لنشجع على الالتزامات الدينية مهما كانت بسيطة
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2017/08/29
القراءات: 32

أينما نذهب ونحلّ، نسمع أحاديث التبرّم من أشخاص مخطئين في تعاملهم او سلوكهم، ليس بسبب قلّة وعيهم أو مستوى ثقافتهم واستيعابهم للأحكام والموازين الدينية او حتى الاجتماعية، إنما كونهم بين «مصلّ» أو «قارئ للقرآن» أو يحمل سمات التديّن في ظاهره او ملبسه، كما لو أن اصحاب هذه المظاهر ينبغي عليهم أن يكونوا الصورة المثالية للصدق والأمانة والتقوى، بل ربما عليهم تمثّل نوع من «العصمة»!

هذه الرؤية والقراءة لحالة التديّن تنبع - في كثير من الأحيان - من الإيمان العميق لدى المجتمع بدور الدين في تنظيم حياة الانسان وتقويم سلوكه الفردي والاجتماعي، بل هو شعور نابع من الفطرة السليمة في كل إنسان، كون الإسلام - بالأساس- مطابقاً مع الفطرة الانسانية التي تأبى الرذيلة والقبح والفساد.

هذا الشعور الداخلي يقفز بقوة الى الواقع الخارجي بوجود عوامل تبعث على الأمل بتطبيق تلك الصورة كاملة على أرض الواقع، لاسيما عندما يتسلم هؤلاء الأشخاص مواقع في الحكم، وهم محسوبون على جهات إسلامية او مؤسسات دينية، فيتصور البعض أنهم والأحكام والشرائع والقيم التي جاءت بها السماء، تمثل القواعد الثابتة التي «لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها»، بينما الحقيقة؛ أن الانسان المخلوق من التراب، جُبل على الخطأ والغفلة والجهل، ﴿...إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، (سورة الأحزاب: 72) ما خلا المصطفين من خلق الله - تعالى- ممن لهم العصمة من أنبياء وأئمة كرام، أما الحالة العامة فهي تخضع لعملية التكامل في الدين والأخلاق ضمن الصراع المستمر بين الحق والباطل وبين نزعات الهوى والرغبات النفسية، وبين نداءات العقل والضمير.

هذا الصراع المرير ممتد منذ اليوم الذي هبط فيه أبونا آدم، عليه السلام، الى الأرض، وحتى اليوم وهو مستمر الى ما يشاء الله، لذا يشير العلماء الى ضرورة قراءة تجارب الشعوب والأمم وكيف عاشت ولماذا أبيدت رغم ما بذلته من جهود وقدمت من إنجازات؟ كون النزعات الإنسانية مشتركة نحو المال والسلطة والخلود وصفات نفسية أخرى، مثل الكِبر والغرور والحسد، فهي كما كانت في بني إسرائيل - مثلاً- قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة، فإنها موجودة في عالم اليوم، باختلاف الظروف الموضوعية وظواهر الحياة فقط، ولذا كان في عهد الإمام علي، عليه السلام، «سامريّ هذه الأمة»، وهو يشير الى الحسن البصري، و يوجد ايضاً، «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، كما جاء على لسان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله.

ولو طالعنا التاريخ السياسي في بلادنا الاسلامية لوجدنا أن الأمة واجهت نكبات وويلات مريرة من حكام كانوا يدّعون أنهم «خلفاء رسول الله» وأنهم يحكمون «دولة إسلامية» ويطبقون الشريعة الاسلامية، فيما كان الظلم والفساد يضرب بعنف في كيان الأمة والمجتمع، وكانت أنهر الدماء تسيل من السجون والزنزانات المظلمة فضلاً عن الحروب الكارثية والعبثية التي حصدت الآلاف من المسلمين طيلة قرون من الزمن، مع كل ذلك، كانت القيم والمبادئ والعقيدة لها مكانتها في القلوب لا ترقى اليها تلك المفاسد والانحرافات.

وهذا لم يكن إلا بفضل حملات التوعية والتثقيف التي نهضت بها المؤسسة الدينية متمثلة بالحوزة العلمية طيلة القرون الماضية، عبر أجيال من الخطباء والعلماء والأدباء والكتاب الذين فتحوا كل أبواب العلم والمعرفة لتمكين الانسان نحو التسامي والتكامل وبناء الشخصية الايمانية الفاعلة في المجتمع والأمة، وهذا يُعد الامتداد الطبيعي لمنهج أهل البيت، عليهم السلام.

لذا عندما نجد في الوقت الحاضر، صوت تلاوة القرآن الكريم يصدح من المحلات التجارية او السيارات، او تعلو بعض الجدران لوحات لأحاديث شريفة وآيات قرآنية أو أسماء المعصومين، عليهم السلام، أو حتى ارتداء الفتيات الصغار للعباءة، او وقوف الفتيان الصغار للصلاة جماعة مع الكبار، وغيرها من الظواهر الرائعة، كلها تمثل نقاطاً ايجابية عظيمة في ظل صراع ثقافي وفكري محتدم تدور رحاه في بلادنا الاسلامية.

وهذا يعني أننا بحاجة الى المزيد من نشر الوعي والثقافة بين افراد المجتمع لمزيد من تكريس القيم والالتزامات الدينية بين الشباب والنساء والرجال وحتى الأطفال، قبل ان نشغل انفسنا بعد الثغرات والسلبيات، ولكن مثل الفلاح الذي يسقي الارض ويرعاها بماله ونفسه، قبل ان يفكر بالحصاد والاستفادة منها.


ارسل لصديق