الاستاذ أزهر الخفاجي مدير قناة (الأنوار 2) لـ (الهدى)
القنوات الدينية - الشيعية حصّنت الأمة ثقافياً ومدعوة اليوم لصياغة رؤية سياسية لمواجهة الإعلام المعادي
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2017/06/04
القراءات: 174

الاستاذ أزهر الخفاجي، ظهر على الشاشة الصغيرة من خلال قناة الأنوار2 بعد مشوار طويل مع الصحافة والإعلام بدأه من عقد السبعينات مع الصحافة المقروءة، فقد عمل مراسلاً وكاتباً ومديراً لعديد من الصحف والمجلات المرموقة في الخليج وإيران، وهو إذ يُعد أحد رموز الاعلام الرسالي الملتزم منذ بداية مشواره الإعلامي، فقد تميّز ليس فقط بعطائه المهني، وإنما بعطائه التعليمي للجيل الجديد، فكان رائداً منذ عقد الثمانينات في إعداد الشباب للعمل الصحفي والاعلامي، واستمر ذلك حتى سقوط الطاغية صدام عام 2003، حيث عاد الى الوطن ليواصل مسيرته الاعلامية الرسالية.

وفي أيام الزيارة الشعبانية المباركة، التقينا الاستاذ الخفاجي في مكتب القناة في كربلاء المقدسة وكان هذا الحوار:

لو تحدثونا بدايةً عن قناة الأنوار2؛ المنطلقات والأهداف.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 كان انطلاقة الانوار2، استجابة لمتطلبات ضرورية في العراق وفي المنطقة، وقد مثّلت منبراً لإعلام صادق وشجاع يتصل بمدرسة الإسلام المحمدي الأصيل، وفي مرحلة في غاية الخطورة حيث كان العراق يتعرض لغزو خارجي، إضافة الى مجموعة من العناصر من بقايا النظام البائد، تواصلت مع دول الاقليم الطائفي التي شكلت مليشيات مسلحة تحت مسمّى «المقاومة»، فيما كان البعد الأساس على ارض الواقع، ارتكاب المجازر المريعة بحق ابناء الاغلبية في العراق وهم الشيعة، في المقابل كان هذا المسار السياسي والعسكري والأمني تحت غطاء إعلامي في غاية الخطورة، بما يسهل على المراقب الاستنتاج دون عناء على أن هذه الماكنة الإعلامية جزء من غرفة عمليات أبعادها أمنية - عسكرية، الى جانب البعد الاعلامي.

في المقابل كان الاعلام المضاد لمواجهة هذه الماكنة الإعلامية غائباً، نعم؛ كان لدينا إعلام - وحتى أكون اكثر دقة - محسوب على الجانب الشيعي، بيد أنه إعلام حزبي، يرتبط بأحزاب سياسية، سواء مشاركة في الحكم، او غير مشاركة، بيد أن هذا الإعلام - مع تقديري لأدائه بمستوياته المختلفة- يبقى قاصراً عن أداء الرسالة الإعلامية بشكل كامل؛ لأنه يصطدم بمصالح وضوابط حزبية، فكان من الضروري وجود مدرسة اعلامية منطلقة في آفاق من الحرية والشجاعة.

ويقول الامام علي، عليه السلام: «إياك والحديث في مواطن الخوف»، فمن يوضع مسدس على رأسه لا يمكنه قول شيء.

واحياناً تكون المصالح الحزبية اكثر حساسية من الحياة والموت، لان المصالح الحزبية تشل حركة الأداء الإعلامي، لذا عندما تريد ان تؤشر في رسالتك الاعلامية الى مكامن الخطأ او الى رموز سياسية، وتواجهها بأخطائها او بارتباطاتها بالخارج، فان العلاقات الحزبية بين هذا الحزب وتلك الشخصية تمنع الوسيلة الاعلامية من التعاطي بشكل حر، لذا كانت الضرورة لإعلام ينطلق في آفاق من الحرية والشجاعة.

لذا يمكنني القول ان ثقة المشاهد العراقي والمشاهد العربي في المنطقة - على وجه الدقة - على درجة عالية بهذه القناة لخصلتين: الاستقلالية، والشجاعة، واعتقد ان المساحة متاحة للآخرين ان يكونوا معنا في ذات المستوى، بل يمكن ان يتقدموا علينا، من وسائل إعلام لديها وسائل وإمكانات أكبر، اذا اتصفت بتلك الصفتين؛ الاستقلالية والشجاعة.

 

 كيف تقيمون أداء الفضائيات الدينية - الشيعية في نشر الوعي والثقافة؟

 

 لاشك، ان مجموعة الفضائيات ذات الطابع الديني المحضّ والثقافي المحضّ، لها دور كبير جداً في مواجهة ماكنة إعلامية ضخمة، ومن المؤكد أن الغزو الأميركي للعراق، واحتلاله عام 2003، لم يكن مجرد عمل عسكري، انما رافقته ماكنة إعلامية وثقافية هائلة، الى جانب محاولات للنيل من الثوابت والقيم المعرفية والدينية في المجتمع العراقي، حتى يستطيع المحتل من تمرير مشاريعه، وقد تصدّت هذه الفضائيات الشيعية - الدينية لهذا المشروع، كما عملت على تحصين المشاهد العراقي وغيره في بلدان المنطقة، من مؤثرات المشروع الحضاري الغربي المرتبط بالكيان الصهيوني وبأدوات طائفية من دول الإقليم الطائفي، ولكن؛

أقول: للأسف؛ عندما تكون الرسالة الاعلامية حكراً على الأداء الديني والثقافي والاجتماعي دون تناول الموضوع السياسي، فهذا يُعد قصوراً كبيراً جداً، واعتقد انه يسبب لهذه القنوات الفضائية خسارة كبيرة من المشاهدين، لأنه عندما نرى المنظمات الارهابية في العراق التي تضم بقايا النظام البائد، وهي تعمل ضمن مشروع سياسي الى جانب البعد العسكري، فكيف يمكن ان تتجاهل الدور الكبير لهذه المليشيات والمنظمات العسكرية ذات البعد السياسي والإعلامي، وهي جزء من الحياة اليومية، متمثلة في التفجيرات المستمرة في بغداد وعمليات الابادة التي مورست بحق شيعة العراق في مناطق عدّة، سواءً في قضاء طوزخورماتو او في قرية خزنة، التي أبيدت بالكامل، وغيرها من العمليات الارهابية دون ان تتناولها في قناتك الثقافية والدينية، لذا على هذه القنوات ان تخطو الخطوة التكميلية والأساسية حتى يكون أداء هذه الماكنة الإعلامية متكاملاً، وبذلك تكون القنوات الفضائية الدينية أكملت رسالتها. أما ان تكون متأخرة عن التعاطي مع الأحداث السياسية والعسكرية والأمنية ولا تشارك في اعطاء رؤية لإحباط المشروع الإعلامي المعادي وإظهار خطورته، فهذا يمثل منطقة فراغ كبيرة بين المشاهد وبين هذه القنوات.

 

 ماذا تتوقعون حاجة الأسرة العراقية والمسلمة من الشاشة الصغيرة في شهر رمضان المبارك؟

 

 شهر رمضان المبارك، يمثل مدرسة للأمة تجدد فيها الحياة، لان الحياة الحقيقية عندما تمتد جذورها الى الرسالات السماوية فهي الحياة الحقيقية، أما الحياة التي لا تمتد جذورها الى المدرسة الاسلامية فهي ليست حياة حقيقية، وإذن؛ شهر رمضان مدرسة روحية، لذا يفترض بالقنوات الفضائية الشيعية والدينية ان تعلم بأن هنالك من استعدّ لملايين المشاهدين حتى يغير البوصلة، فترى ان مجموعة «أم بي سي» - مثلاً - وأشباهها تستعد منذ عامل كامل، لهذا الشهر، لاحتلال كل أوقات المشاهد العربي، ومن بين المستهدفين؛ المشاهد العراقي، لذا نحن أمام تحدٍّ خطير للغاية، ويبدو ان المعركة محسومة للأسف لمصلحة القنوات الاخرى التي تنفق مئات الملايين لإنتاج مسلسلات تنتجها لشهر رمضان خصيصاً، تواكب المشاهد من لحظة الإفطار وحتى وقت السحور والى الفجر، ثم تأخذهم من الظهيرة وحتى الليل، في مقابل كل هذا الاداء الفني والتحضير المسبق وإنفاق الملايين، نجد ان القنوات الدينية الفضائية - للأسف - عاجزة عن كسب المشاهد، لذا على هذه القنوات ان تستعد لشهر رمضان من عام كامل، وايضاً هي مدعوة لخوض تجربة المسلسلات الدينية، لتكون ضمن برامجها، وبما ان هذه القنوات تفتقد للإمكانيات المالية، بإمكانها التعاون فيما بينها لإنتاج مشترك لمسلسل تلفزيوني ناجح، كأن تشترك عشر قنوات دينية وثقافية في مسلسل واحد، وتكون النتيجة مسلسلاً يغني الأمة فكرياً وثقافياً، لاسيما مع استعداد روحي ونفسي عند المتلقي لأخذ هذه الأفكار والعِبر، بدلاً من أن تأتي المسلسلات الأجنبية المدبلجة ذات المقاصد الثقافية الهدامة التي تستهدف قيم الأسرة المسلمة، وتحتل الساحة.

 

 الى جانب المسلسلات التلفزيونية، هل تجدون إمكانية في القنوات الدينية - الشيعية، بإنتاج برامج أخرى تجذب المشاهد بكلفة أقل، مثل برامج عن صحة الأسرة والعلاقات الزوجية والطفل وايضاً المشاكل الاقتصادية والظواهر الاجتماعية، وحتى إجراء تحقيقات عن المزارات الشيعية والتعريف بها، وغيرها كثير من البرامج؟

 

 ذكرت المسلسلات، كون الدراما مؤثرة في النفس الإنسانية، لذا يجب ان لا نبتعد عن جانب الدراما، بل أن نكون قريباً منه. مثال ذلك؛ المسلسلات التاريخية مثل «المختار» و»يوسف الصديق» وغيرها التي ملأت فراغاً كبيراً في الدراما العربية والإسلامية منذ عقود.

من هنا؛ الدراما حاجة إنسانية اذا تجاهلناها فان غيرنا يعمل في هذا الاتجاه، لذا لا يمنع من انتاج مسلسلات تلفزيونية ضمن الالتزامات الدينية والبعد الديني في الإعلام المرئي، وهذا لا يعني ان نترك سائر المجالات الاخرى مثل التحقيقات وقضايا انسانية بالغة الاهمية بإمكانها ان تصلنا بالمشاهد قطعاً.

 

 بعض الفضائيات العربية تنفق الملايين لإنتاج مسلسلات من شأنها تزييف التاريخ وحرف الحقائق، كيف بالإمكان مواجهة هذه المحاولات؟

 

 بدايةً؛ لابد من التأكيد على أن وراء مسلسلات كهذه غرف عمليات، فهي لم تأت من كاتب سيناريست فكّر أن يقدم شخصية تاريخية معينة، إنما القضية في مواكبة التطورات الحاصلة في العراق وتحديداً في العاصمة بغداد، وأنها استردت هويتها الحقيقية، وأنها ليست بغداد هارون الرشيد، ولا بغداد المنصور، وإنما بغداد الإمام موسى بن جعفر، عليه السلام، لذا نرى النظام السعودي ينفق الملايين من الدولارات لإنتاج مسلسل عن هارون العباسي من أجل تزوير الحقائق وإظهار هارون على انه رجل صالح، وليس ذلك الماجن، كما يكتب التاريخ وأهل السنة قبل الشيعة، يكفي انه كان وراء استشهاد الامام الكاظم، عليه السلام، بل وكان يطارد العلماء مثل جابر بن حيان الذي يعده الغربيون حتى اليوم، بأنه أبو الكيمياء، بيد أن هذا العالم النحرير، كان في حياته مطارداً من قبل أزلام هارون.

إذن؛ وراء مسلسلات كهذه تخطيط محكم، وقد انتجوا مسلسلات عن الحجاج وعن صلاح الدين الأيوبي، الذي ساهم في وضع أوتاد للطائفية في الامة عندما أسس نظام حكم في مصر مرتكز على قمع الشيعة، وقتل مئات الآلاف كونهم من الشيعة فقط، وأغلق الازهر الشريف لمدة مائة عام، لان المذهب الاثني عشري كان يدرس في الازهر.

 

 أمام هذا التحدي الكبير، ماذا يجب على قنواتنا الفضائية فعله؟

 

 لمواجهة تحدٍّ كهذا بإمكان قنواتنا إعداد مجموعة برامج تُعرض فيها هذه المسلسلات على شاشاتها ضمن ندوة مستديرة باستضافة باحثين اجتماعيين أو باحثين في التاريخ او عالم دين، ثم يتم بحث ودراسة الشخصيات التي تسوّق من خلال المسلسلات لتبيين حقيقتها للمشاهد، من أمثال هارون والأيوبي، بهذا الحد الأدنى من الجهد، بالإمكان إبطال مفاعيل هذه المسلسلات، ولضخ الوعي في صفوف الأمة فتصحو وتنتبه، فلا تتقمص شخصية الحجاج الدموية والعنيفة، ولا يُبكى على شخصية هارون، على أنه ناسك متعبّد، بينما هو الماجن القاتل.

 

 للقنوات الفضائية الشيعية والدينية، ظهور خاص في المناسبات الدينية، مثل الزيارات المليونية الى كربلاء المقدسة وغيرها، ما هي السبل الكفيلة باعتقادكم لاستثمار هذه المناسبات لترسيخ الوعي الديني ونشر الثقافة في الامة؟

 

 بهذا السؤال وضعت يدك على جرح كبير جداً!

لو تلاحظ ملاعب كرة القدم، فيها لوحات إعلانية لسلع استهلاكية مختلفة، ربما بعضها لا علاقة له بالرياضة، في الماضي كانت الشركات تدفع المال لعرض الاعلانات بشكل ثابت حول ساحة كرة القدم بهدف التأثير في أذهان المتابعين للمباريات وجذبهم للسلعة المقصودة، وبعد كثرة الشركات المنتجة، ابتكروا فكرة التغيير المستمر للإعلانات، فباتت متحركة كل ساعة او ربع ساعة وهكذا... ولكل مدة زمنية معينة ثمن معين، وهذا ما دفع الشركات العالمية تتنافس على عيون مشاهدي كرة القدم لتسويق بضاعتهم التي ربما لا علاقة لها بكرة القدم ولا الرياضة، لوجود جمهور متحفّز ومتحمس قابل للتأثّر السريع.

ان وجود الإعلانات في أماكن كهذه لم يأت صدفة، انما هو نتاج خبرات علماء نفس وخبراء إعلام وأصحاب تجارب، بضرورة استثمار هذا الحديث الرياضي.

واذا اردنا ان نطبق هذه الفكرة على مناسبات كبيرة وعظيمة، كالذي جاء في السؤال، فان من الظلم والحيف أن الإعلامي والوسيلة الإعلامية، تتعاطى معها بنفس البُعد المحدد من دون ان تتناول القضايا الأخرى ذات الصلة بالموضوع، والآن فرصة لأن نقدمها للمشاهد والمتلقي.

فعندما أتكلم عن زيارة الأربعين، او عن زيارة الامام الكاظم، عليه السلام، والزيارة المليونية الى بغداد، من الظلم ان اتكلم فقط عن شخصية الامام، وسيرته وحياته، ثم نأخذ بطاقات تعزية من الزائرين، في حين هي فرصة للحديث عن مدرسة الامام الكاظم التي علمت الشعوب كيف تنتفض على الحاكم الظالم، ثم تذكير الناس بالسبب وراء صبغ العاصمة بغداد بصبغة هارون العباسي او المنصور، ولماذا هذا الإصرار؟

الجواب: أنهم يريدون تصدير قدوات و زعامات ظالمة وفاسدة وغير متصلة بالسماء، فهم يصدرون هارون حتى نقبل من هم على شاكلة هارون.

الاعلام السعودي عندما يريد ضرب الفكر الشيعي، والإسلام المحمدي الأصيل، فانه يعطيك البدائل، ولذا فانهم يفسرون الحديث الشهير عن النبي ويتفق عليه جميع المسلمون: «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية»، وفق توجهاتهم وتطبيقاتهم، فأصحاب الإسلام المحمدي الأصيل، يقولون: ان إمام الزمان، هم الأئمة المعصومون، عليهم السلام، بينما شيوخ الوهابية يقولون: انهم «ولاة الأمر» وهم اليوم آل سعود، متعكزين على حديث كاذب ومفبرك: «أطع الأمير ولو جلد ظهرك وسرق مالك»!

ولذا نحن بحاجة في المناسبات الهامة الى تفاعل الامة مع زيارة الاربعين أو مع أيام عاشوراء، كما علينا تفعيل هذه المناسبات بأبعادها الحقيقية، فعندما نتحدث عن الزيارة الأربعينية - مثلاً - علينا تعريف أجهزة المخابرات الغربية بحقيقة الشعب العراقي وأنه ملتصق بعقيدته وبأئمته الأطهار، ولن تتمكنوا من الانتصار عليهم، كذلك الحال بالنسبة للزيارة الشعبانية، وذكرى مولد الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، فمن الظلم أن أتكلم عن الإمام المهدي فقط، ومن الظلم ايضاً أن لا اتكلم عن الامام في نفس الوقت، فعندما أتكلم عن الامام المهدي المنتظر، وانه المنقذ الذي بشرت به كل الرسالات السماوية ، استذكر إحدى عطاءات هذه المدرسة ، وهي فتوى الجهاد الكفائي، ومن عطاءاتها ايضاً؛ اننا هذه الايام نعيش الذكرى الثالثة لانطلاق الحشد الشعبي، وهو المشروع العسكري المضاد للجماعات الإرهابية، هذا العطاء لم يكن نتاج الحكومة العراقية ولا الوزراء العراقيين، ولا حتى من مجرد الفتوى بحد ذاتها، فاذا لم يكن أمامها متلقي متحفّز لن تؤثر، فبارك الله في المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني الذي كتب الفتوى في فترة حساسة للغاية، وكان يمكن ان تبقى حبر على ورق، اذا لم يكن هنالك متلقٍّ، والمتلقي هو خريج مدرسة الامام الحجة المنتظر.

من هنا؛ نحتاج في مناسبات كهذه للتأكيد على هذه المعطيات والدروس، ونسلط عليها الضوء، وعندما يشاهد الانسان المسلم في المغرب العربي هذه المعطيات سيعرف ان الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، من شأنه إحياء الأمة وليس قتلها، الدليل؛ أن الطبيب ترك عيادته والمهندس ترك وظيفته والطالب ترك مقعد الدراسة وهكذا الآخرون، لانهم وجدوا ان الأمة في خطر، بعد ان تعرضت القوات الامنية والعسكرية للهزيمة في الموصل وفي صلاح الدين ومناطق أخرى، فلولا هذه الفتوى ولولا التعاطي من هذا الشعب المرابط في مدرسة أهل البيت، ربما كانت الامور ليست على ما هي عليه اليوم.

 

 يؤخذ على الاعلام الديني والشيعي ان خطابه من طرف واحد، و أن أفراد المجتمع من الطفل والمرأة والشاب وغيرهم، لا يجدون انفسهم في الشاشة الصغيرة. بمعنى هنالك تلقٍّ فقط دون حضور او مشاركة، فكيف يمكن معالجة هذه الاشكالية؟

 

 لاشك أن الاعلام اذا أريد له ان يكون مؤثراً، عليه أن يكون إعلاماً تفاعلياً، بمعنى ان تكون العدسة بين الناس؛ تنقل معاناتهم، أما ان تكون مجرد منبرٍ لإعطاء المحاضرات، فربما يكون لها تأثير، ولكن ليس بذلك التأثير المطلوب، لذا؛ على القنوات الشيعية العمل على انتاج برامج تفاعلية.

ان الحضور بين الناس امر مهم للغاية، مثالنا في ذلك؛ قناتنا «البغدادية» و»الشرقية»، وكلا القناتين من مدرسة واحدة، وهي مدرسة النظام السابق، وهؤلاء خلال مدة قصيرة حققوا حضوراً واسعاً بين المتلقي، والسبب حضورهم في بؤر الازمات والمشاكل التي يعيشها الناس، ومن ثم نقل معاناتهم فيما يتعلق بالبطالة والخدمات ومشاكل الشباب وغيرها، وهذا الحضور يكون له دوره في عدد المتابعين، فالذي غطوا قضيته سينتظر بالدقائق لحظة بث البرنامج الذي شمله التحقيق، وبعبارة أدق؛ على قنواتنا أن تكون ميدانية، فاذا صارت كذلك أصبحت تفاعلية، أما الاعتماد فقط على الأستوديو، فنحن حققنا جزءاً بسيطاً من الأداء الإعلامي لكنه ليس المتكامل، يُضاف اليها قضية أساسية مهمة، أصبحت من لوازم العمل الإعلامي، وهي الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي، فلابد لقنواتنا من الحضور في مواقع التواصل الاجتماعي، لان هذه المواقع اصبحت تفاعلية اكثر من الشاشة الصغيرة.

 

 الاعلام الالكتروني اصبح اليوم يشكل مصدراً للخبر والفكرة لدى المتلقي، كيف للإعلام المرئي تدارك هذا التخلف ليؤدي دوره في صياغة الافكار والثقافات؟

 

 بداية؛ لابد ان نتفق كوسائل اعلامية صاحبة رسالة ولها منطلقات دينية وإلهيه وإيمانية، أن مواقع التواصل الاجتماعي أداة وسلاح لا يجب التأخر في استثمارها على الإطلاق، والتأخر يعني تعرضنا لخسائر كبيرة، والذي يزيد المسؤولية؛ ان الطرف الآخر، جنّد كل إمكاناته لاستغلال هذه الوسيلة، بل نلاحظ ان المعارك الانتخابية الرئاسية في أميركا، وكذلك في فرنسا، انهم يستخدمون هذه الوسيلة سلاحاً للتنافس على المعركة الانتخابية، والذي ينتصر في وسائل التواصل الاجتماعي، يكون منتصراً في صناديق الاقتراع، وهذا يدلل على ان هذا مجال متاح وغير مُكلف، بيد أن الخوض فيه بحاجة الى عناية ودراية، الى جانب الاستفادة من الخبرات والإمكانات الفنية.

وهذا ما وجدناه في قناة الانوار2، فقد بلغ عدد المشتركين لدينا حوالي مليون و200الف مشترك، رغم ان «الفيسبوك» اغلق الحساب، عندما وصلنا الى اكثر من 500الف، بسبب تقديم مجموعة معينة بشكوى ، او عندما نبث صوراً لشخصيات تتهمها أطرافاً معينة بـ «الإرهاب»، لذا وجدنا التفاعل عبر هذه الوسائل أوسع بكثير من التفاعل مع الشاشة الصغيرة. ومن جملة هذا التفاعل رفد القناة بأخبار جبهات القتال او العمليات الإرهابية او الأخبار السياسية، فإنها تصلنا عبر هذه المواقع، ونحن نستثمرها بعد التحقق منها.

أقول هنا؛ كما هو سلاح في معركة الرئاسات في اوربا والغرب، و ايضاً يكون في بلادنا، ونحن مقبلون على انتخابات، وأصبح لكل حزب جيش الكتروني، بالمقابل فان القوى الكبرى تمتلك جيشاً الكترونياً يعمل للتأثير على شعبنا، محاولاً إصابته في مقتله وفي ثقافته وفي عقيدته وفي قيمه الاجتماعية، لذا لا يجوز أي تأخر في هذا المضمار.

لذا على القنوات الفضائية تخصيص ادارة خاصة لمواقع التواصل الاجتماعي، الى جانب البرامج الخاصة، بل وأن توسع هذا القسم، حتى ولو على حساب البرامج الأخرى، لان مجال التأثير في هذا اكثر، بإذن الله - تعالى-.

 

 المهنية في الإعلام.. ما هو حجم تأثيرها في نجاح القنوات الفضائية الشيعية؟

 

 المهنية من لوازم العمل الإعلامي، تماماً مثل الطيّار، ففي مدارس الطيران، عندما يصل الطيار الى فترة تدريب 300 ساعة طيران يكون مؤهلاً لقيادة طائرة لنقل الركاب، فكلما زادت فترة طيرانه دون أخطاء ومشاكل، كلما أثبت كفاءته في قيادة طائرات عملاقة، فالمهنية حياة الإعلام، وللأسف الشديد يتصور البعض ان الاعلام هو مجرد كاميرا أمام شخص يلقي متكلم داخل الأستوديو، فهذا ليس بإعلام، إنما الاعلام صناعة وحرفة وقدرة على إيصال المعلومة الى المتلقي، هذا أولاً: ثم هو قدرة وحرفة وصناعة في أن تصوغ في عقل المتلقي مناعة على رفض فكر الآخر، من دون ذلك فان القنوات الشيعية تتحول الى مجرد منبر لبث المحاضرات المختلفة. فبقدر ما تجد في قناة فضائية أشخاصاً ذوي تاريخ مهني حقيقي ، بنفس المقدار تستطيع القول ان هذه القناة في الطريق الصحيح، فمن الخطأ الكبير الاعتقاد بقدرة عالم دين من الحوزة العلمية بأنه قادر على إدارة قناة فضائية، وهذا كفر بنعمة الله متمثلة بالأموال التي تنفق عليها، وانا أتحدث عن القنوات الشيعية الملتزمة التي تعبر عن مدرسة أهل البيت، وفقدان الكفاءة لن تكون فقط في المدير، بل حتى في بعض المقدمين للبرامج والحوارات ايضاً، فالبعض يتصور أن المسألة تتوقف على طرح الاسئلة واستلام الاجوبة وانتهى الموضوع. نلاحظ بعض القنوات الشيعية - السياسية، بدأت تستضيف المعادي، انطلاقا من الرأي والرأي الآخر، حسناً؛ بيد أن الشخص المحاور في القناة نجده فاقداً للقدرة على إبطال الدعاوى الكاذبة لهذا الطرف الذي يكون ربما طائفياً او مغرضاً، مثل؛ ناجح الميزان، البعثي المعروف، او رعد سليمان، او يحيى الكبيسي، وهو جزء من المشروع الطائفي في الأردن، يتكلم هؤلاء بما يشاءون من دون ان تكون للمقدم إجابات بالمقابل لإبطال حججهم، فانعدام المهنية في استضافة أشخاص كهؤلاء، وعدم القدرة على التحاور وإبطال أكاذيب الطرف المقابل، بما يصون الأمة ويحفظ وعيها وثقافتها، يجعل هذه القناة الشيعية وسيلة للطرف المعادي بأن يؤثر على المشاهد الخاص بك. فهي تنقلب عليك، ولذا غياب المهنية تسبب الكوارث على الأبعاد السياسية والاجتماعية والعقائدية، وهي طامة كبرى.


ارسل لصديق