة قوية مستقلة، ومنذ عقود وهو يحيا بعز وتقدم كبيرين في مختلف الساحات العلمية والسياسية والجهادية والاجتماعية والاقتصادية.

والتجربة الثانية؛ ما قام به الشعب العراقي بعد نهوضه العام في مواجهة إرهاب واحتلال «داعش»، فاذا نظرنا الى التضحيات الكبيرة التي قدمها المجاهدون من الحشد الشعبي والقوات الأمنية، نجد أنها قليلة، مقارنة بالنتائج المحتملة لسيطرة عناصر داعش على العاصمة بغداد وسائر المدن في الوسط والجنوب، وماذا سيكون مصير العلماء والأخيار والأعراض والمقدسات؟ وحينها يكون على الشعب العراقي دفع ضريبة باهظه لا تقدر بثمن من الخسائر البشرية والمادية والمعنوية، بينما نجد اليوم أن العراق يملك، بعد مجابهة داعش وطرده من التراب العراقي، قراره الوطني، واستقلاله وحريته، وأصبح المجاهدون العراقيون يشكلون قوة عسكرية كبيرة يُحسب لها ألف حساب في معادلات المنطقة كلها، وستأتي غنائم هذا الجهاد في مختلف أوضاع العراق تباعاً، وما نشهده اليوم هو القسط الأول منها، كما قال الله - تعالى-:

{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}، (سورة الفتح: 20).

إن الله - تعالى- قد وعد عباده الصالحين بالنصر شريطة أن ينصروا دينه وقيمه ويطيعوه ويتحركوا في مجابهة أعدائهم الطغاة ويتسلحوا بالصبر، ولا يخضعوا لمنطق ولوم الجاهلين، حيث قال جل اسمه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، وهي الآية السابعة من سورة محمد، صلى الله عليه وآله، وهي السورة التي تعطي دروساً وسنناً هامة في الصراع ومجابهة الطغاة والتنبه للجاهلين الذين يبخلون بتقديم أدنى جهاد في النفس والمال. ومن هنا؛ فإن على المؤمنين المجاهدين أن يكونوا في أعلى درجات اليقين والثقة بوعد الله - تعالى- لهم والذي كرره في العديد من الآيات كقوله - تعالى-: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، (سورة غافر: 51).


ارسل لصديق