ثقافة الرسالة لا ثقافة السلطة
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2014/02/05
القراءات: 908

الهدف الأول والأسمى من بعث رسالات الله، هو هداية الإنسان وإخراجه من ظلمات الجهل والهوى إلى نور العلم والتقوى. وبالرغم من وجود هدف آخر لها يتمثل في تحكيم سلطان الله في الأرض، وهو الذي أشار إليه ربنا سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} (سورة النساء /64).

إلا ان هذا الهدف يأتي في الدرجة الثانية، سواءً من ناحية الأهمية أو الزمنية، ذلك لأن الهدف الأول والأسمى والأعظم هو هداية الإنسان وتهيئته للدخول في جنات عدن، وبتحقيق هذا الهدف تتحقق سائر الأهداف والغايات، وبعد ان يهتدي الناس إلى رسالات الله ويخرجون من زنزانات الهوى والجهل إلى نور العلم، تبدأ المساعي لإقامة حكم الله في الأرض.

وحسب هذا الترتيب المتقدم ينبغي دراسة رسالات الله جميعاً وتاريخ رسالة نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، بصورة خاصة، حتى نستطيع عبر هذا المنهج معرفة هدف الرسول الأكرم والأئمة المعصومين. الذين ركزوا في حياتهم على جانبين:

1ـ هداية الناس.

2ـ تحقيق حكم الله تعالى، - تولي أمر الدولة والحكم-.

 

* البناء الذاتي والاجتماعي

وبمراجعة سريعة لسيرة الرسول الأكرم والأئمة المعصومين، نكتشف الأولوية والأهمية التي كانوا يولونها  للهداية والتغيير والإصلاح، قبل الوصول الى الحكم والسلطة، وكانت هذه الأولوية جلية في قبول الرسول الأكرم، دخول أبي سفيان والمنافقين وسائر أقطاب المعارضة في الإسلام ظاهراً، مع توجيههم بشتى الوسائل الممكنة كتأليف قلوبهم عبر العطاءات السخية والخلق العظيم الذي يتمتع به الرسول الأكرم، ليدخلوا في الإسلام ويكيفوا أنفسهم مع الحضارة الإسلامية الجديدة.

ان تغيير مجتمع جاهلي موغل في الظلم والفحشاء والمنكر، وبعيد عن قيم السماء، لا يمكن عبر مرحلة بسيطة من الزمن.

فهل من المعقول أن يتغير المجتمع الجاهلي من أقصاه إلى أقصاه منذ نزول «سورة المائدة»، إلى حين وفاة رسول الله، ويهجر الجاهلية بكل أصنافها ليلتحق بنور الإسلام الوضاء؟ لذا فان من أكبر الأخطاء التي وقع فيها بعض المؤرخين هو القول بعصمة كل من التحق بالرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله. والحقيقة أن أولئك المؤرخين أنفسهم لا يعتقدون بعصمة الرسول، فيلحقون الأصحاب بالعصمة ويبررون كل ما جرى بعد رسول الله من خلافات وصراعات وحروب طاحنة بمسألة اجتهاد الصحابة ويؤمنون بأن الثواب من الله عزوجل لكل من اجتهد سواء أخطأ أم أصاب!

إن هذا غير معقول. لأن الله سبحانه وتعالى جعل رسالاته جارية على سننه، ومن أهم هذه السنن اختيار الإنسان وحريته في انتخاب طريقه في الحياة.

لقد قبل الرسول الأكرم إسلام بني أمية وأقطاب المعارضة من قريش وأغدق عليهم الأموال لكي يحصل ـ بدءاً ـ على الشروط الموضوعية التي تمهد لنشر رسالات الله، وحتى تخضع كافة القوى السياسية الحاكمة في الجزيرة العربية بصورة مؤقتة، ولكي لا تقف هذه القوى حجر عثرة أمام انتشار نور الإسلام وهداية البشر. ثم ترك باقي هذه المسؤولية على كاهل أهل البيت، عليهم السلام، عبر التأكيد على دورهم، في أحاديث جمة فهم سفن النجاة والقرآن الناطق.

وفي طليعة هذه الأحاديث، «حديث الغدير» الذي يُعد اطاراً عاماً لكل الأحاديث حيث قال الرسول الأكرم: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

مما يدل على ان مسؤولية سائر الأئمة المعصومين هي ترسيخ دعائم الإسلام في المجتمع، وبعد ان كانت مسؤولية الرسول الاكرم نشر الإسلام وترسيخ قواعده وإقامة حكم الله ولو ظاهراً، تبدأ مسيرة التربية والتعليم والتزكية المستمرة على كاهل الأئمة المعصومين، عبر محاربة النفاق ومقارعة الشجرة الملعونة في القرآن «بني أمية» ومواجهة الشبكة المترامية الاطراف المتجذرة في أرض الجزيرة العربية التي كونتها القوى المختلفة كبني أمية ومن يتحالف معها، والتي كونت مع بعضها نظام مصالح في المجتمع الجاهلي ومحاربة سائر هذه الجذور العفنة لاقتلاعها من أرض الجزيرة العربية.

واجه أئمة آل بيت رسول الله، كل هذه الانشدادات الجاهلية بأدوار مختلفة، وقد نجحوا في ذلك لاكمال رسالة الله، حيث لم يكن عبثا ان تنزل آية إكمال الدين بعد غدير خم، انما جاءت تأكيداً لهذه الفكرة حيث قال عزوجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (سورة المائدة/ 3).

ان من يعتقد بفشل حكم الإمام علي بعدما أقام حكما دام خمس سنوات، عليه ان يتذكر ان الإمام علياً كان يؤدي دوراً رسالياً هاماً في المجتمع الاسلامي، وهو الاستمرارية في رسالات الله الى البشر، حيث جاءت رسالة الإسلام مهيمنة ومكملة لسائر رسالات الله في الأرض، وهي أزالة الحجب عن فكر الانسان، وإضاءة نور الوعي والعلم والمعرفة في حياته، ليكون حراً، مسؤولاً، وانساناً ناجحاً. كما ان عليه ان يتذكر الروايات المستفيضة التي وردت في فضائل الإمام، عليه السلام،  وحاشا لله وحاشا لرسوله ان يورد كل هذه الفضائل عبثا.

والمسألة الرئيسية التي ينبغي ان نأخذها بعين الاعتبار، ان دور الامام علي لم يكن دائما الجلوس على كرسي الحكم، لأن الدور الذي يؤديه مبلغ رسالة، يختلف عن دور الحاكم، والدور الأول والأهم لكل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين هو تبليغ رسالات الله، وعدم الخلط بين أنفسهم وبين رسالات الله، بالرغم من أنهم جسدوا رسالات الله، ولكن حين وجد الإمام علي مصلحة الرسالات الإلهية والأمة الاسلامية في تنحّيه عن الحكم فعل ذلك، ولو انه لم يفعل ذلك وتشبث بالكرسي وحمل الناس على طاعته بالسيف بعد رسول الله عبر المطالبة بالحكم بصورة عنيفة وحادة، لتوصل الناس الى قناعة مفادها ان الامام علي بن أبي طالب حاكم وسلطان، ليس على سواد الأمة بل حتى على أصحاب رسول الله.

ولإزالة هذه الشبهة، رأى الإمام علي ان يتنحى عن الحكم، لان الامة لمّا تنضج. وهو يستطيع تأدية الدور الرسالي الأساس خارج الحكم. ثم بقي الإمام على هذه الحالة إلى ان تكاثف طلب الجماهير إلى نمط الحكم الذي يؤمن به الإمام. وقد جاء الطلب من أصحاب رسول الله، ومن الذين كانوا يرون في أنفسهم أندادا للإمام بل أحق منه بالخلافة.. ومع ذلك حين عصفت رياح الفتن بالمسلمين وقتل الخليفة الثالث، وكادت سفينة الأمة تغرق في بحر الفتن، وجد جُل أصحاب رسول الله، أن ربان هذه السفينة وقائد الركب يتجلّى في الإمام علي، عليه السلام، ولهذا تجد أكثر من (2000) شخصٍ من أصحاب رسول الله، ينضوون تحت لواء أخضر في صفين، ويدافعون عن الإمام علي، وعن رسالات الله ضد بني أمية، وكان بينهم (79) صحابياً ممـــــن اشتركوا في معركة بدر، و(700) شخصٍ اشتركوا في بيعة الشجرة والذين رضي الله عنهم، اكثر أصحاب الرسول الأكرم، دافعوا عن الإمام علي، حين أحسوا بأن الشجرة الملعونة في القرآن والتي قاومت الرسالة منذ أول يوم بعثت لتقاوم الرسالة من جديد، ليس دفاعا عن شخص الإمام، إنما عن حرمة الإسلام، وانبروا في الدفاع بكل قوة حين عرفوا بأن الإمام لا يعمل لطلب الحكم.

 

* ثمن التغيير والإصلاح

نفس المسيرة التي مضى فيها الإمام علي، يواكبها الإمام الحسن، عليهما السلام، حيث نراه يهادن ـ إن صح التعبير ـ معاوية، مع الشروط المذكورة في التاريخ، منها إعادة الحكم مستقبلاً إلى الخلفاء الشرعيين، مع علم الامام، بخيانة معاوية، وعدم التزامه بالشروط والمواثيق، ولكنه يريد إيصال الرسالة الى المسلمين إلى ان جهازاً، كجهاز معاوية لا يمكن ان يحكم باسم الإسلام.. ولو كان الإمام الحسن يحارب معاوية لاشتبه عليهم بأن الإمام طالب سلطان كما معاوية، وبتعبير آخر يحارب لأجل الشخص لا لأجل الرسالة. لأن الحكم ليس إلا وسيلة لتحقيق هدف اسمى.

والإمام الحسين يبقى في مكة المكرمة عدة أشهر، ولا يتوجه إلى العراق حتى تصله (12000) رسالة بعضها تحمل توقيع وجوه بارزة في المجتمع، والمثير أن هذه الوجوه تحولت الى وجوه عسكرية في مقدمة جيش ابن سعد لقتال الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء. لذا كان انتظار الإمام، فترة من الزمن قبل الانطلاق الى العراق، حتى نضوج فكرة الدفاع عن رسالة الإسلام، رغم علمه بأن مصيره هو الشهادة. وقد صرح بذلك في أول حديث له في مكة المكرمة حين قال: «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء».

ذهب الحسين إلى العراق، لأنه صاحب رسالة، وهذه الرسالة التي يكمل بها رسالة جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، لن تتحقق الا بإراقة دمه وشهادة إخوته وأبنائه وأولاد أخيه وخيرة أصحابه وممن بقي من أصحاب رسول الله، إضافة إلى سبي نسائه.

وهنا تكمن نقطة الاختلاف بين الحركة الرسالية والحركة السياسية، فمن غير المعقول ان يضع صاحب البرنامج السياسي أو الخطة الاستراتيجية، على أساس الموت (الشهادة). بينما نجد صاحب الرسالة يمشي إلى الموت بخطى ثابتة ويضع الشهادة غاية مسيرته. وهكذا كان الإمام مصباحاً للهدى وسفينة للنجاة. ومن هنا أيضا بقيت هناك مهمة علينا نحن المسلمين وهي تخليد ذكرى أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، لأنه صاحب رسالة وليس صاحب طموح سياسي، وهو ثائر استشهد في كربلاء، وتحول إلى مسيرة رسالية.

لقد أوجدت واقعة كربلاء منعطفاً خطيراً في مسيرة العمل برسالة الإسلام، ومن هذا الموقف نستشف المفارقة الهامة بين صاحب الرسالة الذي يتنازل عن كرسي الحكم ويهادن من يعارضه ويعرض نفسه للشهادة مضحياً بها في سبيل بقاء الرسالة ـ المحور ـ وبين السلطان، كما ان هذا هو الفارق الرئيسي بين الحركات الاسلامية - الرسالية، وبين الحركات السياسية غير الدينية. فصاحب الحركة الإسلامية، يفترض أن يكون الوريث الشرعي لخلافة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، يبحث دوماً عن الرسالة، ويدور معها حيثما دارت. ولا يفكر في المناصب لنفسه أبدا. ولهذا تجد ان أبناء الحركة الاسلامية يرفضون التحزب. هم قد يعملون في أحزاب أو تنظيمات إسلامية، لكنهم يرفضون التحزب على حساب قيمهم ودينهم ورسالتهم، ولا يكونون كما قال عنهم الله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، (سورة الروم /32)، بل يكونون كما قال عنهم تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(سورة الروم /31).

أي ان المحور هو العودة إلى الله، فكلما أبعدتهم الاهواء عن محور التوحيد جذبتهم المعرفة إليه مرة أخرى.. فيعودون إليه وينطلقون منه.


ارسل لصديق