تحديات وآفاق التغيير في العالم الإسلامي
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2014/05/04
القراءات: 873

من أجل تحقيق المزيد من تكريس الحالة الاسلامية، في العقيدة والفكر والسلوك، ظهرت في الساحة الاسلامية، اجتهادات في التنظير، ومحاولات للتطبيق بما يواكب ويستوعب التطورات الحاصلة على صعيد الفكر والانسان. وقد تجلّت ابرز المحاولات في التنظير والتطبيق، ما شهدته الساحة طوال عقود من الزمن من «صحوة إسلامية» عمّت مساحة واسعة من البلاد الاسلامية، وتمكنت خلال فترة زمنية قياسية من فرض وجودها وتأثيرها على الميادين كافة، لاسيما السياسية والفكرية منها، الامر الذي جعل خوضها التحدي، أمراً مفروغاً منه، بل ومطلوباً في آن.

واذا عرفنا أن الطليعــــــة المؤمــــــنة والواعية،هي التي تتقدم شعوبها وترفع لواء هذه الصحوة، فان عليها الوقوف بصلابة وقوة في تأكيد ريادية الفكرة الإسلامية وأفضليتها لقيادة الحياة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال فهم واع وعميق ومدرك لحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق ابناء الأمة في ميدان التحول من طور الجمود إلى عالم الحركة والتفاعل.

وهنا لابد من الإيضاح بأن للفكرة الإسلامية في خطابها العام هدفين:

أولاً: تحريك الوعي العام واستثارة حسّ المعرفة الشامل بما تتضمنه الفكرة الإسلامية من رؤية وبصيرة وعناوين اخلاقية عامة تهذب سلوك الفرد والمجتمع فيما يرتبط بقيم العدالة والحقوق والحرية و إبراز عناصر قوتها وفعاليتها في تحقيق التوازن المطلوب في قيادة الحياة.

وهنا لابد ان يستفز ابناء الأمة قدرتهم في إبراز ملامح فكر النهضة او الصحوة السياسية من خلال التركيز على مجموعة الرؤى والبصائر المتعلقة بإعادة الثقة في قدرة الإسلام على المنافسة بل والتفوق على تيارات الإنحراف في الأمة.

كما لابد في هذا الإتجاه من عملية تنوير ضخمة تستوعب إرادة الأمة وتستفز فيها روح القدرة على المواجهة والمقاومة لردع تيارات الإنحراف وإلحاق الهزيمة بها، وتبيان التفاصيل المتعلقة بتفوق عناصر التخطيط والأمل والثقة بأن الباطل والزيف يصرعه الحق بقوة وعدالة ومشروعية الحق ذاته في مواجهة الباطل.

ثانياً: مواجهة التحديات والإشكالات المنهجية وغير المنهجية. فهناك تيارات مسيطرة لا يروق لها تقدم الحركة الإسلامية، لما تمثله من تهديد حقيقي لضرب مصالحها في النهب والاستحواذ على مقدرات الأمور والعباد في بلاد الله الواسعة. وهي لا تذخر جهدا ولا طاقة ولا قدرة في أي ميدان أو مجال الا وسخرتها من أجل ضرب الصحوة الإسلامية أو محاولة تطويقها ومحاصرتها في اضيق نطاق ممكن.

والحقيقة أن الصحوة الإسلامية ولكي تحرز انتصاراتها ومواقعها المتقدمة، لابد لها من مواجهة تلكما التحديات التي تفرضها طبيعة المواجهة.

إن سنوات طويلة من سيادة منطق الهزيمة والاستسلام لمنطق الأمر الواقع، أدى إلى تراجع الأمة وتقهقرها في مختلف الميادين. بل وصلت الهزيمة النفسية حداً قاسياً ومريعاً، عندما فقدت الأمة الأمل في قدرتها على التغيير والريادة، وعاشت في يأس مرير من مجرد الأمل بالقدرة على التغيير مما أدى إلى سيطرة تيارات الزيف والانحراف في الأمة على الحياة العامة لسنوات طويلة. هذا برغم ما تختزله الفكرة الإسلامية من تراث قرآني عملاق وتاريخ ثري بالمواجهة والتحدي، يدعو إلى ضرورة قتال الاعداء وعدم الاستسلام لهم إلا متربصاً لقتال.

ولعل من ابرز ما يجب تعزيزه في هذه الفترة الحرجة من عمر امتنا الإسلامية هو مواجهة الثقافة التبريرية التي لا تزال ذيولها تضرب كل مشروع نهضوي على الساحة، وتحاول جرّه إلى الوراء، بدعاوى عدم القدرة على المواجهة بسبب سيطرة التيارات الانحرافية في الأمة على الأنظمة السياسية والتحكم في موارد البلاد المالية والعسكرية والسياسية.

 

* المهام المطلوبة

إن مهمة الصحوة الإسلامية في الوقت الراهن تتمثل بدرجة أساس في ثلاثة ابعاد في غاية الأهمية والخطورة على مستقبل الحالة الاسلامية بشكل عام:

 المهمة الأولى: التعبئة

إذ من المهم تعبئة الأمة بمادة الفكر ومادة الروح التي تعيد ثقتها بقدرتها على التغيير، لاسيما اذا ما توافرت عناصر التخــــــطيط والإرادة والقناعة والعقيدة والإيمان بمشروعية الفكرة وشرعية العمل والجهاد والتضحية من أجل تحقيقها.

والتضحية او الشهادة والإيثار بالنفس والمال من العناوين المهمة لقيادة الأمة نحو تعزيز مكاسب هذه الصحوة والارتقاء بها وتحقيق المزيد من أهدافها في اكثر من ساحة اسلامية.

فالمسلمون لابد أن تتاح لهم الفرصة في أن يعيشوا في ظل واقع يتماشي مع القيم السماوية العظيمة، وأن يسعدوا بدولة الرفاه والعدالة الاجتماعية والإنصاف. وهنا لابد للصحوة من أن تسهم في غرس ثقافة جديدة تتمحور حول فلسفة العطاء والذوبان في القيم الإسلامية والاستعداد للتضحية من أجل ريادتها وقيادتها للمجتمعات الإنسانية.

المهمة الثانية: رصد التحديات

 إذ لابد أن ترصد حركة الصحوة كافة الإشكالات والتحديات الموجهة بقصد الإساءة إلى الفكرة الإسلامية أو بقصد محاصرتها وتطويقها والحد من قدرتها على الـتأثير الإيجابي في نفوس الأمة ووضع المعالجات الكفيلة بإفشال المخططات والمؤامرات التي تستهدف تقويض الصحوة وابعاد الحركة الإسلامية من الوصول الى قمة الهرم. وبما يساعدها على وضع الخطط والبرامج والإستراتيجيات الكفيلة بتحقيق التفوق.

المهمة الثالثة: تحطيم حاجز الخوف

 إن الغاية الأساسية في حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة هو إقناع العقل الإسلامي بالتفوق وبقدرته على التغيير وذلك مهما كانت دسائس القوى المعادية التي تستهدف هذه الصحوة في اهدافها ورسالتها. وبما يعني غاية تطهير العقل المسلم من كل خضوع لقوى الإنحراف المهيمنة مهما كانت سطوتها.

لقد كان الخوف والهيبة والرهبة من القوى المهيمنة شكل ثقافة منهجية طيلة قرون متطاولة رزح فيها المسلمون تحت قبضة سلطات قاسية ووحشية لا ترحم.

وكرست حالة الخوف هيمنة تيارات الإنحراف في الأمة. بأساليب لم يعد معها الحاجة الى استحضار القسوة والعنف في احايين كثيرة بل وصلت الأمور إلى كفاية «التخويف» بهما، لتطويع وتركيع الأمة.

ولذلك فان من المهام الإساسية التي لابد للحركة الإسلامية أن تضطلع بها لتعزيز ما تعيشه من صحوة هو هدم جدار الخوف من بطش ووحشية السلطات الحاكمة المستبدة والديكتاتورية وبعث الأمل بالقدرة على التفوق في المواجهة في كافة ميادينها.

وتمتلك الفكرة الإٍسلامية تراثا ضخما في هذا السياق يمكن تدويره بشكل يبعث فيه الروح والإنطلاق من جديد في وعي الأمة لتنعتق من جدار التخلف والخوف إلى رحاب التغيير والريادة والقيادة. ويتأتى ذلك من خلال تكريس قيم التضحية والشهادة والإيثار. والتي من خلالهــــا فقط يمكن حسم خيارات الأمة في معركتها مع فلول تيارات الإنحراف في الأمة التي تستهـدف السـلطة والحـــــــــكم كقنوات للسيطرة والتحكم لا كرسالة إنسانية سامية.

وربما يعتبر البعض في بعض مواقع الساحة الإسلامية العريضة بأن هذا المنطق استغراق في الأوهام السياسية والخيالات الفكرية ليس إلا، بسبب أن عيون الواقعية التي ينظرون اليها إنما تختزل هذا الواقع فقط بقدرة السلطات الحاكمة على القمع وممارسة الانتقام بقسوة ووحشية بالغة، بينما يغيب عن مساحة هذه الرؤية الأجزاء الأخرى المتعلقة بهذا الواقع وهي فيما يتصل بعوامل وعناصر التغيير المتمثلة بإرادة الأمة ومدى ايمانها واستعدادها للتضحية من اجل استرداد حقوقها الضائعة والمنهوبة، وبشرعية الحق الذي تمثلها أمام زيف الباطل مهما تلبس بلباس الشرعية وتمثيلها.

لقد اثبتت التجارب الإنسانية طيلة تاريخ البشرية بأن هناك حضارات و أمما سادت ثم بادت وقامت على انقاضها حضارات وأمم أخرى ثم بادت وقامت على أنقاضها حضارات وأمم هي الأخرى. بما توافرت في حركتها من عناصر التدافع وبين ما يختزنه البشر من فكر وقناعات راسخة. فتسقط وتندحر تلك الأمة التي لا تستطيع الصمود أمام الموج القادم من افكار تبعث على الأمل والتفاؤل بغد اكثر اشراقا وحيوية مما هو قائم، وفي المقابل انعدام قدرة الحضارة او الأمة القائمة على الصمود أمام ما تطرحه الحضارة او الأمة المنبعثة جديدا من عمق في الرؤية وآفاق لم تستطع تلك الحضارات المنهزمة الوصول اليها بسبب انغماسها في أفق وإطار ضيق واحد هو السيطرة والتسلط والإستعباد، واخضاع جماهير الأمة بقوة السلطة لا بقوة الفكرة.

المهمـــة الرابعة: إعـــــــادة الــــــــــــــروح والحيوية لنصوص القرآن الكريم

إن الامـــــــة اليوم بحاجـــــة شـــــــديدة إلى الغــــــذاء المعنوي والروحي الذي يمدّ الفكـــــــر بما يلزمه لتحقيق التفوق في مسيرة التغيير.

فبين أيدينا قرآن ينبض بالحياة ومفعم بآيات توضح وتشرح سنن وقوانين الحياة بمختلف تفاصيلها، وقد استطاعت تيارات الانحراف، بما تمتلكه من أدوات حيّة في ادارة الصراع من أن تحول هذا الكتاب المجيد»، من كونه دستور حياة وتفوّق، الى مجرد كتاب للطقوس القشرية.

بينما تنضح الآيات الكريمة، بالحركة والدعوة الى العمل الصالح، فكيف لمسلم أن يقرأ قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}. (سورة آل عمران / 173)؟

وكيف يقرأ قوله تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احد الا الله وكفى بالله حسيبا}. (سورة الأحزاب /39)؟

وكيف يقرأ قوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. (سورة آل عمران /39)؟

والخلاصة؛ كيف يقرأ آيات الذكر الحكيم، كقوة فاعلة محركة للقيم والمعاني في سقوف الحياة المتعددة والمتنوعة؟ وكيف يقرأ آيات القتال المتناثرة بين ثنايا دفتي القرآن الكريم؟ وكيف يقرأ تلك النصوص المتعلقة في مجاهدة الظالمين؟

وهذه أيضا مهمة اساسية في خضم التحولات المعاصرة للنهضة او الصحوة الإسلامية. ونقطع بالجزم بأن هذه المهمة هي الأخطر والأهم على الإطلاق لما تنطوي عليه من التأثير في بناء الوعي المعرفي وبناء العقل المسلم من حيث الحركة والتفاعل والإنسجام مع ما يضخه القرآن الكريم من رؤى وبصائر في سياق التحدي الإنساني والحضاري الكبير.

إن رهـــــــان كسب الجولة القادمة من عمر الصحوة الإسلامية مرهون بمدى قدرة ابناء الأمة على تحويل القرآن الكريم، من جسم مقدس قابع فوق الرفوف الى كتاب حياة يضخ قوة وعزماً و إرادة و رؤية وبصيرة واضحة، تعين المؤمنين في الواقـــع العملي على قيادة الحياة في مختلف المراحل من عمر الصراع الحضاري القائم.

 وهـــــــــــو من أسباب القوة الداخلية الرئيسية التي يصعب اختراقها او الالتفاف عليها او احتواؤها مهما كانت طبيعة المغريات او التحديات.


ارسل لصديق