الدعاء بأسماء الله الحُسنى والحصانة من الانحراف الفكري
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2017/05/08
القراءات: 257

عندما نتصفح كتاب الله، سبحانه وتعالى، نجده حافلاً بالمئات من أسماء الله الحسنى؛ ففي فاتحته المباركة - مثلاً- نجد رغم قلة عدد آياتها العديد من اسماء الخالق تبارك وتعالى كالرحمن، والرحيم، والمالِك، وهكذا الحال بالنسبة الى جميع السور القرآنية الأخرى، وحتى السورة الخاتمة (سورة الناس) التي تعد من السور القصيرة فإنها تحتوي على أسماء الله الحسنى كالربّ والملِك والإله.

وقد أمر الباري، عزّ وجل، بان يدعوه الانسان بأسمائه الحسنى وليس فقط بلفظ الجلالة وذلك لمزيد من القربى، ويتجلى ذلك في الآية المباركة من سورة الإسراء {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}، (سورة الإسراء: 1).

 

 الاسماء الحسنى وعظمة الخلق

إن علاقة الانسان بربه منحصرة في دعوته ومناجاته والتوسل اليه بأسمائه الحسنى وآلائه العليا، فهو يستحيل عليه الإحاطة بكنه الباري - عزّ وجل - وذاته المقدسة لمحدودية ذهنه، علما ان الانسان يزداد ايمانا بالله وعبودية له وورعا كلما ازداد علما بضآلة نفسه وتفاهتها امام عظمة الله وجبروته وكبريائه.

وهناك الكثير من عوامل النفس الانسانية ما زالت طي الجهل، وأسرار لا يعرف الانسان كنهها فيقف حائرا أمام تلك المجاهيل والآفاق الواسعة المترامية فيها، فكيف الأمر يا ترى بالنسبة الى الذات الالهية المقدسة؟ فكما ان من المستحيل ان تجمع ماء المحيط في قدح صغير، فكذلك الأمر بالنسبة الى معرفة الذات الالهية، واذا كان الانسان؛ ورغم ما توصل اليه من التطور العلمي، يجهل الكثير من الامور فيما يتعلق بجسم الانسان والظواهر الطبيعية، فكيف به وهو لم يغترف غرفة واحدة من هذا البحر الواسع المترامي الأطراف، واذا كنا نجهل الخليّة الصغيرة في أجسامنا، فكيف يمكننا ان ندّعي القدرة على معرفة كُنه الذات الالهية المقدسة التي أوجدت الاشياء والوجود والكون الواسع اللامتناهي؟

واذا كان الأمر كذلك تبقى علاقتنا بالخالق - تعالى- في الدعاء، وأن نعرفه بأسمائه الحسنى كما يقول سبحانه:

{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، (سورة الأعراف:179)، وكما يقول ايضا:

{قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، (سورة الإسراء: 110)، وكلما دعونا الله جل وعلا باسم من اسمائه الجليلة كلما ازدادت معرفتنا به وقربنا منه وحبنا له، وفي المقابل سوف يزداد حب الخالق لنا ورحمته ولطفه بنا.

فلندعه دائما، ولنناده بأسمائه، ولنغتنم كل فرصة تسنح لنا في الذكر والدعاء وان انشغل اللسان فليبق القلب ذاكرا متهجدا فهو سبحانه قريب يسمع النجوى، ويعلم ما في الصدور ويعرف كل هاجس فينا وكل نية في قلوبنا، فهو سبحانه يجيبنا ان دعوناه، وناجيناه ولو بقلوبنا او دموع اعيننا.

وبناء على ذلك فلكي نبلغ القربة عند الله، فلابد من ذكره ومعرفة أسمائه الحسنى، ثم يجب ان لا ننسى ان لهذه الأسماء الجليلة معاني أخرى، وهي كونها تجليات لسننه سبحانه في الكون والوجود.

وعلى سبيل المثال فبخصوص الرحمة الالهية فان هناك سنناً وقوانين وأنظمة تعبر عن هذه الرحمة، وهكذا الحال بالنسبة الى بقية صفات الله - جلّ وعلا- وأسمائه الحسنى، كالعظمة والكرم، واللطف، والحلم، والعلم، وغيرها، وعلى سبيل المثال، فانك عندما تتأمل الظواهر الطبيعية والكونية المذهلة وتفكر في خلقها ووجودها واستمرارها وعظمة حجمها؛ من شمس وقمر ونجوم، ومن جبال وسهول وكائنات حية عجيبة، فان عظمتها تدفعك بشكل لا ارادي الى ان تذكره - سبحانه - بأسماء عظمته وكبريائه، وهذا هو تعبير عن النظرة السليمة التي لم تخالطها الشائبات المادية والإلحادية، فعظمة الشيء دليل على عظمة خالقه.

وكذلك الحال عندما يتبادر الى أذهاننا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، (سورة الحشر: 7)، فهذا تعبير عن سنة الهية هي سنة الجزاء والعقاب؛ فلكل قول وفعل جزاؤه خيرا كان أم شرا، ثوابا كان أم عقابا، وقد اكد سبحانه على هذه الحقيقة عندما قال:

{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}، (سورة النجم: 39 ـ 40).

وهذه هي سنة الجزاء التي جعلها الله لعباده في حياتهم الدنيا، فالإنسان مسؤول ومكلف بذاته، وهو في إطاره مملكة هو ربها وسيدها، وكيان مملكته هذه، جسده الذي لابد من ان يعتني به، وإلا فانه - أي الانسان ـ مسؤول عن أي تقصير تجاهه، ولسنّة الجزاء، أسماء الهيه عديدة تتعلق بها، وأكثرها صلة بهذه السنّة؛ اسمه تعالى؛ «السميع البصير»، فالإنسان متمرد ومجادل بطبعه، وهذا الطبع كان فيه منذ اليوم الاول الذي نفخت فيه الروح، ولذلك كان لابد من رادع وكابح لجماح التمرد الكامن في ذات الانسان، ولعل الوازع النفسي هو من اهم هذه الكوابح، فاذا ما فقد الانسان هذا الوازع الذي يحافظ على سلوكه، ويكون له خير ناصح وواعظ فان نصائح وإرشادات الأخرين لا تكفي لوحدها ولا تنفع معه.

 

 تنمية الوازع النفسي

والإضافة الى ذلك فان القوانين والنظم سوف لا تجدي معه نفعا هي الأخرى، ذلك لان الذي يفقد الوازع النفسي يعرف كيف يتحايل على القانون ويتهرب ويتملص منه، وشواهد التحايل والالتفاف والتهرب هذه كثيرة تعج بها مجتمعاتنا، فما اكثر عمليات التزوير والتهريب والارتشاء والمحسوبية وما الى ذلك من انواع التجاوز والاعتداء على القوانين والأنظمة.

ترى ما الذي يضبط سلوك الانسان ومواقفه وحركاته، وما الذي يجعل قلبه واعيا متبصرا بحيث يبادر عندما يلج في دهاليز المعصية الى الإمساك بزمام نفسه بنفسه، والوقوف أمام تدنّيها وترديها في المعاصي والذنوب؟ وبتعبير آخر: من أين يأتي هذا الوازع النفسي وكيف ينمو وينشط في الذات البشرية؟

لاريب ان هذا الوازع النفسي يتمثل في معرفة الله سبحانه وتعالى والإحاطة بعظيم صفاته وأسمائه، ومنها؛ انه سبحانه، سميع عليم، يسمع ويرى، وأن حسّ المسؤولية انما يظهر ويترسخ في وجدان الانسان وضميره، كلما ازداد معرفة بالله ـ تعالى- بحيث يعيش الشعور برقابته في كل حركة وسكنة تصدر منه، فهو معه في كل مكان وفي كل لحظة واوان.

والرقابة الالهية هي التي تجعل الانسان يتزن ويستقيم في حياته، فتخلق فيه روح التقوى وتقويها شيئا فشيئا، وتنمو في ذاته روح الرقابة والمحاسبة والشعور بالذنب والندم حين التقصير او ارتكاب المعصية، وهذا هو ما نسميه بـ(الوازع النفسي) الذي ينبت ويتجسد في الضمير الحي والوجدان الطاهر، فالمهم ان يكون قلب الانسان نقيا طاهرا لتنمو وتنشأ فيه المعرفة الالهية، ولذلك جاء التأكيد في الاحاديث الشريفة على ان نذكر الله ـ تبارك وتعالى ـ في الخلوات.

وحقيقة كون الله سميعاً بصيراً، يجب ان نعيشها لتختلط بدمائنا وأرواحنا، ولتتجلى في قلوبنا، وحينئذ نزداد ايمانا وتقوى وهدى من الله ـ سبحانه ـ واذا ما نفذت هذه المعاني والخصال النورانية في قلوبنا وانسجمت مع أرواحنا، فعندئذ سنعيش حس المسؤولية والواجب ونسدد قلوبنا بالطاعة والأداء والالتزام والاستقامة، فترضى ضمائرنا وتطيب أرواحنا، ومن ثَم يرضى الله ـ سبحانه ـ عنا وهو الرضا الذي ننشده.

وكمثال تاريخي على حالة عدم الشعور بالمسؤولية وعواقبها تذكر لنا سورة الإسراء قصة بني إسرائيل، وكيف انهم كانوا يرفلون في النعم، وان الله ـ تعالى- فضلهم على العالمين عندما عاشوا روح المسؤولية، واظهروا الولاء والطاعة لنبيهم موسى بن عمران، عليه السلام، تحركوا وهاجروا وجاهدوا معه، ولكنهم عندما بلغوا الشبع وبطرت معيشتهم، شرعوا شيئا فشيئا بالطغيان والكفر بأنعم الله، وراح الكبر والشعور بالأفضلية والتفوق على غيرهم يدخل الى نفوسهم ويدب في اذهانهم حتى تأصلت فيهم النزعة العنصرية.

إن افتقاد الانسان للمعاني والخصال النورانية التي تقربه الى الله تعالى لا تجعله عديم المسؤولية فقط؛ وإنما تؤدي به الى متاهات الانحراف والضلال، ولعل تجربة بني اسرائيل تكون مثالاً حياً على مر الأجيال والعصور، والمثير ان بقايا بني إسرائيل ما يزالون أمامنا يحملون نفس الاسم، ويشهد العالم كيف انهم يخلقون الارهاب والاضطرابات وينشرون الدمار في قلب العالم الاسلامي.

فهم لا يشعرون بالأمن والاستقرار كما كان أسلافهم في القرون الماضية، لذا لا يرضيهم رؤية بقية بني البشر يرفلون بالعيش الرغيد والسعادة، وهذه بحد ذاتها نقمة الهية في الحياة الدنيا والعذاب الشديد يوم القيامة.


ارسل لصديق