في ظل تنامي ثقافة المقاومة هل يؤدي الجهاد ضد الإرهاب الى الانتصارات الشاملة؟
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2015/05/06
القراءات: 893

في إحدى الأزمان الخوالي، كان ثمة أناس يشركون بالله تعالى، ولا يؤمنون به طرفة عين أبدا، فأرسل الله رسولين اثنين، منذرين من عنده، عسى ان يرتدعوا ويعودوا الى رشدهم، لكنهم كذبوهما وحاربوهما، حتى بلغ الأمر أن يكيدوا لهما ويقتلوهما. فقيّض الله تعالى لهما، رجلٌ مغمور، وغير معروف، بل كان مصاباً بالجذام، وهو مرض خطير وفتاك، يجعل صاحبه منبوذاً في المجتمع. لكن؛ هذا المنبوذ والمريض، دافع عن المرسلين من السماء، وهو لم يكن رسولاً ولا نبياً ولا وصياً مقرباً، إنما كان سليم الطوية، نقي النفس، بعيد الرؤية. فوجد أن الدفاع عن المرسلين الذين يحملون قيم السماء لانقاذ الانسانية من الجهل والظلام، مسؤولية لا يمكن التغاضي عنها مهما كلفه ذلك. فكانت النتيجة؛ أن تعرض للاعتقال والتعذيب القاسي ، ثم القتل والحرق، حتى تحولت جثته الى رماد، ثم ذروا رماده في البحر، ظنَاً من انهم أنهوا أمره الى الأبد، وأسكتوا صوت الحق والفضيلة.

بيد أن الحقيقة ليست كذلك، وهذا ما يؤكده لنا القرآن الكريم، ليس في آية واحدة، وإنما في سورة كاملة، هي أعظم سورة في القرآن الكريم، وجاء في الاحاديث الشريفة أنها «قلب القرآن»، وهي «سورة يس». وذاك هو؛ مؤمن آل يس (حبيب النجار)، الذي كرمه الله وجازاه مقابل موقفه المشرّف والخالد، بأن قال في هذه السورة: {قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ}،(سورة يس/ 26-27).

هذا المؤمن المقاوم والمجاهد، اراد ان ينتصر لقيم السماء ورسالات الله، لكنه ليس وحده، إنما مع اكبر عدد ممكن من قومه و ابناء جلدته، وإلا ما الذي يذكره بقومه المشركين والمعاندين، وهو يدخل الجنة، مكرماً تحفه الملائكة؟

لقد تخلّد مؤمن آل يس، بواسطة الاسلام والقرآن الكريم، وهو فرد واحد، فما كان الحال لو كان معه ثلّة مؤمنة، او اكثر من ذلك، شريحة من المجتمع، او مجتمع وشعب بأكمله؟! ربما كان مسار التاريخ الى اتجاه آخر.

هذه التجارب الحضارية هي القادرة على رسم طريق النصر للشعوب التي تعيش الجهل والتخلف، فتتخلص من الحاكم الظالم الذي يدمّر حاضرها، او من الافكار الفاسدة التي تهدد مستقبلها. انها من سُنن الله تعالى في الارض، كما هي سُنن التاريخ، لذا فان التاريخ يعيد نفسه عندما تتكرر التجربة، سواءً أكانت سيئة وفاشلة، او كانت ناجحة. فالانتصار الحقيقي في ساحة المواجهة، في كل زمان ومكان، لن يتأطر في قالب شخص معين، ولا جماعة، ولا حتى طائفة في الامة، إنما يكون بشموليته في التغيير والبناء. فكيف السبيل الى ذلك؟

 

* الانتصار ليس بأسلوب العدو

صحيح أن المجاهدين في جبهات الحق، يتطلعون دائماً الى لحظات النصر على جبهة الباطل، من أجل وضع حد لسفك الدماء والدمار الذي تسببه المجاميع الارهابية والتكفيرية، بيد أن المهم قبل هذا، الوسيلة والأسلوب لتحقيق هذا الهدف المنشود. فالاعداء يحققون انتصاراتهم بالرجال الانتحاريين والقتل على الهوية وبالجملة، ونسف البيوت والتهديد والترويع، واشكال مريعة من القتل والابادة. فما هو السبيل لمواجهة هكذا أناس أبعد ما يكونون عن الانسانية؟

نعم؛ التهديد والترويع في إطار الحرب النفسية، أمر وارد، وجاء عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أن «الحرب خدعة»، وهذا النوع من الحرب، لها أدواتها ومنهجها الخاص، فاذا اردنا انتصاراً حقيقياً في قادم الأيام، على المقاتلين، علينا الالتزام بمنهج النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، الذي أدان بلال الحبشي، عندما شكوا إليه الأسرى في إحدى الغزوات، بأنه مرهم على قتلاهم في ساحة المعركة، فقال مستنكراً: «ما أقسى قلبك يا بلال...»؟!

ربما يكون ما صنعه بلال، نوعاً من اجترار اسلوب ومنهج جاهلي في الحروب، من حيث لا يريد هو، لمزيد من التنكيل بالعدو. وحتى ظاهرة حزّ الرؤوس ورفعها على الرماح، هي الآخرى، كانت من أعراف الجاهلية وقوانين الحرب لديهم، للبرهنة أمام القبائل على تحقيق النصر على الخصم. إن موقف النبي من بلال، وايضاً موقفه، صلى الله عليه وآله، من خالد بن الوليد لدى فتحه مكّة، ومواقف أخرى مشابهة، تؤكد الأهمية القصوى التي يوليها النبي الأكرم، للقيم الانسانية خلال احتدام المواجهة العسكرية، وفي ميدان القتال، والتأكيد على أن النصر لن يتحقق بالقسوة والعنف، لسبب بسيط واحد، أن العنف والدموية تمثل جراحات في النفس، كما في البدن، لن تزول، لاسيما اذا كان في حالات قاسية ووحشية، فتخلق دوافع الانتقام، ولو بعد حين. وهذا تحديداً ما يجب تجنبه في الوقت الحاضر، في خضم المعركة المصيرية التي يخوضها المجاهدون أمام قوى الضلال والانحراف، ومثالها اليوم؛ العراق، الذي يخوض حرباً شرسة ضد ما يُسمى بـ «داعش»، فإن أسوأ ما في هذه الحرب، ليس الحرب نفسها، بما فيها من فظائع، بقدر ما هي الشعارات التي تظلل تلكم الفظائع التي يقوم بها التكفيريون، فقد ملأوا الدنيا بدجلهم وتضليلهم زاعمين أنهم يمثلون الاسلام، وأن ما يقومون به هو نسخة من السيرة النبوية، علماً انهم يؤكدون أنهم نسخة من سيرة من يسمونهم بـ «السلف الصالح»، فيقتدون بهم وبأفعالهم ونهجهم، من أمثال خالد بن الوليد ومعاوية وهارون الرشيد وغيرهم الطغاة، ولهذا الاقتداء مصداقية واضحة، بينما لا سنخية بين افعالهم والسيرة النبوية المشحونة بالقيم الانسانية، والرحمة والتسامح والعفو، على الاعداء قبل الاصدقاء.

إن التغوّل العسكري لداعش واجتياحه السريع للمدن والمناطق في غرب وشمال العراق، وما يقوم به من جرائم، ليس كل المشكلة، بل ليسوا الأساس. وكل الدلائل تشير الى أنهم جاؤوا بدعوات صدرت من جهات واشخاص متنفذين في المكوّن السنّي، لمساعدتهم على استعادة مكانتهم التي فقدوها في عهد الطاغية، وبغض النظر عمّا حصل لهذا المكوّن خلال السنوات الماضية، على يد «داعش»، ومن قبله «القاعدة»، وما الذي كسبه وخسره من هذه العلاقة، فان النتيجة بالنسبة الينا واحدة، وهي النظر الى هؤلاء بنفس العين التي رأى فيها رسول الله، صلى الله عليه وآله، ضحايا الحروب التي شنها عليه الجاهليون والمشركون، لنكتسب المزيد من تجربة البناء الحضاري على أسس من القيم الانسانية.

لقد أرسى النبي الأكرم، ومن بعده أمير المؤمنين والأئمة الهداة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، دعائم الحضارة الانسانية، واسسوا للدولة الاسلامية الحقيقية ذات القواعد الرصينة التي لا تهدّها أي قوة في العالم، كما جربتها كل القوى العظيمة لدى بزوغ فجر الدعوة، حتى فترة طويلة، حتى تغيرت المعادلات والموازين من قبل الحكام. فاذا كانت الدولة الاسلامية، تتسع وتمتد في شرق الارض وغربها، فانه بفضل القيم الانسانية التي اعتمدها المسلمون في تطبيق شرع الله وأحكامه. فقبل ان يأتوا بالاحكام والفتاوى، جاؤوا بالتسامح والعفو والتكافل والحرية، فكان هذا هو السلاح الذي يفتقده الطرف المقابل، وما يزال.

 

* كسب التجربة قبل كسب المعركة

لو ألقينا نظرة على الشعوب التي خاضت تحديات ماحقة وحروباً ضروساً وخرجت بنتائج باهرة، لعرفنا ان ساحة المعركة لن تكون كل شيء، ولا هي نهاية المطاف، فكما بدأت على خلفية اسباب وعوامل موضوعية مختلفة، فان نفس هذه العوامل تضع لها حدّاً وينتهي كل شيء، لتبدأ مرحلة جديدة، ولعل أبرز مثالين نابضين من الواقع هما: ايران الثورة، ولبنان المقاومة. فقد تعلّم الايرانيون وايضاً الشريحة المقاومة في لبنان وعلى رأسها تنظيم حزب الله في لبنان، من ظروف الحرب وأجوائها، ليس فقط كيف تحارب، إنما ايضاً كيف تبني وتتطور في مختلف مجالات الحياة، وهذا هو الذي اكسب الاثنين مهابة أمام العالم واقتداراً في المنطقة، وبالإمكان الاشارة الى بعض عوامل تحقيق هذا النجاح :

 

* أولاً: ثقافة المقاومة

عندما يتعرض بلد لعدوان خارجي، لاسيما اذا كان في ظروف استثنائية، لن يكون من الذكاء الاعتماد على الجيش ببضع فرق مشاة وألوية مدرعة ودبابات وبعض الطائرات المقاتلة، لدفع العدو عن انتهاك سيادة البلد والدفاع عن المنافذ الحدودية، لان المهاجم -عادةً- يكون قد أعدّ العدة مسبقاً للحرب، ويرنو الى مطامع يحققها من خلال عدوانه، فهو قد اتخذ كل الاجراءات، في مقدمتها الدعم اللوجستي لقواته العسكرية، وهذا ما فعله الطاغية صدام، فقد أخرج حربه ضد ايران من السواتر الترابية والحدود البرية والمائية، وألبسها رداءً ثقافياً، مثيراً بذلك الدوافع القومية والضغائن التاريخية، حتى أنه حاول استنساخ الحرب التي خاضها المسلمون ضد الفرس، وتم من خلالها فتح بلاد فارس، والتي دارت رحاها في منطقة «القادسية» جنوب العراق، فتحولت حربه، من خلاف حدودي وتصفية حسابات قديمة وعقد نفسية من اتفاقية الجزائر لعام 1975، الى «حرب القادسية»! هذه الارضية الثقافية، محمولة ً على أجنحة الاعلام المحترف، بأعداد لابأس بها من المجلات والصحف العربية البارزة، واذاعات عالمية، كانت يومها تُعد بمنزلة المصدر الخبري الأول والوحيد. واجهت بالمقابل تعبئة وتحشيداً لا مثيل لهما في الداخل الايراني، بالاستفادة من المساحة الجغرافية والقدرات البشرية والاقتصادية الهائلة، للحفاظ على المكسب التاريخي لهذا الشعب، الا وهو «الثورة الاسلامية»، وبما أن العدوان الذي شنّه صدام ضد ايران، جاء بعد حوالي سنة ونصف من انتصار الثورة، فان ما تولّد من «ثقافة المقاومة» للقوى الدولية والاقليمية الساعية لتحجيم الثورة والقضاء عليها، تحول الى جبهات القتال ضد الجيش العراقي. وقد أكد جميع المحللين والخبراء حينها على حقيقة استحالة تحقيق صدام للنصر في هذه الحرب، رغم ما أنفق في هذا السبيل، من مليارات الدولارات البترولية، والاسلحة الحديثة من كل مكان، فقد أكدوا أن الجيش العراقي لم يكن يحارب جيشاً مثله، إنما يحارب ثورة جماهيرية.

ان الجميع في ايران كان يحارب، من الطفل الصغير الذي كان يأتي بحصالته الصغيرة، وما جمعه من نقود بسيطة، ليتبرع بها، والى الشيخ الكبير الذي شدّ الرحال الى جبهات القتال، ليخدم المقاتلين في المطابخ او الاسعافات الاولية او الامور الخدمية وحتى القتال، مروراً بالطالب الجامعي والكاسب والموظف وحتى المرأة، الأم والزوجة والأخت، اللاتي لم يشكلن مانعاً أمام تطوع الآلاف الى جبهات القتال. وإذن؛ كان الاقتصاد والاجتماع والفن والرياضة وكل شيء في ايران في حالة «مقاومة» أو بالتعبير الايراني «بسيج»، ولو انه بالترجمة الحرفية «تعبئة». و»ثقافة المقاومة» هذه تركت آثارها المفيدة على الحرب ومرحلة ما بعد الحرب، حيث واصل الايرانيون «مقاومتهم» للتحديات الخارجية لتحقيق اكبر قدر ممكن من التطور في مجالات علمية واقتصادية عديدة.

 

* ثانياً: الاكتفاء الذاتي

كما يُقال دائماً: «الحاجة أم الاختراع»، فإن التحديات السياسية والاقتصادية، تجعل الطرف المقابل مندفعاً نحو خلق البدائل لتجاوز الازمات، وتغطية القدر الممكن من الاحتياجات الداخلية، وهذا ما نجحت فيه ايران وكذلك تنظيم حزب الله في لبنان، ولعل تسليط الضوء على الاخير، يكون اكثر فائدة، لانه لم يكن يمتلك امكانات دولة مثل ايران، فهو في بلد بالاساس فقير من ناحية الموارد النفطية والمعدنية الثمينة، لذا كانت تجربته رائدة في الاعتماد على الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية، يضاف اليه الادارة الحكيمة والتخطيط، كل ذلك وغيره كثير، أوجد قاعدة جماهيرية متماسكة ومعطاءة يشهد لها المراقبون والخبراء في العالم. صحيح؛ أنهم يتلقون الدعم من ايران، وهذا واضح ولا ينكره المقاومون في لبنان، ولكنهم لا يعيشون على هذه المساعدات والمعونات. 

 

* ثالثاً: وحدة المصير

وهذه نقطة غاية في الاهمية خلال المواجهة مع التحدي الخارجي، فاذا كانت هنالك خنادق متعددة في البلد الواحد، كلٌ يتطلع الى اهداف وغايات خاصة به، من منطلقات قومية او طائفية او فئوية، فإن من الصعب تحقيق نصر حقيقي، وإن تم ذلك بفعل تسويات او صفقات تتدخل في جهات اقليمية ودولية، فالحرب، ربما تندلع لسبب او لآخر، تبقى إدارة هذه الحرب، عسكرياً وسياسياً واعلامياً، وعلى مختلف الصعد، فاذا كانت من غرف تخطيط واحدة تعبر عن مصير مشترك، فان النتائج على الارض ستكون واحدة قطعاً، وهذا ما تجلّى بصورة رائعة في حالة التطوع الجماهيري العارم في ضوء فتوى «الجهاد الكفائي» الذي اصدرته المرجعية الدينية لمواجهة خطر التوسع الارهابي - التكفيري بعد أحداث الموصل.

بالمحصلة النهائية، فان كل الفرص قائمة أمام العراق، وكل بلد آخر يواجه تحديات مماثلة، في أن يحقق اكبر الانتصارات الساحقة، وعلى طول الخط، ثم الاستمرارية في خط الانتصارات في المجالات الاقتصادية والسياسية.


ارسل لصديق