شعائر عاشوراء حماية لمقدسات الأمة
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2012/11/27
القراءات: 1105

الاسلام ليس مجرد عقائد، ولا مجموعة نصائح اخلاقية فقط، إنما هو مسيرة ماضية مع الزمن، و منهج عملي للحياة الانسانية من الطفولة حتى الممات، ويقود هذه المسيرة الانبياء والائمة والصالحون من اتباعهم.

و في مقابل هذه المسيرة الرحمانية، هناك المسيرة الشيطانية، وهي ليست أيضاً مجرد نظريات وأفكار، بل هي منهج متكامل للحياة يقودها الجبابرة، والطغاة، و طلاب الدنيا.

وهنا مسيرتان متعاكستان، متضادتان، متباغضتان، متحاربتان على طول التاريج وحتى يومنا هذا وسوف يستمر حتى قيام يوم الدين.

 والصراع بين المسيرتين بدأ من يوم ان خلق الله آدم وأسجد له الملائكة فحسده إبليس. و خدعه وأهله بالأكل من الشجرة، فأخرجا من الجنة و هبطا جميعا الى الارض «قيل اهبطوا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو».

والناس في التاريخ على اصناف ثلاثة: بعضهم باع نفسه لله واتبع انبيائه و رسله، «اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده..) الانعام/90. وبعضهم باع نفسه للشيطان واتبع الطغاة والجبابرة والمفسدين في الارض، و أما الصنف الثالث فهو الذي يمشي تارة في خطى الانبياء، وتارة اخرى يسير وراء الطغاة والملوك الجبارين.. حيث أن الخيار بيد الإنسان نفسه.. ولكن الله عز وجل لم يترك هذا الانسان وحده في مسيرة الحياة.. بل زوده بدوافع يستطيع الاعتماد عليها في التغلب على الشيطان و انصاره.

فالله - عز و جل - رحمة  بهذا الانسان، كان دائماً يحافظ على توازن القوى في داخل الانسان، لكي يختار بنفسه، وبمحض ارادته المقصد النهائي الذي يريد الوصول اليه. اما الطريق الذي يؤدي به إلى الجنة ونعيمها او ذلك الطريق الذي يؤدي إلى النار وبؤسها الشديد.

غير ان قوة الاهواء والشهوات، وحلاوة الدنيا وملذاتها ـ هي بدرجة قد تعمي العيون وتطمس العقول، ولذلك كان لابد لها من قوة مضادة تقمع بها بهرجة الحياة الدنيا، وتشد الناس الى طريق الله تعالى وهو طريق الخير المطلق، وتمد المؤمنين بالطاقة والوقود للاندفاع في طريق الله و طاعته والصبر على المكاره والاذى والآلام التي تواجههم في هذا المسير.

 

دم الشهادة هو القوة الدافعة إلى الخير

تلك القوة الدافعة، هي الحماسة التي يبعثها دم الشهيد، فتلهب مشاعر المؤمنين بالله، ويثير في النفوس الغيرة والحمية، وحب الايثار والشهامة و يعطي للقيم الدينية ومثلها وهج العظمة، ويفج في القلوب عاطفة روحية قوية تدحر سورة الملذات الجسدية والشهوات المادية.

ان العاطفة التي يبعثها دم الشهيد في القلوب تجذب الناس الى مبادئ الشهيد ومقاصده، وتجعل من شخصيته بطلاً يحب الجميع الاقتداء به. وهذه العاطفة هي التي تقهر ثورة الغرائز الحيوانية، وتدحر الحرص على الامور المادية والانكباب عليها. وكلما كان الشهيد اعظم شخصية، و أطهر منبتا، و أكثر مظلومية، كان دمه أقوى أثراً، و أعظم حجة، ولذلك كان الشهداء على ثلاثة اصناف:

صنف يخص عشيرته و مجتمعه الذي عاش فيه. كما شهداء الاسلام الاوائل في الحروب التي جرت في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، كنموذج لذلك (حنظلة) والذي يعرف في التاريخ بغسيل الملائكة، هذا الشهيد الذي قدسه الأنصار كثيرا، وكان من حقه ذلك، والتي على أثرها، وما كان له من مكانة وإكبار إستطاع ولده عبدالله أن يستنهض أهل المدينة ويقودهم ضد يزيد الطاغية عام 62 للهجرة ، وقد أستشهد (رضوان الله تعالى عليه) في واقعة الحرة الشهيرة.

وصنف آخر: عام لجميع المسلمين في شتى الأمصار والأزمان، وذلك مثل حمزة بن عبد المطلب الذي أستشهد في حرب أحد فخصّه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من دون سائر الشهداء بسبعين تكبيرة حين صلى عليه، بينما صلى على الآخرين بخمس تكبيرات ثم لقب بسيد الشهداء، ولا يخلوا كتاب في تاريخ الإسلام إلا وفيه إسم هذا الشهيد العظيم.

وصنف ثالث : شهيد التاريخ كله، ولكل الشعوب بل هو لكل الخلائق من الأولين والآخرين وليس لهذا الصنف إلا مثال واحد هو  الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام. فقد إجتمع في هذا الإمام العظيم خصائص جعلته سيد الشهداء في جميع العصور والأزمان ولجميع الأمم والخلائق.

فمن جهة هو سبط خاتم المرسلين وإمام المسلمين بنص الرسول الأكرم وقد أستشهد مظلوماً، وأستشهد معه جميع أهل بيته، وقطع رأسه وطيف به في البلدان وسبيت نساؤه، وبصورة مأساوية مؤلمة لا مثيل لها في التاريخ الإنساني برمته.

ولذلك؛ قال له أخوه  الإمام الحسن عليه السلام في مقولته الشهيرة : «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله...»

إن شخصية فريدة، كالإمام الحسين عليه السلام، وحدث بهذا الحجم من المأساوية من الطبيعي أن يحول عاشوراء إلى حادثة فريدة في التاريخ الإسلامي، لها القدرة على تغيير وجه التاريخ. فإذا كان ظهور الإسلام قد غير وجه التاريخ البشري، فإن مقتل  الإمام الحسين عليه السلام قد غير وجه التاريخ الإسلامي ثم البشري برمته.

ولا أحد يستطيع أن يتنبأ كيف كانت صورة التاريخ لو لم تكن شهادة  الإمام الحسين عليه السلام بنفسه في واقعة عاشوراء .. والذي لا شك فيه بأن الإسلام العظيم سوف لن يكون له وجود حي في التاريخ بدون دماء عظيمة بحجم الدماء الطاهرة الزاكية للإمام الحسين عليه السلام، نظرا للإنحرافات الخطيرة التي أصابت جسد المجتمع الإسلامي بقيادة وزعامة الأمويين.. فقد كان من المؤكد أن يصبح الإسلام مجرد حدث عابر في التاريخ مثله كباقي القضايا والحوادث التي مرت في صفحاته وربما تطوى صفحاته للأبد، حيث كانت السلطة الأموية تستغل قوة سلطانها في طمس كل القيم التي جاء بها الإسلام، وتعدى ذلك العداء السافر للإسلام في المحاولات العديدة التي قام بها الأمويون من أجل محو تاريخ الإسلام كما طمست تواريخ الأنبياء والأمم السابقة.

ولقد كان الإمام الحسين عليه السلام على وعي كامل بموقعه ومقامه بين الامة الإسلامية، كما يعرف ايضاً قوة الدولة الأموية ونفوذها الواسع وسيطرتها على كل مكان ومخططها الخطير لمحو الآثار الدالة على الإسلام كفكر وعقيدة وتاريخ، ولذلك كله يقرر أن يرفض البيعة لرأس السلطة الأموية يزيد بن معاوية. ويصر الأخير على أخذ البيعة منه لمعرفته بمقام وموقع الإمام الحسين عليه السلام من الإسلام وحركته في المجتمع الإسلامي، بينما يعلن  الإمام الحسين عليه السلام صراحة : بإن «مثلي لا يبايع مثله..» وفي هذا الكلام فرز واضح بين منهجين وطريقين: احدهما يبحث عن السيطرة والتملّك، والآخر نحو أحياء القيم الربانية وإقامة موازين الحق والعدالة، وقد تجسد النهج الآخر في الامام الحسين عليه السلام، عندما وضع في حساباته كل أشكال التضحية، حتى يموت عزيزاً. وكان عليه السلام كثيرا ما كان يردد البيت من الشعر لأحد أنصار النبي في إحدى غزواته:

فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم               

كفى بك ذُلاً أن تعيش وترغما

 

قتيل العَبرة

ثم أن هذه التضحية لها عمق آخر في السماء.. ذلك أن مملكة الله لا تقتصر على الأرض فحسب فهي في السماء أكبر وأعظم.

وربنا تعالى يريد أن يثبت لملائكته الذين أمرهم بالسجود لآدم سر ذلك السجود ويريهم عظمة أهل البيت عليهم السلام، وسبب قربهم إلى الله تعالى.

وفي هذا يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: «إن الحسين في السماء أعظم منه في الأرض»، لأن الملائكة يعرفون عمق الإخلاص الحسيني وعظمة التضحية الحسينية. ولذلك بكت جميع الخلائق على مقتله، فالسماء بكت له دماً عبيطاً، والأرض رجفت وتزلزلت وجميع الملائكة، وحتى حيتان البحار وطيور السماء ومن يتقلب في الجنة والنار.

ومن هنا نعرف قيمة البكاء على الإمام الحسين عليه السلام، ولماذا صار عَبرة كل مؤمن ومؤمنة، كما قال هو بنفسه: «أنا قتيل العبرة ما ذُكرت عند مؤمن إلا وبكى».. لأنه كان يجسد القيم العادلة التي يتطلع كل أنسان حر شريف لتحقيقها والعيش في ظل نعيمها.. فالبكاء هنا ليس على مجرد إنسان عادي قضى نحبه في معركة عادية لكسب بعض المغانم الدنيوية. وإنما كانت بين كل قيم الخير والحق وبين قيم الباطل والفساد.

ولهذا صارت الشعائر الحسينية مقدسة، ومحاربة من قبل الطغاة والجبارين في الأرض، لأن الإمام الحسين عليه السلام هو راية الإيمان والدعوة إلى الله.. ومن الطبيعي أن الذين يقودون مسيرة الظلم والطغيان لابد أن يحاربوا الإمام الحسين عليه السلام في جميع الصور، وهذا لا يستهدف الإمام كشخص وإنما المسيرة والغاية.

 

شعائر عاشوراء حماية لمقدسات الأمة

إن الذي يعظم مسيرة ومنهج الإمام الحسين عليه السلام ويقيم شعائره هو تعزيز لما يمثله خط هذا الإمام ومنهجه الرباني من قيم ربانية ومبادىء سماوية.

والطغاة يفهمون جيداً ماذا تعني إقامة الشعائر الحسينية.. ولذلك تراهم يبذلون الجهد لتحجيم إقامة هذه الشعائر، إلا أن علماءنا الأبرار يوجهون الأمة ويحضونها على ضرورة وأهمية إقامة الشعائر الحسينية والمحافظة عليها على مدى الدهر والزمن، ولسبب بسيط وهو أنها السر في ديمومة العطاء والمحافظة على تألق قيم الخير والفضيلة التي جاء بها الإسلام العزيز وهي التي حافظت على التواصل منذ تاريخ الواقعة وحتى يومنا هذا.. بينما يستلم الراية جيل بعد آخر.. وستظل كذلك حتى يوم يبعثون.

إن شعائر عاشوراء  تشكل سوراً، إذا تهدم لا يبقى شيئا أمام زحف العدو على كل مقدسات الأمة، فكل شيء يصبح معرضا للنهب والسلب، فإذا لم نعظم ما قام به الإمام الحسين عليه السلام وهو الإسلام المجسد بكل ما فيه من قيم إنسانية وفضائل، تُرى أية قيمة يمكن أن تقدس وتحترم..؟ وأي قيمة أخلاقية أخرى قد تكون محترمة..؟

من يتمسك بالإمام الحسين عليه السلام، إنما يتمسك بحبل متين من القيم والمبادىء والمثل والأخلاقيات ، ولايمكن بحال من الأحوال أن يجند نفسه في خدمة الطاغوت او أن يندمج في أي من مؤسساته وهيئاته، خاصة في المواقع التي تشكل مصدر خطر على القيم الخيرة والعادلة.

-------------

* كاتب من البحرين


ارسل لصديق