فاطمة الزهراء ومعيار الاختيار الصحيح
كتبه: مرتضى محمد كاظم
حرر في: 2018/03/06
القراءات: 235

لماذا نرى أن البعض يرتقي والآخر يتسافل؟

لماذا نرى أن أحدهم ينجح والآخر يفشل؟

لماذا نرى أن بعض النساء بالرغم من قربها المادي من رسول الله، صلى الله عليه وآله، تصبح عدوة لله، بينما نرى الصديقة الزهراء، سلام الله عليها، في هذا المكان العلي، حيث تصبح المحور في هذا الدين، فعن سلمان الفارسي أنها، عليها السلام، جاءت إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، في مرضه الذي توفي فيه، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فضمها رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: «يَا بُنَيَّةُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَعْطَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَبْعَ خِصَالٍ لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ كَانَ قَبْلَكُمْ وَلَا يُعْطِيهَا أَحَداً مِنَ الْآخِرِينَ غَيْرَنَا: نَبِيُّنَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَهُوَ أَبُوكِ وَوَصِيُّنَا سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ وَهُوَ بَعْلُكِ وَشَهِيدُنَا سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَهُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ عَمُّ أَبِيكِ..، ابْنَاكِ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ سِبْطَا أُمَّتِي وَسَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».

فاطمة، سلام الله عليها، هي المحور، وهي التي لولاها لما خلق الله من لولاه لما خلق الأفلاك.

 

  حُسن الاختيار أعظم نعم الله

لا ريب أن من أعظم نعم الله - تعالى- هي نعمة الحرية، والاختيار، حتى أن هذا المخلوق الضعيف المهين، الذي خلق من نطفة مهينة، يخاصم رب العباد، يقول - تعالى-: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ‏}، (سورة يس: 77)، حتى وصل به الأمر إلى أن ينكر خالقه ورازقه بل أنكر معاده بعد مماته: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، (سورة يس: 78).

فالإنسان يبلغ الكمال بحسن اختياره، ومن هنا فإنه - تعالى- أنذر وبشّر، وبعث الرسل وتواتر الكتب بل وأرسل معهم الميزان وأنزل الحديد، وأخذ الناس بالبأساء والضراء، لكي يتضرّعوا وتتكامل رؤيتهم، وينمو علمهم وتتحسّن أخلاقهم فلا يكون تكامل الإنسان ورقيه إلا بسعيه واختياره الصحيح.

كل واحد منا يختار في حياته أموراً كثيرة، فهو يختار طعامه وثيابه وسكنه، وأصدقاءه وزوجته بل ويختار طريقة عيشه وما يدرس وما يرى وما يسمع.

يريد أن يدرس وَيختار الفرع الذي تميل اليه نفسه، ويجد فيه مواهبه وقدراته، أو يريد أن يتزوج، فيختار الزوجة التي تناسبه، أو يريد أن يسافر، فيختار المكان والوسيلة المفضلة لديه.

ولكن ما هو ملاك الاختيار الصحيح؟ لأن المشكلة أن الكثير من البشر يختار الطريق الخاطئ، قال - تعالى-: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، (سورة الكهف: 103-104).

 

  الخطأ في المعايير

مشكلة الناس في اختيار المعايير، فإن خطأ المعيار يؤدي بهم إلى سوء الاختيار، وقبل أن أبين هذه المعايير الخاطئة لا بأس بنقل حديث قدسي، يبين لنا كيف أن الكثير من الناس يخطئ الطريق بمعياره الخطأ يقول الحديث: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ وَضَعْتُ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهَا فِي خَمْسَةٍ فَلَا يَجِدُونَهَا».

الأول: «وَضَعْتُ الْعِلْمَ فِي الْجُوعِ وَالْجَهْدِ وَهُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي الشِّبَعِ وَالرَّاحَةِ فَلَا يَجِدُونَهُ».

الثاني: «وَضَعْتُ الْعِزَّ فِي طَاعَتِي وَهُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ فَلَا يَجِدُونَهُ».

الثالث: «وَضَعْتُ الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ وَهُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ فَلَا يَجِدُونَهُ».

الرابع: «وَوَضَعْتُ رِضَايَ فِي سَخَطِ النَّفْسِ وَهُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي رِضَا النَّفْسِ فَلَا يَجِدُونَهُ».

الخامس: «وَوَضَعْتُ الرَّاحَةَ فِي الْجَنَّةِ وَهُمْ يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا فَلَا يَجِدُونَهَا».

هل رأيت أحداً غير مبتلى في هذه الدنيا، في خطبة لأمير المؤمنين، عليه السلام: «دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُها».

ومن هنا فإن الإنسان كثيراً ما يخطئ في المعايير، فلو سألته بعد حين هل تعود إلى ما فعلت لو عاد بك الزمن؟ يقول كلا، هل تتزوج هذه المرأة التي تزوجتها مثلاً، يقول كلا. راجعوا المحاكم لتجدوا شاهد صدق على ما أقول، لكن الأمر بالنسبة للدنيا هين، لأنها فانية، إلا أن المشكلة الكبيرة في الاختيار الذي يرجع إلى دين الإنسان ومصيره في الآخرة.

 

  معايير الناس في الاختيار

هنالك معايير أربع هي محور أغلب اختيارات البشر، وهي التي يجمعها قول الله - تعالى-: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، (سورة الأعلى:16).

الأول: المصالح

{فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، (سورة البقرة: 200)، فهو لا يختار شيئا خلافاً لمصالحه، وإنما مصالحه هي التي تدفعه للانتخاب.

الثاني: الخوف

فالبعض جبان، ينهزم سريعاً، أو يختار عند الخوف، فإذا كان المرشح أمامه؛ علي بن أبي طالب، لا يبايعه، ولكن إذا كان الحجاج، نجده مستعداً للبيعة!

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، في خطبة له: «يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَاثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وَبُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ. تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ».

الثالث: العصبيات

إن الكثير من القرارات التي يتخذها الناس، تتخذ على أساس العصبيات والحميات والقبليات، فلا يختار الشخص وفق معيار القيم بل يختاره لأنه من قبيلته او عشيرته أو قرابته.

الرابع: التلون بلون الجمع

يريد البعض أن يكون مع الأكثرية من الناس، وإن كانوا على باطل، فحين كانت فاطمة الزهراء سلام الله عليها، تطرق باب دارهم واحداً واحداً، كانوا يقولون: لقد مضت بيعتنا! علماً أنهم سمعوا حديث نبيهم الكريم في تحذيره من مغبة الوقوع في التلوّن مع الكثرة على حساب الحق، في وصيته المشهورة لعمار أن «يا عمار! اذا رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً آخر فاسلك مع علي ودع الناس، فانه لن يدلك على ردى، ولن يخرجك من هدى».

 

  الزهراء والاختيار الصحيح

أما الاختيار الصحيح بما يفيد الدين والدنيا، هو أن نتخذ سمتهم، ففي الحديث الشريف: «انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَلَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا وَلَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا».

إن فاطمة؛ وهي على جلالتها وعظمتها، وهي التي قال عنها النبي، صلى الله عليه وآله:

 «ولو كان الحسن شخصا لكان فاطمة، بل هي أعظم، إنّ فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصرا وشرفا وكرما»، لكنها مطيعة تمام الطاعة لأمير المؤمنين، عليه السلام، فحينما شكت لأمير المؤمنين، عليه السلام، قائلة: «يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْكَ السَّلَامُ اشْتَمَلْتَ شَمْلَةَ الْجَنِينِ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنِينِ، نَقَضْتَ قَادِمَةَ الْأَجْدَلِ، فَخَانَكَ رِيشُ الْأَعْزَلِ، هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ يَبْتَزُّنِي نَحِيلَةَ أَبِي وَبُلْغَةَ ابْنَيَّ، لَقَدْ أَجْهَرَ فِي خِصَامِي، وَأَلْفَيْتُهُ أَلَدَّ فِي كَلَامِي، حَتَّى حَبَسَتْنِي قَيْلَةٌ نَصْرَهَا، وَالْمُهَاجِرَةُ وَصْلَهَا، وَغَضَّتِ الْجَمَاعَةُ دُونِي طَرْفَهَا، فَلَا دَافِعَ وَلَا مَانِعَ، خَرَجْتُ كَاظِمَةً، وَعُدْتُ رَاغِمَةً، أَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أَضَعْتَ حَدَّكَ، افْتَرَسَتِ الذِّئَابُ وَافْتَرَشْتَ التُّرَابَ، مَا كَفَفْتَ قَائِلًا، وَلَا أَغْنَيْتَ بَاطِلًا، وَلَا خِيَارَ لِي، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَنِيئَتِي، وَدُونَ زَلَّتِي، عَذِيرِي اللَّهُ مِنْكَ عَادِياً، وَمِنْكَ حَامِياً، وَيْلَايَ فِي كُلِّ شَارِقٍ، مَاتَ الْعَمَدُ، وَوَهَنَتِ‏ الْعَضُدُ، شَكْوَايَ إِلَى أَبِي، وَعَدْوَايَ إِلَى رَبِّي، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَشَدُّ قُوَّةً وَحَوْلًا، وَأَحَدُّ بَأْساً وَ تَنْكِيلًا».

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا وَيْلَ عَلَيْكِ، الْوَيْلُ لِشَانِئِكِ، نَهْنِهِي عَنْ وَجْدِكِ يَا ابْنَةَ الصَّفْوَةِ، وَبَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَمَا وَنَيْتُ عَنْ دِينِي، وَلَا أَخْطَأْتُ مَقْدُورِي، فَإِنْ كُنْتِ تُرِيدِينَ الْبُلْغَةَ، فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَكَفِيلُكِ مَأْمُونٌ، وَمَا أُعِدَّ لَكِ أَفْضَلُ مِمَّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي اللَّهَ». فَقَالَتْ: «حَسْبِيَ اللَّهُ.. وَأَمْسَكَتْ». وبعد ذلك لم يتكلم أمير المؤمنين، عليه السلام، بشيء مما حدث لها قط، وإنما بقيت في ذلك الحال بضلع مكسور وطفل مسقط في أحشائها، ناحلة الجسم، باكية العين، حتى استشهدت سلام الله عليها في هذا السبيل.

ولعل هذا من أهم الدروس الذي نتعلمه من الصديقة الزهراء، بأن لا يكون إنتخابنا وفق المعايير الخاطئة بل ينبغي أن نجعل لأنفسنا معايير واضحة مبنية على أساس القيم الإلهية.


ارسل لصديق