التواضع والطريق الى المعالي
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2014/05/05
القراءات: 883

الناس يخيرون بين الدنيا والآخرة،فلكل واحد منهم أن يختار الدنيا،أو يختار الآخرة،وليس لأحد أن يختار الاثنين معاً فهذا أمرٌ لا يعقل ويستحيل حصوله واذا رأيتم أناساَ مؤمنين ومتنعمين في الدنيا،فهؤلاء لم يختاروا في الواقع الدنيا والآخرة،انما هم اختاروا الآخرة وبعد ابتلاءات وامتحانات أعطاهم الله سبحانه وتعالى الدنيا الى جنب الآخرة .

السؤال هو: من يختار الآخرة على الدنيا؟

العاقل هو الذي يختار الآخرة على الدنيا، بعد إيمان وتصديق بما سيحدث له في العالم الآخر، أما أصحاب العقول الضعيفة فهم يختارون الدنيا لأن شهواتها معدة وتراها العين ولم يلمسوا شيئاً من الآخرة سوى الروايات والأحاديث والآيات التي نزلت بهذا الشأن.

فهل يستبدلوا شهوة حاضرة بثواب مؤجل لم تتيقن قلوبهم من الحصول عليه ؟!

المسألة كلها تخضع لحسابات ومعادلات دقيقه،فأهل الدنيا مثلا يستهزئون بأهل الآخرة ويقولون لهم: أنتم تتبعون أنفسكم،وتمارسون الأعمال العبادية،وقد لا تحصلون على شيء، لا في الدنيا ولا في أي عالم آخر..! فما هو الدليل على وجود العالم الآخر؟ ومن الذي خرج من قبره مُدمى أو معذباً؟! - كما يردد البعض- والعشرات من أحاديث التشكيك والتجديف بحقيقة الآخرة، وربما تكون بعضها على سبيل التهكّم والمزاح .

بالمنطق السطحي والبسيط، ربما يقول البعض: أن الحق مع أهل الدنيا،لأنهم على الأقل يحصلون على المكسب الدنيوي،بينما المكسب الأخروي غير مضمون، وغير أكيد لأغلب الناس،فما السبب أن يخسر المرء لذة حاضرة من أجل لذة مؤجلة موجودة فقط في الكتب السماوية وكتب الأدعية وغيرها؟!

وكما أسلفنا فان الاختيار عسير، وأن الذين يختارون الآخرة هم العقلاء،لأنهم في الواقع لابد أن يمروا بجميع المراحل العقلية حتى يصلوا الى درجة اليقين في ايمانهم،فباليقين يستطيعون رؤية الجنة والنار،وباليقين يرون الموتى وهم منعمون أو معذبون،وباليقين ينظرون الى الآخرة والى منازلها وعوالمها، وباليقين هم يعبدون الله حق العبادة، وباليقين يعملون الصالحات، وباليقين يجاهدون، وباليقين يضحون بأنفسهم في سبيل الله. قد يكون مفهوما أن يناضل الانسان من أجل مبادئ الاسلام وقيمه الخيرة، ففي ذلك مصلحة له ولأمته،يفعل ذلك لأنه وصل الى درجة اليقين بوجود الآخرة ونعيمها مع عدم قدرته على رؤيتها. فوجود الآخرة والحساب والكتاب متعلق بفطرة الانسان أكثر من تعلقه بأدلة علمية أو آيات قرآنية أو روايات نبوية، فالعقل يوقن بوجود هذه الأشياء كلها،فحتى لو لم يذكرها القرآن الكريم، فان العقل البشري بإمكانه أن يهتدي الى هذه الحقيقة فيصل الى الايمان بها .

فبعد سنوات مــــــن المواظبة والدراسة المستمرة والاختبارات الصعبة،لابــــــــــــد أن يقـــدم طالب الحقيقة، النتيجة المرضية لنفسه ولعقله،فمن الناس من يكون كسولاً وطالباً للراحة،فلا يتعب نفسه بالدراسة والتعليم اعتقاداَ منه بعدم فائدة الشهادة التي سيحصل عليها، ولهذا السبب سيفشل في الاختبار النهائي، أما الآخر الذي تيقن من الحقيقة الخفية، فانه باشر بالجد والاجتهاد والمواظبة على التعلم من دروس الحياة وهكذا استطاع أن يقدم في الختام نتيجة مرضية لنفسه وعقله.

وهناك حد فاصل بين عقول أهل الدنيا وعقول أهل الآخرة، أما بالنسبة لأهل الدنيا فهم يستكبرون على الحق،ونقصد بالحق هنا، كل حقائق الكون من إيمانية وغير إيمانية، أما أهل الايمان بتجد صفتهم التواضع للحق، فاذا سمعوا كلمة حق استجابوا وخضعوا لها حتى وان كانت تمسّ تصرفاتهم وسلوكياتهم،ففي الوقت الذي يعد فيه الفاسق الانتقاد الذي يوجه اليه، مذمّة ومذلّة،فان المؤمن يعده هدية، لأنه يساعده على التطور والتقدم في عالم المعنى أو عالم المادة .

وعلى هذا الأساس ينبغي أن يفتح المرء صدره لحديث الناس ويستمع اليهم جيدا، وبعد ذلك يقوم بتحليل ذلك لعل هذا الكلام يحتوي ما يمكن ان ينتفع به، والاهتداء للسبيل الى تنفيذ ما جاء من الحق بشأنه.

 ان التواضع للحق هو الذي يقود الانسان الى المعالي، لأنه مع هذه الحالة يكون المرء في حالة تطور دائم لانه يقوم بتصحيح افكاره وسلوكياته باستمرار، لذلك فان الذي يستمع الى ما يقال له من الحق، فربما يصل الى درجة الكمال من الناحيتين الفكرية والعملية.

ولكن مـــــــن ذا يدوس على «الأنا» لديه. ويعترف بخطأ افكاره ونظرياته، او سلوكياته؟ ومن يعترف للآخرين بفضل افكارهم اذا كانو مصيبين؟ ومن يستطيع ان ينتقد تاريخه الفكري والسياسي بالسهولة ذاتها التي ينتقد بها الاخرين؟ فعندما يتحدث احدهم عن الأخطاء الفكرية او التكتيكية، يأتي لك بعشرات الحجج والمبررات ليس اعتقاداً منه بسلامة منهجه، بل كي يحافظ على سمعته وسمعة الجماعة التي ينتمي اليها. فهو يعد الدفاع عن هذا الكيان واحد من المقدسات التي لا يجوز مسّها!

ليست هناك ذات مقدسة لا يمكن توجيه النقد لها، سوى الذات العليا للبارئ، عزّ وجل، رغم ذلك تعرض الانبياء وكذا الاوصياء للإنتقاد، مع التأكيد على أن دورنا، هو الدفاع عن حرمة وقدسية الذات الالهية والانبياء والاوصياء، عليهم السلام.

ان الذي يغلق ذهنه عن الحق، لن يتعلم شيئاً، ولن يتطور أبداً، و أول العلم ان تقول: «كلا، أعلم» فهذه الخطوة الاولى من اجل التعليم، والاستفادة من الاخرين، بينما لو قلت: أنك عالم،عندها ستغلق كل منافذ العلم على ذهنك على اساس ان العالم هو الذي يعلم ولا يتعلم، ولا يصغي بعد ذلك لكلمة الحق أبداً لانه يرى نفسه الأفضل بين الناس.

 ومن سيرة علمائنا الافاضل نجد اغلبهم حينما تسأله عن وضعه لا يصف نفسه بالعالم، إنما يقول بأني مازلت متعلماً، وهذه هي الحقيقة الكبرى، لأن الله سبحانه وتعالى هو العالم ولا يشترك معه في هذه الصفات احد من عباده، لا من الملائكة ولا من البشر.

وبالرغم ما كان يملكه من العلم والفهم، كان يطلق على لقمان، بـ «الحكيم»، ونقرأ في وصية الإمام موسى الكاظم، عليه السلام، لهشام بن الحكم: «ان لقمان قال لإبنه: تواضع للحق تكن اعقل الناس. يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وجسرها الايمــــــــــــــــــان، وشرائعها التوكل، وقيمها العـــــــــــقل، ودليلها العلم وسكانها الصبر».

ويضيف الامام، عليه السلام: «يا هشام.. لكل شيء دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية، ومطية العاقل التواضع، وكفى بك جهلاً أن تركب ما نهيت عنه».

من هنا؛ فالتواضع هو وسيلة العاقل للوصول الى قمة الكمال والمجد، ولعل السؤال يبرز هنا:

لماذا يتخذ التواضع هذه المكانة من جهة العقل؟

الانسان المتواضع يفتح قلبه للحق، حتى وان كان على نفسه. أما المتكبر فهو الذي يغلق كل منافذ قلبه وعقله بوجه الحق، فاذا صورنا العقل أو القلب بأنه مخزن للعلم، فكيف يمكن أن تدخل المعارف والعلوم الى هذا المخزن، والقلب مغلق بالأنا والاستعلاء والتفاخر؟ و أول المعرفة، كلمة حق يقولها انسان، وربما كان هذا الانسان صبياً، وربما كان مجنونا، أليس لدينا: «خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين»؟ فلو تجادلت فرضا مع صبي، سواء كان ابنك أم غيره، وقد أفحمك في موضوع ما، فهل تتنازل اليه وتقبل بالحق الذي جاء على لسانه؟ انه الاختبار العسير وقد يسقط فيه الكثير والكثير من الناس.


ارسل لصديق