وديعة الإمام المهدي - عجل الله فرجه- لدى أحبته وأنصاره
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2014/02/06
القراءات: 1710

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} (سورة الانبياء/ 105 - 106).

قيام الإمام المهدي، عجل الله فرجه الشريف، وتحريره للبشرية من الظلم والاضطهاد وإقامته لحكومة العدل والحرية والتقدم، هو مما أتفق عليه المسلمون بعد أن أكدت عليه آيات قرآنية عديدة وأحاديث نبوية شريفة معروفة ومشهورة. بل إن معظم أصحاب الديانات الأخرى يؤمنون بقدوم المخلّص الذي يأتي في آخر الزمان لينصر الحق على الباطل نصراً عالمياً عظيماً.

 

* الجانب العالمي لمشروع التغيير المهدوي

قيام الإمام المهدي ليس مشروعاً تغييراً إصلاحياً فحسب، بل هو خلاصة المشروع الإلهي الحضاري الأعظم في الحياة البشرية طوال مسارها التاريخي الطويل. وهو مشروع الإصلاح الشامل والسليم للوضع العالمي بأكمله ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ونفسياً وسياسياً. وهو تحرير تام وكامل للبشرية من ضغط وظلم الطغاة والقوى الدولية المتجبرة، ومن ظلم وتأثير الثقافات المادية والعلمانية والسفسطائية والفلسفية العبثية وكل الأطروحات البشرية الخاطئة في جميع الأبعاد الحياتية. وهذا التغيير العالمي العظيم الذي سيقوده الإمام المهدي لن يكون بقوة السلاح إلا في مجال إزالة حكم الطغاة الظالمين المعاندين، بل التغيير الشامل إنما هو بقوة المنطق والعلم وبوعي وتفاعل جماهيري عالمي لن يُرى مثله من قبل في تاريخ البشرية. أنه التحول الأكبر الى عهد حكومة العدالة العالمية الشاملة لكل بقاع العالم، ضمن استرتيجية كبرى يقودها الإمام المهدي، عليه السلام، عنوانها: «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ان ملئت ظلماً وجورا». مع ملاحظة أن مصطلح «يملأ» الذي جاء في الحديث الشريف، يشمل كافة المواقع في الأرض مكانياً وزمنياً وإدارياً ولكل شرائح المجتمع في مختلف الجوانب والمحيطات. فالعدل سيشمل المحيط الأسري والمجتمعي والبيئي والطبيعي، وسيكون السمة بارزة والحقيقة المطبقة الواضحة المعالم، في كل موقع و مكان و زمان، جغرافياً أو إدارياً.

 

* دعاء الندبة وديعة الإمام

يُعد دعاء «الندبة» الشريف، من الأدعية الهامة في زمن غياب الإمام المهدي، عليه السلام، كونه يحمل خارطة العلاقة مع الإمام الغائب، وما يتطلب أن يوفره المنتظرون الصادقون في أنفسهم وفي الواقع الخارجي. وتكمن أهمية هذا الدعاء أنه صادر من الإمام المهدي نفسه، عجل الله فرجه الشريف، وإن أشارت بعض الأحاديث الى صدوره أيضاً من الإمام الصادق، عليه السلام، وهذا لا يضير بل يؤكد ذات الأهمية. ويتضمن الدعاء تعريفاً واسعاً بالإمام المهدي ودوره القادم.

وقد جاء استحباب قراءة هذا الدعاء في الأعياد الإسلامية الأربعة: (عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الغدير، ويوم الجمعة)، ونلاحظ أن التركيز على قراءته هو في أيام الأفراح من جهة، وبمعدل أسبوعي في يوم الجمعة الذي تذكر الروايات أنه اليوم الذي سيعلن الإمام قيام نهضته الكبرى فيه. ولعل هذا الإهتمام بقراءته إنما هو للأهداف التالية:

١- فهم شخصية الإمام، عجل الهل فرجه الشريف، وأنه وراث الأنبياء والأولياء الصالحين، وهو مشروع التغيير الإلهي العظيم القادم لإنقاذ البشر، والمتمثل في نهضته المباركة القادمة. حيث يستعرض الدعاء، مسيرة الأنبياء من آدم، عليه السلام، وإنتهاءً بالمصطفى محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، وتسليم مقاليد الولاية والخلافة من بعده الى الإمام علي أمير المؤمنين، عليه السلام، وموقعية هذا الإمام العظيم، ثم ينطلق الدعاء بإيضاح إمتداد الإمام المهدي ووراثته لكل من سبقه من آل محمد، صلوات الله وسلامه عليهم، بل إنه عين الدين وعنوانه الكامل.

٢- إبداء مخزون العاطفة والتأثر بمصائب أهل البيت المؤلمة وتحويلها الى شعائر جماهيرية إعلامية واسعة تحمل رسالة للعالم عن عظيم مصائبهم وحقيقة مكانتهم العليا، وأهداف حركتهم الماضية والحاضرة والمستقبلية. وهنا يستعرض الدعاء بعضاً مما حلّ بأهل البيت عليهم السلام، وما يجب على الأمة أن تعمله لإحياء مصائبهم على نطاق واسع.

٣- تركيز وتعميق الرابطة القلبية، (الحب والعشق للإمام ولقدومه) والرابطة التنظيمية والسلوكية بين الإمام وشيعته.

 

* البحث عن الإمام والتأثر لحاله

من ضمن مقاطع هذا الدعاء المؤثر والضروري في زمن الغيبة، هو هذا المقطع القادم، والذي يهدف الى خلق علاقة تفاعل وإرتباط مقدس ومرهف بالإمام المهدي عليه السلام:

«لَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوَى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرَى، أَبِرَضْوَى أَمْ غَيْرِهَا أَمْ ذِي طُوًى. عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرَى الْخَلْقَ وَ لَا تُرَى، وَلَا أَسْمَعَ لَكَ حَسِيساً وَلَا نَجْوَى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ الْبَلْوَى، وَ لَا يَنَالَكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلَا شَكْوَى».

وفي الدعاء، هنالك المقام الرفيع للإمام وافتداؤه بالنفس:

«بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنَّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نَازِحٍ مَا نَزَحَ عَنَّا، بِنَفْسِي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شَائِقٍ يَتَمَنَّى مِنْ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ ذَكَرَا فَحَنَّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ عَقِيدِ عِزٍّ لَا يُسَامَى، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ أَثِيلِ مَجْدٍ لَا يُجَازَى، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ تِلَادِ نِعَمٍ لَا تُضَاهَى، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نَصِيفِ شَرَفٍ لَا يُسَاوَى».

 

* عشق الإمام

«إِلَى مَتَى أَحَارُ فِيكَ يَا مَوْلَايَ، وَ إِلَى مَتَى وَ أَيَّ خِطَابٍ أَصِفُ فِيكَ وَ أَيَّ نَجْوَى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أُجَابَ دُونَكَ وَ أُنَاغَى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَبْكِيَكَ وَ يَخْذُلَكَ الْوَرَى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكَ دُونَهُمْ مَا جَرَى..».

 

* تصور لحظات اللقاء بالإمام:

«مَتَى نَرِدُ مَنَاهِلَكَ الرَّوِيَّةَ فَنَرْوَى، مَتَى نَنْتَفِعُ‏ مِنْ عَذْبِ مَائِكَ فَقَدْ طَالَ الصَّدَى، مَتَى نُغَادِيكَ وَ نُرَاوِحُكَ فَنُقِرَّ مِنْهَا عَيْناً، مَتَى تَرَانَا وَ نَرَاكَ وَقَدْ نَشَرْتَ لِوَاءَ النَّصْرِ تُرَى، أَتَرَانَا نَحُفُّ بِكَ وَ أَنْتَ تَؤُمُّ الْمَلَأَ وَ قَدْ مَلَأْتَ الْأَرْضَ عَدْلًا، وَأَذَقْتَ أَعْدَاءَكَ هَوَاناً وَ عِقَاباً، وَأَبَرْتَ الْعُتَاةَ وَجَحَدَةَ الْحَقِّ، وَقَطَعْتَ دَابِرَ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَاجْتَثَثْتَ أُصُولَ الظَّالِمِينَ، وَ نَحْنُ نَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»

 

* بعض واجباتنا تجاه الإمام المهدي

جاء في هذا الدعاء المبارك، ما يدل على برنامج عمل، وهو ما أشارت له هذه الفقرة من الدعاء:

«وَصِلِ اللَّهُمَّ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ وُصْلَةً تُؤَدِّي إِلَى مُرَافَقَةِ سَلَفِهِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَأْخُذُ بِحُجْزَتِهِمْ، وَيَمْكُثُ فِي ظِلِّهِمْ، وَأَعِنَّا عَلَى تَأْدِيَةِ حُقُوقِهِ إِلَيْهِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ، وَالِاجْتِنَابِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ».

هذه الفقرة الهامة من الدعاء تدعو الى الارتباط بالإمام المهدي عبر الإرتباط بسلفه. وسلف الإمام المهدي، إما أن يكونوا هم الأئمة الأطهار الذين سبقوه من وقت صدور هذا الدعاء الشريف، من الإمام الصادق على رواية، وذا أمر مؤكد ومسلّمٌ به، بضرورة الإرتباط بأئمة أهل البيت، عليهم السلام، وإما أن يكون سلف المهدي في عصر الغيبة، وهم العلماء المخلصين والعاملين وفق منهج الإمام المهدي، في تغيير وإصلاح الأمة، كونهم سلفه المُمهدين له من حيث الإعداد لقيامه المقدس والعظيم.

إلا أن الأهم بعد اليقين بقدومه المبارك بإذن الله، هو ما أعددنا لقدومه، وأين موقعنا من هذا القدوم، هل هو العلم والاستبشار، أم هو كذلك بالإضافة الى العمل الجاد والمخلص في أنفسنا وعلى أرض الواقع. وفي الحديث الشريف: «خير أعمال أمتي انتظار الفرج». والحديث هنا يتحدث عن خير الأعمال، مما يدل على أن المقصود هو الانتظار الإيجابي بالعمل وليس فقط بالقلب والتمنيات. لذا نجد هنالك عدة واجبات أزاء إمامنا الغائب - عجل الله فرجه-:

1- المداومة على قراءة هذا الدعاء، بالخصوص صبيحة كل جمعة بشكل جمعي أو بحضور عائلي أو في حضور عدة عوائل مع بعض. مع قراءة زيارة «آل ياسين» ليلة الجمعة.

2- الارتقاء الى مستوى الارتباط بهذا الدعاء الهام، فالأولوية هي في المواظبة على قراءته كل جمعة، ثم محاولة فهم مضامين ومعاني الدعاء بشكل عام، وهنا نوصي بقراءة كتاب «تأملات في آيات الظهور- دعاء الندبة» لسماحة الشيخ فوزي آل سيف. وفي المقام الثالث؛ التفاعل الحقيقي مع الدعاء تأثراً وبكاءً، والمقام الأرفع والأهم هو العمل بمضامين ما جاء في هذا الدعاء الشريف.

3- تربية أنفسنا على الأخلاق الفاضلة وتقوى الله والورع عن محارمه، فقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله الصادق، عليه السلام: «من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظِر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظِر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة».

4- الإعداد البدني والفني على فنون ومعارف القتال، فعن أبي بصير كما جاء في «غيبة النعماني»، قال أبو عبد الله، عليه السلام: «ليُعدَّن أحدُكم لخروج القائم ولو سهماً، فإنّ الله إذا علم ذلك من نيّته رجوت لأن ينسئ في عمره حتّى يدركه، ويكون من أعوانه وأنصاره».

5- إطاعة الله في كل شيء، فهذا ما يريده منا المهدي، عجل الله فرجه الشريف، فعن الإمام الصادق، عليه السلام، قال: «يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون». وفي دعاء الندبة: «اللهم... وأَعِنَّا عَلَى تَأْدِيَةِ حُقُوقِهِ إِلَيْهِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ، وَالِاجْتِنَابِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَامْنُنْ عَلَيْنَا بِرِضَاهُ، وَهَبْ لَنَا رَأْفَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَدُعَاءَهُ وَخَيْرَهُ».


ارسل لصديق