تحمل المسؤولية الجماعية ثمن الخروج من عنق الأزمات
كتبه: مرتضى الموسوي
حرر في: 2014/05/05
القراءات: 1144

كما هنالك اسباب وعوامل تؤدي بالأمة الى الشقاء والتخلف والتبعية وما الى ذلك من سلبيات، هناك ايضاً، عوامل و أسباب تدفع الامة لان تسير نحو التطور والتحرر تحت الظلال الوارفة للسعادة والكرامة.

ترى ماهي هذه العوامل والاسباب ؟

 

* عوامل واسباب تقدم الأمة

عندما نتلو بتمعن وبصيرة آيات الذكر الحكيم، نلمس انها تركز عادة على العوامل والاسباب الذاتية للتقدم او التخلف، ولاتتطرق في حديثها الى الاسباب الموضوعية إلا بنزر يسير، ترى هل ان عوامل تقدم الامة تكمن في كون أرضها خصبة معطاء؟ أم لان الامم الأخرى وقفت تؤازرها وتعينها؟ أم لان السعد وجد في طالعها..؟! وعلى العكس من ذلك هل ان اسباب تخلفها لابتلائها بنقيض تلك العوامل؟

ان عوامل السعد والشقاء هذه لا نجد لها ذكراً في القرآن، فلا نجد هناك على سبيل المثال، آية تحدثنا عن أمة تخلفت لان الطغاة ارادوا لها التخلف والهزيمة، او لان ارضها فقيرة الى الثروات الطبيعية، او لان طالعها سيئٌ مشؤوم. مثل هذه العوامل الخارجية نادراً ما نجد لها ذكراً في القرآن، بل ان الذي يؤكد عليه هذا الكتاب هو العوامل الذاتية، ونورد على سبيل المثال بعضاً من الآيات القرآنية كشاهد على ذلك: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا..} (سورة الاسراء / 7)، و {..إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (سورة الرعد /11)، و {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (سورة النجم / 39).

 

* المسؤولية نابعة من كيان الفرد والامة

المسؤولية - إذن - محصورة أولاً وأخيراً في كيان الامة الذاتي نفسه، وفي ذات الفرد الذي بمجموعه يتشكل كيان الامة. ومَثل الامة التي تعي وتعيش مسؤولياتها التاريخية بالنسبة الى تلك الغافلة المتجاهلة التي تحيا حياتها ساذجة تموج بها الامواج، وتذرفها الرياح، كمثل الفسيلة التي تنمو وتكبر شيئاً فشيئاً، حتى تصبح شجرة باسقة وقوية في المستقبل، في حين يبقى العود اليابس الميت مغروساً في الارض حتى يتآكل تدريجياً ويتلاشى من الوجود.

وهكذا الحال بالنسبة الى الأمة الحيّة الواعية التي لو بذرت بذورها في بقعة ما حولتها الى جنة خضراء يانعة مُفعمة بالحيوية والحركة والنشاط، في حين أن الأمة التي تضم في داخلها ابناء هم غُثاء كغثاء السيل، ستبقى ميتة متخلفة عن الركب الحضاري، منهزمة في ساحة الصراع، وان كان كيانها قائماً على محيط من الثروات الطبيعية.

على سبيل المثال لا الحصر، فان افريقيا.. هذه القارة العظيمة تعيش حالة يُرثى لها من التخلف منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا، بينما تعيش على أرض حافلة بالكنوز الطبيعية والثروات والمعادن الثمينة، ولكن الشعوب الافريقية عاشت ردحاً من الزمن وهي تجهل ما في ارضها من هذه الكنوز والثروات، وتغفل عن سراقها ممن اوتوا وسائل التقدم الحضاري الحديثة.

وكذلك الحال بالنسبة الى الأمة العربية التي تضم أراضيها بحار النفط، ومستودعات الغاز الطبيعي اضافة الى الثروات المعدنية، والاراضي الزراعية الخصبة والانهار الممتدة، ولكن معظم ابنائها يعيشون الفقر والحرمان والتخلف.

و أزاء ذلك، لنلاحظ المستوى الشامخ الذي بلغته الأمة اليابانية رغم انها تعيش في مجموعة من الجزر الصغيرة المهددة بمخاطر البراكين والزلازل والفيضانات. ورغم ذلك فقد غدت هذه الأمة اليوم ربما الاولى في رقيها الحضاري.

من هنا نفهم، أن الانسان والأمة هما اللذان يؤثران في الطبيعة، ويصنعان منها وجوداً حضارياً راقياً، لا الطبيعة، فالطبيعة لا يمكن ان تكون حائلاً امام الانسان او الأمة ذات الارادة القوية، اما بالنسبة الى الأمة الميتة فان ظروف واحوال الطبيعة ومتغيراتها يمكن ان تموج بها، وتقذفها الى كل شاطىء، ولعل أجمل تصوير للتباين الكبير بين هذه الأمة وتلك، ما عرضه القرآن الكريم في بعض آياته اذ يقول - تعالى -:

{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}. (سورة الاعراف / 58).

ان المؤمن المفعم بالحيوية والنشاط، والواعي لظروفه، والمنطلق في رؤاه ونظراته الحياتية من منبع فكر أصيل، وصاحب الهمة الكبيرة، والقدرة الحركية الوثابة، هو الذي يثبته الله، وهو الذي يعنيه المثل القرآني الآنف الذكر، فهو كالشجرة الطيبة الراسخة جذورها في اعماق الارض لا تزحزحها العواصف.

 

* تبرير الهزيمة والتخلف

اذا كان الامر كذلك، تُرى ما الذي يجعل الانسان الافريقي او العربي، متخلفاً حضارياً، ولماذا آلت الظروف لأن تكون هناك طبقة تسمى بـ « المنبوذين « في الهند، فهؤلاء الذين لا يحق لهم ان يمارسوا ما تمارسه الطبقات الراقية من اعمال، لماذا لا يحق لهم الا العمل في المجالات الخدمية المتدنية؟ وعندما تسأل احد افراد هذه الطبقة لماذا لا يحق لك ان تعيش كما يعيش ابناء الطبقات الراقية، فانه يبرر ذلك بالقول: ان روحه كانت موجودة في عالم آخر وفي جسد آخر، وقد ارتكبت آنذاك ذنباً، فكان عقابي ان جعل الله روحي في طبقة المنبوذين، لذلك كان علي ان أبقى منبوذا ما عشت، وربما سيجعل الله روحي بعد الموت في اجساد افراد الطبقة الراقية!!

ان المتقاعسين يدأبون على تبرير تقاعسهم وتخلفهم بأنهم خلقوا ضعفاء، وحاشى لله - تعالى - ان يظلم فيجعل أمة ضعيفة و أخرى قوية: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}، (سورة فصلت /46)، فادعاء كهذا يجر صاحبه الى منزلق الكفر لانه يبعث الشك في العدالة الالهية، وهذا ما لايغفره الله لصاحبه، فكيف يصح ان يدعي احد العمى وقد أعطي عينان يبصر بهما، او ليس ذلك كفراً بأنعم الله؟

وعلى هذا لاينبغي لأحد ان يبقى في أسر اغلاله الذاتية والله - سبحانه- قد رزقه العقل والعينين والأذنين واليدين والرجلين، وأتاح له الفرص، و وفر له الامكانيات الهائلة، فلا يحق لنا بعد ذلك ان نبرر الجمود والتقاعس، باننا غير قادرين على فعل شيء، وقد كتب علينا الضعف، ولغيرنا التسلط والقوة والغلبة.

وربما غاب عن الكثير منّا، ان المظلوم او المستضعف قد يعاقبه الله لانه رضي بالظلم والاستضعاف، وركن للظالم، وخضع لاستبداده وجبروته، او ليس الراضي بالظلم كالظالم؟ فالله - سبحانه - لا يرضى ولن يقبل من عبده الذي خلقه وأحسن خلقه وتقويمه، أن يتمسكن، ويتظلّم، ويستضعف نفسه، ويسكت عن كل ما ينزل بساحته من ظلم وجور وتعد.

هذا الواقع، هو ما تريده منّا القوى الكبرى صاحبة المصالح الاقتصادية في العالم الاسلامي. فهم ربما ينعمون بوجود هذه التبريرات لانها عامل يبقي الواقع الفاسد على حاله، فلا إصلاح وتغيير يخيفهم. في حين هذه التبريرات ما هي إلا مجموعة أغلال قيدنا بها انفسنا، فهذا القرآن الذي هو بين ظهرانينا يهتف ان، يا أيها الناس..! انتم المسؤولون عن حياتكم، ولابد من ان تبلغوا الاهداف السامية بالتوكل على الله، والاعتماد على انفسكم وطاقاتكم.

 

* السبيل الى تحقيق اهدافنا المنشودة

وهنا السؤال: كيف يمكن الوصول الى الهدف المنشود ؟

هنالك عدة خطوات في الطريق:

1- لابد من تفعيل الفكر، و إعمال العقل الذي وهبه الباري لعبده، ولذلك فان مسؤولية التقصير يتحملها الانسان ان هو لم يستثمر طاقة التدبير العقلي، فالعقل إذن؛ هو المصباح الذي ينير لنا طريق العمل نحو الرقي الحضاري، ولابد من استثماره ما أمكن.

2- من الواجب استثمار كتاب الله الذي يقوم بمهمة الهداية والتوجيه وايضاح معالم طريق العمل، فهو سراج يضيء هذا الطريق الى جانب سراج العقل، فلابد من التدبّر والتبصّر في هذا الكتاب المجيد، وتجسيد تعاليمه في الحياة.

3- بذينك السراجين ؛ سراج القرآن، وسراج العقل يمكننا ان نعمل على توحيد كيان الأمة، والمضي بها في سلم التطور والتقدم الحضاري، فان امتنا لن تتمزق ولن تتفرق، وهذا القرآن يدعو الناس الى التمسك به والعمل وفق توجيهاته: « وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان».

ان تشتت ابناء الأمة، واختلاف احزابها وتنظيماتها، يعنيان توجه كل مجموعة للبحث عن تلك التي تناصرها، وتشاطرها نظراتها وآراءها، فان لم تجد فانها تعمد الى البحث عمن يتفق معها في الآراء في المجتمعات الاخرى، او القوى الاجنبية في العقيدة والتوجه الحضاري، وهكذا يتمزق المجتمع الموحد الى مجموعات وطوائف تتجه الى هذه القوة او تلك حتى تسقط في شرك العمالة والتبعية للاجنبي، واذا بالأمة يؤول مصيرها الى التمزق والضياع والانفصالية بعد ان تتكالب عليها القوى الكبرى الطامعة.

والخطوة الاخرى، في تحمل الجميع مسؤولياتهم، وأن يأخذ كل منّا موقعه، ثم نوحد صفوفنا، ونؤدي دورنا الفاعل سواء على صعيد العلماء أم الافراد ام الاحزاب والتنظيمات، ولنتجنب ما يفرق صفوفنا، ويثبط هممنا، ويعيق مسيرتنا.

لقد جعل الله - سبحانه - الاشياء تتحرك وتؤدي دورها في الطبيعة وفق السنن التي وضعها لها، فكما ان النار قد خلقت حارقة، فانها تبقى كذلك الى الابد، كذلك حال الأمة، فانها لن تتغير الى الافضل مالم تقم بعملية التغيير بنفسها، وإلا فان حالها سيسير نحو الأسوأ، فالأسوأ، كما قال النبي، صلى الله عليه وآله: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر،  وإلا ولّي عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم»، فهذه هي السنن الالهية في فعلها وأثرها على الطبيعة والحياة.

ثم ان المسؤولية، ليست شعاراً يُرفع، إنما هي حالة تعيشها الشعوب والأمم الناهضة، وهذا ما يجب ان نجسده في حياتنا، وأن نعيش هذه الحالة باستمرار، على الصعيد الفردي والاجتماعي، ثم نعمل بها متعاونين متكاتفين يشدّ بعضنا أزر بعض في جو ملؤه التفاهم والروح الأخوية المؤطرة بالايثار والتضحية والبذل والهمم القوية، فالعمل الجماعي ضرورة لابد منها مادامت الحياة الفردية الانعزالية غير ممكنة، والله - تعالى - سينظر بعين الرحمة الى عباده المتعاونين المتآخين، وحينئذ سينصرهم ويسدد خطاهم، ويفتح لهم ألف باب وباب للفرج والخلاص.

وبكلمة ؛ ان اي شعب في بلادنا، سواء في افغانستان أم في لبنان أم في العراق، أم في أي بلد آخر لابد - قبل ان يلقي المسؤولية واللائمة على الآخرين- أن يعي هو أولاً وآخراً دوره ومسؤوليته في حركة التغيير، أما كيف يلعب ابناؤه دورهم ويتحملون مسؤولياتهم التاريخية فهذا ما يجب ان يفكر به كل شعب وامة تنشـــــد الخـــــلاص، و تغـــــيير حالها الى الافضـــــل، وهـــــذا الوعـــــي للمسؤولية، وبناء الارادة القـــــوية سوف يعملان بشكل غير مباشر على توحيد الصفوف والمضي قدماً لتحقيق الاهداف المنشودة.


ارسل لصديق