في الأيام الفاطمية .. نبحث عن نموذج الحياة
كتبه: زهراء محمد علي
حرر في: 2014/03/20
القراءات: 1116

عندما يطلّ علينا شهرا جمادى الاولى وجمادى الثانية، بما يحمل من ذكريات أليمة تخصّ الصديقة الطاهرة، فاطمة الزهراء، عليها السلام، تهيج مشاعر الحزن من جديد على ما جرى في ذلك اليوم التاريخي الرهيب، من انحراف واضطهاد واستلاب. بمعنى أننا كل عام أمام ذكرى الآهات والنيران والدماء ثم الموت بهدوء. وهذا ليس عن الحقيقة ببعيد، وهي تشكل جانباً من القضية التي من الجدير إحياؤها باشكال وطرق عديدة. بيد أن «الحياة» تمثل الحقيقة الاخرى التي تحملها «أيام الفاطمية». والحياة ليس فقط لافراد المجتمع، في ان يكتسبوا الدروس والعبر لما يفيدهم لدنياهم وآخرتهم، إنما للعقيدة والفكر. ولعل أبلغ تعبير عن دور الزهراء، عليها السلام، في هذا المجال، ما جاء على لسان الفقيه الراحل آية الله السيد محمد رضا الشيرازي - قدس سره - عندما قال: «لذا يمكن القول: «أنه لولا فاطمة الزهراء، صلوات الله عليها، لما كان بقي للاسلام من أثر، ولكان قد تحوّل الى ديانة، مثل اليهودية والمسيحية، مقتصرة على الطقوس الفارغة غير المرتبطة بالحياة؛ والحقيقة تقال: إن فاطمة الزهراء، صلوات الله عليها، لها حق الحياة على الإسلام، ولها حق الحياة على التشيّع، ولها حق الحياة علينا جميعاً».

 

 * مشكلة الصورة النمطية

مرّت على الأمة ثلاثة أدوار من الإنحراف في نظام الحكم، الدور الأول: تَمثّل في نظام الحكم الذي أعقب وفاة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، والدور الثاني، تمثّل في الدولة الأموية، والدور الثالث: تمثّل في الدولة العباسية. خلال تلك الفترة، شهدت الامة مظاهر فظيعة من الانحراف عن الدين والقيم والمبادئ التي جاهد وضحى من أجلها النبي الأكرم وأهل بيته، صلوات الله عليهم، ومعهم الأخيار من الاصحاب والتابعين. فكان الكذب على النبي بوضع الاحاديث واختلاقها من قبل علماء السوء والمحدثين المأجورين، وكان الاستئثار بأموال المسلمين والمحاباة والتمييز من قبل الحكام والولاة، وكان القمع والاضطهاد والتنكيل بوحشية لكل معارض أو ثائر بوجه الظلم والطغيان. كل ذلك كان يتم تحت إمرة من يسمى بـ «الخليفة»، وفي ظل «الدولة الاسلامية»، وبما أن الناس، بطبعهم يعتمدون على النتائج في بناء قناعاتهم، ولا يبحثون عن حيثيات القضية، وما اذا كان هؤلاء يمثلون الاسلام حقاً أم لا..؟ فقد أعطت الأدوار الثلاثة إنطباعاً بشعاً عن الإسلام، لدى المسلمين خاصةً والعالم بشكل عام، مع إن هنالك مفكرين منصفين لاحظوا الإسلام من خلال ذاته، فمن كان أولئك الحكّام الذين حكموا في الأدوار الثلاثة ؟ إذا أردنا أنْ نُمَثِّل كُلَّ واحدٍ منهم، لكان «صداماً» في زماننا المعاصر، أو يشبهه في موقعه، مثل الحجاج، فهل يوجد من يرضى بالرضوخ لحكم «صدام» الذي ساد بالحديد والنار..؟ من هنا حرص الحكام الأمويون والعباسيون على إضفاء صفة «الخليفة» على ذواتهم، وأن تكون حكوماتهم تحمل اسم «الخلافة» لكسب المزيد من الشرعية والمقبولية لدى عامة الناس.

ومانزال نواجه هذه الوصمة بسبب سياسات حكام يمثلون امتداداً لتلك الأدوار الانحرافية، وهذا ما سهّل الأمر على أعداء الأمة المتربصين الدوائر، حيث صاروا ينشرون الصورة النمطية للإسلام الذي يدعو الى العنف والإرهاب والدمار والكبت، وكل ما يدعو الى التخلف والحرمان وتلموت.

 

* الزهراء .. المقياس

كان لثلاثة معصومين من الأربعة عشر، صلوات الله عليهم، دورٌ في فضح وإدانة الأنظمة السياسية التي أشرنا اليها آنفاً، علماً ان كل المعصومين كان لهم دورٌ في هذا المجال، بأقوالهم ومواقفهم.

فقد فضح الإمام الحسين، صلوات الله عليه، الحكومة الأموية، بتضحيته المدوية، وما اعقب ذلك من انهيارها وسقوطها، فيما كان للامام الكاظم، صلوات الله عليه، دور متميز في فضح الحكومة العباسية بمظلوميته وسجنه، لكن الدور الأخطر والأهم كان ضد حكومة الدور الأول، فهذا الدور هو الذي مهّد للأدوار التالية في تاريخ الاسلام. فالانحراف الأول عن طريق الرسالة المحمدية، هو الذي أعطى المشروعية لجميع الجرائم التي ارتكبها الأمويون والعباسيون والعثمانيون، ومن اقتفى أثرهم.

لكن من قام بفضح حكومة الدور الأول؟

إنه ليس سوى الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء، صلوات الله عليها، وذلك بموقفها وبمظلوميتها وبشهادتها؛ هنا يكون الموقف الحاسم والتاريخي، لأنه يشكل العقدة الأساسية التي إن لم نحلّها لن نتمكن من دعوة العالم إلى الدين الاسلامي، والعقدة هي إن تلك الحكومات لم تكن لتمثل هذا الدين، فقد فصلت الصديقة الكبرى بين الإسلام وبين هؤلاء، وقالت للعالم: ان هؤلاء لا يمثّلون الإسلام، ولا يمثّلون النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وجاء ذلك من خلال «الخطبة الفدكية»، وهي خطبة غايةً في الأهمية، وكانت عاملاً لاستبصار أحد الأشخاص بعد سماعه لهذه الخطبة من أحد الخطباء.

 

* الزهراء .. قدوة للرجل والمرأة

يقوم الغرب حالياً بصناعة الرموز في مختلف الأبعاد، ففي الغرب ثمة رموز إجتماعية و فكرية، لكنها مصنوعة ومقصودة، وليست قضية طبيعية، كما يصنعون الرموز السياسية، وهذا بحثٌ طويل لا مجال لنا في خوضه، ومن أخطر الميادين التي دخلها الغرب وصناعته للرمزية، هو ميدان المرأة، فقد صنع رمزاً للمرأة في العالم، ويحصل ذلك في ظل «العولمة» السائدة اليوم، إذ لم يعد ممكناً إخفاء شيء، كما كان في سابق الأيام، واذا ما أراد الناس التعرف على شيء يذهبون الى الغرب بأنفسهم، أما اليوم فان الغرب هو الذي جاء الى بيوتنا، وهو موجود في كل بيت شئنا أم أبينا؛ هذه الرموز المصنوعة للمرأة تتمتع بجاذبية وإغراء للمرأة، فان إمكانية قيادة المرأة لطائرة شيءٌ مُغرٍ، كذلك الحال أن تكون نائبة في البرلمان، أو تكون رئيسة جمهورية، أو رئيسة وزراء - كما هو في بعض البلدان- فهذا إغراء كبير.

لكننا نعتقد أن الغرب فشل في تحقيق هدفه ومراميه من وراء دفع المرأة الى ميدان العمل، فهو دفعها الى قمة المادية دون النظر الى حجم الثمن الباهظ الذي يتعين على المرأة أن تدفعه، وهذه النقطة المهمة أشار اليها سماحة الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي - قدس سره- حيث كان يقول: «علينا دائماً ان نبحث عن الثمن الذي يجب ان ندفعه...». إن الثمن الذي دفعته المرأة في الغرب هو الدمار والتفكك الأسري، فالعائلة الغربية محطّمة، والعلاقة بين الرجل وزوجته مفككة، فيحصل أن تموت المرأة وحيدةً في بيتها دون أن يشعر بها أحد، وبعد ثلاثة أو اربعة أعوام يكتشفون أنها ميتة، لذا يجب القول: ان وضع المرأة عندنا أفضل بكثير مما هو سائد في الغرب، وكذلك النسيج العائلي، حيث يسود بيننا التقارب والتلاحم والتزاور، وهي أمور غير مفهومة في الغرب.

من هنا، فان أفضل نموذج للمرأة في كل العالم، هو الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء، صلوات الله عليها، وهو نموذج خافٍ عن الكثير في العالم اليوم، فهنالك إمرأة يابانية قرأت حياة فاطمة، صلوات الله عليها، فأعلنت إسلامها، بعد أن تأثرت بسيرة الصديقة الكبرى، و قالت: «هذا هو النموذج الذي كنتُ أبحث عنه..» فالمرأة في الغرب وفي كل أرجاء العالم وحتى المرأة المسلمة بحاجة إلى هذا النموذج المتكامل والراقي.. ونحن بحاجة الى هذا النموذج لبيوتنا ولعوائلنا، فالإمام أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، يقول: «..فو الله ما أغضبتها وما أغضبتني»، وجاء في وصيتها، صلوات الله عليها: «يا ابن عم ما وجدتني كاذبة، ولا كذبة واحدة..»، ولعل هذا يُعد درساً لنا ولزوجاتنا، وفي مقطعٍ آخر: «..ولا خالفتك منذ عاشرتني..» ولَكَمْ تحتاجُ عوائلُنا الى هذا النموذج..؟

ومن الصور النموذجية لحياة الصديقة الكبرى، صلوات الله عليها، أن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، قال لها: لا تطلبي من عليٍّ شيئاً، و في يوم من الأيام دخل أمير المؤمنين الدار وقال: هل في البيت شيء؟ قالت: منذ ثلاثة أيام وليس في البيت شيء، فقال أمير المؤمنين: لماذا لم تخبريني..؟! قالت: لأن أبي نهاني عن ذلك..

نحن بحاجة الى هكذا نموذج لإمرأة تتعامل مع زوجها، و تربّي مثل زينب وأم كلثوم (صلوات الله عليهما)، بل نحتاجها نموذجاً في حياتها العائلية، وفي حياتها مع زوجها، وفي تعاملها مع أبنائها، كما نحتاج الى فاطمة العالمة، والمجاهدة، بغض النظر عن الإمامة، حيث ان المعصومين كانوا مجاهدين ضد الطغاة وضد الحكومات المستبّدة، بل كانوا قلاع الحرية، والحاجة هي لبلادنا ولعوائلنا وللعالم أجمع.

 

* فراغات في شهري جمادى الأولى والثانية

أولاً : هنالك فراغات تتعلق بهذين الشهرين، وعلينا أن نحاول ملء هذه الفراغات، للمثال على ذلك، اذا كان لابناء العامة «فقه عائشة»، ينقلون عنها الاحاديث الكثيرة ويستندون في احكامهم إلى تلكم الاحاديث، فيجب أن لا يكون هنالك فراغ في «فقه فاطمة»، ومن الذين بادروا إلى سد هذا الفراغ هو الإمام الشيرازي الراحل - قدس سره- حيث كتب مجموعة من المجلدات في فقه فاطمة، صلوات الله عليها.

ثانياً: هنالك فراغ في مخاطبة العقل الاكاديمي، فالكتب الموجودة لدينا كلها جيدة، ولكن بما ان لكل جيل عقلية معينة، يجب علينا أن نكتب كتباً حول فاطمة، صلوات الله عليها، تخاطب عقلية طلبة الجامعة، وهذه مسؤولية الكتاب والمثقفين من علماء الدين وغيرهم. لنلاحظ عدد الكتب المطبوعة حول الحجاب..! عندنا كتب كثيرة وكل هذه الكتب تملأ جانباً من القضية، ولكنَّ قليلاً من هذه الكتب تخاطب الطالبات وتتحدث بلغتهن، وهذا هو الفراغ بعينه.

ثالثاً : نحن بحاجة الى كتب حول فاطمة، صلوات الله عليها، تخاطب العقل الغربي، فالغـــــــــــربيون لهم عقلــــــــــــــــية معيّنــــــــة تختلف عن عقلية الشرقيين، والكلام الذي تقوله للشرقي ربما لا يمكن أن تقوله للغربي.

رابعاً: هنالك فراغ في المؤسسات الإجتماعية الصغيرة، وهي بعبارة واضحة تعني المجالس البيتية، وهذه المؤسسات لها أهمية كبيرة، فالكيانات الكبيرة، مثل الحسينيات والمساجد مهمة ومؤثرة، ولكنَّ للمجالس الصغيرة دوراً كبيراً ومهمّاً، فلابد من التشجيع على ظاهرة إقامة المجالس في البيوت، وهي الظاهرة التي انتشرت في بعض بلادنا الاسلامية، حيث تتبنّى شريحة من المجتمع، لاسيما الشباب بإقامة هذه المجالس في شهري جمادى الأولى وجمادى الثانية، ففي كل ليلة هنالك مجلس عزاء في إحدى البيوت، وهذه المجالس تقوم بدورٍ ربما لا تقوم به الحسينيات والمساجد الكبيرة، لذا يجب التشجيع على هذه المبادرات فهي مؤثرة جداً، وهي حصن لأولادنا ولبناتنا وعامل للبركة في بيوتنا.

ينقل عن أحد الأخيار في الكويت، وهي قضية تعود الى أكثر من إثنين وأربعين عاماً، قال: ذهبت إلى البحرين في عمل تجــــــــــاري، وكـــــــــــــــــــنا نتعامل مع أحد أبناء العامة، فيقول: وعدته بالمجيء إليه بعد غد، فقال لي: ان غداً عطلة، يقول الرجل التاجر: فكرت في نفسي عن مناسبة العطلة وسألته فقال: أنت الشيعي كيف لا تعلم؟! قلت كيف، قال غداً ذكرى وفاة فاطمة، صلوات الله عليها، يقول الرجل التاجر: اثّرت هذه الكلمة في نفسي كثيراً، فعاد إلى الكويت وبدأ إقامة مجلس العزاء في أيام جمادى الأولى، وهذا المجلس مستمر عنده منذ أكثر من أربعين عاماً. هذه المبادرات والمشاريع التي تحيي ذكرى الصديقة الطاهرة، صلوات الله عليها، هي التي تضمن الحياة للشعوب والأمة، لانها تضخ فيهم القيم الانسانية والاخلاقية ، وتجعلهم يعيشون الكرامة والحرية والسعادة. وإذا نشهد اليوم المآسي والويلات في الأمة، لاسيما على الصعيد الاجتماعي والسياسي، فان مردّه الى الابتعاد عن الرسالة التي من أجلها ضحّت الزهراء، عليها السلام، بحياتها.

------------------

* مقتبس من محاضرة لسماحة الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي - قدس سره-.


ارسل لصديق