الإمام علي عليه السلام وصناعة المجتمع المسؤول
كتبه: مرتضى محمد كاظم
حرر في: 2017/06/08
القراءات: 418

الحديث عن علي، عليه السلام، حديث في غاية الصعوبة، فلو أخذت القاموس بما فيه من الصفات النيرة والحميدة، ستجدها كُتبت لعلي! أليس هو ميزان الأعمال؟ وبعلمه تقاس أعمال غيره؟

لكنا نودّ تسليط الضوء في هذه السطور على زاوية، قلّما يُسلط الضوء عليها، وهي بناء مجتمع يتحمل مسؤولياته كاملة غير منقوصة، وكيف يمكن الاقتداء بأمير المؤمنين، عليه السلام، في ذلك.

ربنا - سبحانه وتعالى- خلق الإنسان وجعل لحياته مراحل فقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَة}، (سورة الروم: 54) فخلق الإنسان ضعيفاً ثم يكتسب القوة شيئاً فشيئاً، حتى يبلغ ذروة قوته في شبابه، ولم تلبث فترة الشباب عنده طويلاً حتى يبدأ بالانتكاس فتذهب قواه الواحدة بعد الأخرى حتى ﴿يُرَدّ الى أرذل العمر....

والسؤال الذي أود استقاء الإجابة فيه من سيرة سيد الأوصياء، عليه السلام؛ أن المسؤولية التي نتحدث عنها، وأن المجتمع ينبغي أن يتحملها، هل هي مسؤولية عِليَةِ القوم وكُبّارها فقط؟

لو عدنا الى سيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، سنجد أنه تحمل مسؤوليته تجاه الرسالة منذ نعومة أظفاره، يقول هو، عليه السلام، - بأبي وأمي- في بعض خطبه: «أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَر».

فلم يُلق أمير المؤمنين، المسؤولية على الكبار في السن، وإن كان الكبار قد تحملوا مسؤوليتهم أيضاً؛ كتحمل أبي طالب، عليه السلام، ذلك، إلا أن ما نفهمه من كلامه، عليه السلام، هو ضرورة أن يتحمل الجميع المسؤولية.

ثم يقول، عليه السلام: «وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا ولد يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ.. ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلَاقِهِ وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ».

فإذا وجدنا أن مجتمعاً كان ينعت بأنه خير أمة لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، أمسى يستجدي نماذج تحمل المسؤولية من الغرب والشرق، تحت شعارات معسولة مثل؛ «الحرية» و«التنمية» و«الانفتاح»، فلابد أن نعرف أن مكمن الخلل في ذلك التواكل في تحمل المسؤوليات بين الأجيال المختلفة، فكل جيل يلقي بالمسؤولية على الجيل الذي سبقه والنتيجة هي أن الكل يغرق في سفينة واحدة.

ومن هنا نجد أن الأئمة، عليهم السلام، بدءاً بأمير المؤمنين، كانوا يتحملون المسؤولية منذ البدايات حتى أن أمير المؤمنين عليه السلام، شارك النبي في تحمل أعباء الرسالة في صغره، ثم جاءت المرحلة الأهم، وهي مرحلة الشباب، و مرحلة القوة، وهي قوة في الجسم والنفس والفكر، ومن هنا فإن الشاب يستطيع أن يقوم بدوره في الحياة إذا تقدم إلى حيث أمره الله.

 

 الشباب طاقة متفجرة

لو تجمدت طاقات المرء في شبابه فلا تكون له فرصة في تفجير طاقاته في الكبر، والاحتمال الآخر أن تتفجر الطاقات ولكن في الاتجاه الخاطئ، لان الطاقة تبحث عن تصريف!

وإذا ما توجهت طاقات أبناء المجتمع الى الاتجاه السلبي فهذا يهدد المجتمع الى ما لا يحمد عقباه، فتجده يصرف وقته وعمره وماله وطاقته في البحث عن الموضة ولا يمر عليه أسبوع إلا بتغيير هيئته من لون شعره وملابسه حتى شكل ظفر أخمصه!

الشباب قوة ينبغي أن يتاح لها مجال الانطلاق لتحمل المسؤوليات الكبيرة، خصوصاً ونحن أمة تواجهها التحديات الداخلية والخارجية بكل أشكالها وألوانها.

فليست مشاكل الإرهاب التي نضحي لأجل القضاء عليها بأغلى الشباب، بأقل من مشكلة التخلف والتقوقع والتحزّب والتعنصر الذي تعيشه مجتمعاتنا، فإذا كان للشباب دور في مواجهة الإرهاب في سوح الجهاد، فأين هي مسؤولياتهم تجاه هذه المشاكل؟!

نعم؛ للشباب شهوات تجره اليها، ولديه عاطفة الحنين الى الصبا التي تدغدغ أحاسيسه وتذكره بأيام اللعب واللهو، فتجده يتهرب من تحمل أبسط المسؤوليات لكي يبقى في اجواء الراحة والاسترخاء، انه يعيش مع عواطفه لأنه يأنس الى تلك اللحظات والأيام، وهذا ما تجده بوضوح في كلمات الشباب.

ومن هنا نجد أن العوائل كانت تربي أطفالها على تحمل المسؤوليات الصغيرة، وتحمله إياها بتدرج مع مراحله العمرية، فكان يتحمل في أيام عطلته وأوقات فراغه بعض مهام البيت ومشترياته، ثم إذا ما بلغ من الرشد شيئاً، تحمل بعض نفقات العائلة أيضاً، فلا يبلغ الشباب حتى تجده مكتمل الأهلية للخوض في مهام الحياة.

 

 الأسرة الميدان الأول

هنا لابد من الإشارة إلى دور في غاية الأهمية فيما يرتبط ببناء المجتمع المسؤول، إنه دور الأسرة، فالأسرة هي الميدان الأول، وطالما تكون مكمن الخلل في الكثير من مشاكلنا الاجتماعية مع الشباب، وللأسف نجد الكثير من الأسر تجنب أطفالها تحمل المسؤولية، وتدعهم يخوضون في اللهو واللعب في سني الدراسة، ظناً منهم أنها مرحلة التعلّم وعلى الأسرة توفير أجواء الراحة والانبساط، لكنها تغفل عن أن الطفل لم يعد طفلاً طيلة هذه الفترة.

فحينما يبلغ السبع سنين تنتهي مرحلة اللعب واللهو، وتبدأ مرحلة التربية وتلقي الأحكام والضوابط الاجتماعية والثقافية ليكون مستعداً لأخذ دوره في الحياة، حتى يبلغ الخامسة عشرة وعندها تكون له كامل الأهلية، أي إنه ببلوغه الشرعي يكون مكلفاً وعنصراً كامل الصلاحية في المجتمع، يتحمل مسؤولية أفعاله، وسائر المهام الملقاة عليه. وعندما ترفع بعض العوائل عن كاهل الصبي (الذكر والأنثى) هذه المهام، تكون النتيجة القطعية؛ انصراف الوقت الثمين في اللعب والانشغال بالتفاهات، فيصرف مئات الساعات أسبوعيا للصداقات الزائفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومبادلة الاحاديث العقيمة وحتى الجدل والنزاعات الكلامية، حتى أن الكثير منهم لم يعد يهتم لما يحدث من حوله لكثرة انشغاله بهذه الوسائل.

إن دور الأسرة يمكن أن نلخصه في أمرين:

الأول: دور التوجيه.

الثاني: النمذجة الصحيحة.

لننظر الى أمير المؤمنين، عليه السلام،! وقربه من رسول الله، لكن الذي رباه على تحمل المسؤولية تجاه رسول الله، صلى الله عليه وآله، كان والده، أبو طالب، عليه السلام، فكان زعيما يتحمل مسؤوليته وملتزما بأخلاقياته ومبادئه، و الامام رأى كيف أن أباه دافع عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقد خسر زعامته، بل وخسر حتى أبسط مستلزمات الحياة في شعب أبي طالب.

جاؤوا اليه يقولون: «ان كنت تريد مالاً نعطيك من حمر النعم، وان كنت تريد أولاداً أعطيناك اقوى أولادنا، وان كنت تريد السيادة أمرناك علينا، ولكن! سلمنا محمداً، فانه قد سبّ آلهتنا وعاب أصنامنا وأفسد شبابنا...».

لكنه لم يستجب لضغوطهم وقال للنبي، صلى الله عليه وآله: «اذهب يابن أخي فو الله لا أتركك ابدا».

هكذا كان علي، يرى أباه.

ثم إنه كان يحمل ولده علياً، وهو نائم ويضعه في فراش رسول الله، حتى اذا أراد احدهم اغتيال الرسول يقع ذلك على ولده، وحينما أحسّ أمير المؤمنين بذلك يوماً وهو صبي في الظاهر سأل والده عن فعله فأجابه: اخشى ان يكون هناك من يريد اغتيال ابن عمك، فاني أخذته مكانك حتى لا يصيبه أذى.

فقال علي: او تعرضني يا أب للأذى؟!

فأجابه بتلك الأبيات المعروفة:

 

اصبرن يا بني فالصبر أحجى

كل حي مصيره لشعوب

قد بلوناك والبلاءُ شديد

لفداء النجيب وابن النجيب

النبيِّ الأغرِّ ذي الحَسبِ الثَّاقبِ والباعِ والكريمِ النَّجيبِ

 

وهكذا رأى الامام أباً يتحمل المسؤولية ويقف الموقف المبدئي الشجاع حتى آخر لحظة من حياته، فلاشكّ أن هذا الموقف هو الذي مكن رسول الله من تبليغ الرسالة الى العالم، وهذا عن أبيه، أما أمه فاطمة بنت أسد، فالكلام عنها يطول، وكيف أنها كانت تؤثر رسول الله، صلى الله عليه وآله، في الطعام على أولادها، ويكفي وصف النبي، صلى الله عليه وآله، لها حيث قال: «كانت أبرّ بي بعد عمي أبي طالب».


ارسل لصديق