الحج رحلة الكدح لصقل الشخصية الايمانية
كتبه: مرتضى محمد كاظم
حرر في: 2017/09/07
القراءات: 13

کانت الرحلة عنصراً مهما وقوياً في حياة المجتمعات البشرية، ومن هنا قيل ان الإنسان يولد راحلاً، وإن أعجزته الرحلة، تخيّل رحلات غير محسوسة في تخطي الجبال وعبر البحار وركب بساط الريح، حتى إن التاريخ سجل لنا سجلاً حافلاً بالرحلات. أما المجتمع الإسلامي فهو الآخر لم يكن مستثنى من ذلك فقد كانت الرحلة جزءاً مهماً فيه فخلال عصور إزدهاره، رحل الناس لزيارة مهبط الوحي ولقوا في ذلك الكثير من الصعاب وتحملوها راضين مسرورين. ثم رحل الناس في طلب العلم حيث مراكزه المضيئة وكان طلاب العلم يتحملون من المشاق في سبيل الحصول عليه، ما يحملنا على احترامهم وتقديرهم، تبعاً لوصية نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله، الذي حث على طلب العلم ولو بالصين، فصار من الضروري أن ينفر من كل فرقة نفراً ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم.

وقبلهم وبعدهم كانت رحلات التجار طلباً للربح والثراء وكانت الاسواق في مشارق الأرض ومغاربها مفتوحة الأبواب.

ثم بدأت رحلات التبليغ والإرشاد نحو أقاصي الأرض لنشر قيم الدين ومبادئه الإنسانية والأخلاقية السمحاء لتستضيء بها شعوب العالم، حتى وصل الإسلام الى ما وراء البحار وعلى قمم الجبال وبين الوديان، وهذا ليس فقط بجهود المبلغين من رجال الدين فقط، وإنما شارك في هذا المشروع الحضاري التجار ايضاً، فقد كان لطريقة تعاملهم وأخلاقهم، مع أهل البلاد البعيدة، دور كبير في دخول الآلاف من الناس الى الاسلام.

 

 رحلة الى الله

إلا أن الحديث عن تلك الرحلات يخفت بريقها حينما يكون الحديث عن الرحلة إلى الله، تلك الرحلة التي كان بدعوة من رب الأرباب وخالق السماوات، والتي جاءت عبر لسان خليله إبراهيم عليه السلام:

{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}، (سورة الحج: 27). فالحجاج وفد الله وضيوفه، والتلبية التي يرفعها الحجاج الى الله في الميقات إعلان لإجابة هذه الدعوة التي أعلنها النبي إبراهيم عليه السلام، من جانب الله لعباده. وبالرغم من كثرة الضجيج في هذه الرحلة وقلة الحجيج - في بعض الأحيان - إلا أنها رحلة مختلفة تماماً، رحلة من شأنها تغيير واقع الإنسان. ومهما كانت الرحلات، فإن رحلة الحج فريدة في نوعها، فهي تجمع خصائص لا تجتمع في غيرها، ولأنها رحلة العمر، فهي تجب على المرء مرّة واحدة فحسب فهي تكفيه لأن تحوله من حال إلى حال.

 

 رحلة كادحة

{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}، (سورة الانشقاق: 6)

رحلة الإنسان الى الله - تعالى- رحلة كادحة متعبة تبدأ بمواجهة الـ»أنا» والهوى وتنتهي بلقاء الله، ومن هنا كان على الحجيج أن يدخلوا في دورة تدريبية رمزية للتحرر من أهم عقبتين في الطريق إلى الله وهما الـ»أنا» و الهوى، وذلك بعد أن يلبي الحاج لربه ويدخل في الإحرام.

وتبدأ هذه المواجهة بتروك الإحرام فيتجرد من المخيط ويترك الجدل ليواجه الـ»أنا»، ويمتنع عن الطيب والنساء ليواجه الهوى.

 

 الحد فاصل بين الأنا وبين الأمة المؤمنة

قبل أن يدخل الحاج الميقات، يعيش كما يعيش سائر الناس، متمايزين منفصلين، وللـ"أنا" تمييز وتشخيص، ولها تظاهر وبرزوا في حياتهم، وللـ"أنا" سماته ومعالمه الواضحة في حياتهم، فإن دخل الميقات تضاءل هذا الشعور، وفقد جملة من معالمه ومميزاته، وفقد لونه وصيغته الصارخة، ويرمز لذلك الإنسان بلبسه الإحرام كسائر الحجيج.

إن أكثر ما يثير المتاعب في حياة الناس ويعكر العلاقة فيما بين الناس هو التصادم والتخالف الذي يحدث بين الذوات والأنانيات، وعندما تذوب الذوات عند الإنسان وتنصهر ويتخلص الإنسان من طغيان الـ"أنا" ينتهي شطر كبير من مشاكله، وترى كفة حب الغير ترجح على حب الذات.

ولذلك على الحاج أن يترك في الميقات كل ما يميزه ويجمّله ويلبي رغباته، بدءاً من النظر في المرآة وحتى التقرّب الى زوجته، هذا الى جانب التخلّي عن التمايز الطبقي والاجتماعي، فالجميع سواسية في محضر الرب - تعالى-.

وحينما يتجرد الإنسان عن الأنا وينسلخ عن ذاته، يجد نفسه فجأة في وسط حشد بشري كبير هادر ينطلق من الميقات صوب الكعبة، كما تصب الأنهر الصغيرة في البحر الكبير والواسع.

 

 تجربة الأمن للجميع

أبرز معطيات هذه التجربة الفريدة للنسيج الاجتماعي الذي يوجده الحج، هو مشاعر الأمن والسلام الى جانب الحرم الآمن، {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا}، (سورة البقرة: 125) فهي رقعة جغرافية نموذجية، فإذا شعر الناس بالأمن بعضهم من بعض التقى بعضهم بعضاً في غير حذر وتعامل بعضهم مع بعض وتلاقوا وتآلفوا وتعاونوا.

والله تعالى يريد أن يكون وجه الأرض كله آمنا للناس، ويعيش الناس بعضهم مع بعض في أمن وسلام، فلا يحقد بعضهم على بعض، ولا ينوي أحدٌ لأحد شراً، بل ويؤثر بعضهم بعضاً على نفسه ويحب بعضهم بعضاً.

يقول - تعالى- في صفة المهاجرين والأنصار في صدر الإسلام:

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، (سورة الحشر: 9)

لكن السؤال العريض الذي يطرح نفسه في هذا السياق؛ لماذا شرط التخلص من الهوى والأنا في هذا الحشد الهادر، ألا يكفي أن يترهبن أحدهم ليتجاوز الأنانيات والشهوات؟!

إن الإسلام، دينٌ يحرك الإنسان الى الله تعالى، من خلال الحضور في وسط الناس وليس من داخل الكهوف والمغارات في أعالي الجبال، فالحج حركة الى الله، ولكن من خلال الانصهار في الناس والتحرك مع الناس طوافاً وسعيا و إفاضة، وهكذا الصلاة؛ فهي معراج كل مؤمن ولكن من خلال الجماعة، وكذا الاعتكاف الذي يُعد خلوة مع الله - تعالى- وتكون في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو في مسجد الكوفة، أو المسجد الجامع الذي يقيم فيه الناس صلاتهم.

ذلك أن من المستحيل أن يتجاوز الانسان الـ"أنا" وهو في عزلة من الناس، ومن يتصور أنه يتحرر من الاهواء والشهوات بمجرد اعتزاله الناس وابتعاده عن الحياة الاجتماعية، فهو مخطئ جداً، لأن نزاعات الأنانية تبقى مطوية في خبايا دهاليز النفس من غير أن يشعر بها الانسان.

فإذا دخل الحياة الإجتماعية، وجرى التعامل وحصلت الإثارات النفسية، ظهرت ردود الافعال وبرزت النزاعات المخبوءة على قسمات الوجه وفلتات اللسان، بما يعني أن من غير الممكن ملاحظة هذه الظاهرة ثم معالجتها إلا من خلال التعاملات الإجتماعية.

والإنسان من جهته، يتوجب عليه خوض معركة حاسمة مع النفس لمعالجة هذه النزعات وتقويمها من خلال حسن المعاملة والمعاشرة، وهي لا تتوفر في الغرف المظلمة والبعيدة وفي حياة الرهبنة والتقوقع، فهذا الخيار لن يقدم لنا سوى كتمان نقاط الضعف والخلل في النفس الإنسانية، تنتظر الظروف والأجواء المناسبة لتظهر وبقوة الى الواقع، ودونك العديد من تجارب الرهبانية التي فشلت وانتكست عند أول احتكاك بالحياة الإجتماعية.


ارسل لصديق