على ضفاف مولد السبط المجتبى «عليه السلام»
للجود والكرم والصبر، موعدٌ في النصف من شهر رمضان المبارك
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2012/08/17
القراءات: 1612

أئمتنا المعصومون الهداة، كلهم أنوار مضيئة، تشرق على أهل الارض كما على أهل السماء، لدى أول إطلالة لهم، ودخولهم عالم الحياة الدنيا. فهم أنوار هداية، وفلاح، وصلاح، وحبل ممتد بين الارض والسماء. ومن هؤلاء إمامنا الثاني الحسن بن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله صلوات الله عليهم، الذي اتّسم بسمة خاصة، الى جانب السمات العامة لدى سائر الأئمة الاطهار، وهم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله. فقد سُمي الامام الحسن عليه السلام بـ»كريم أهل البيت». وهذا من الجانب المادي الملموس الذي يذكره معظم المؤرخون، دلالة على حسن التعامل مع الناس، والتحلّي بأروع وأسمى الصفات الاخلاقية.
لكن هنالك سمة أخرى طبعت حياة إمامنا المسموم والمظلوم، وهي «الصبر». وهنا أجد نفسي ملزماً للتوقف قليلاً.. فالصبر يفترض ان يكون جداراً عالياً لهموم وغموم متلاطمة في حياة أي انسان، وفي مجالات عدّة، ففي وقت يكون الانسان مشغولاً بامتصاص المحن وتحدي العقبات والمنغّصات، يتعذر عليه بعدئذ، التفكير في المستحبات ومداراة الناس، بل نلاحظ الناس انفسهم يبتعدون عن هكذا انسان في هكذا حالة، إلا إمامنا الحسن السبط، الذي لم تمنعه ظروفه العصيبة من حمل مشعل الرسالة المحمدية، ونقل الصورة الناصعة للاسلام الى المسلمين والى العالم كله. فالعفو والإحسان والكرم والشجاعة والحلم والتواضع وغيرها من الفضائل، كلها روافد عذبة تنساب الى الانسانية والاجيال عبر التاريخ، مهما كانت الظروف.
ولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في العام الثالث للهجرة، أي في مطلع بزوغ فجر الاسلام، ولم يمهله القدر لمرافقة جده المصطفى سوى سبع سنين، وبعدها بفترة وجيزة رحلت عنه أمة الصديقة الزهراء عليها السلام، وهي أول نقطة مظلومية حمراء في سجل أهل البيت عليهم السلام.. لنتصور فتى يافع، يفقد جده النبي المصطفى، ثم بعد ذلك أمه الزهراء، ثم يشهد تهميش أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وتلاعب فئة طامعة بالحكم ، بمقدرات المسلمين.. ليضع أحدنا مكان الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، كيف يكون حاله وموقفه؟  
ثم لنعرف ان مدة خلافته عليه السلام، وبشكل رسمي على الدولة الاسلامية، لم تتجاوز الثمانية اشهر فقط، فقد تسلمها من أبيه اميرالمؤمنين عليه السلام بعد استشهاده في الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك عام اربعين للهجرة، وعاش عليه السلام بعد أبيه عشر سنين إماماً مفترض الطاعة من الله تعالى على المسلمين، وفي واقعة «الهدنة» التي إضطر لها، عليه السلام، مع معاوية، فقد سلّم اليه الامر بعد حوالي ثمانية اشهر من توليه الخلافة بعد سلسلة من الخيانات والاسقاطات في صفوف جيشه ومعسكره، ذكره المؤرخون، وفصل فيه الباحثون عن ما يسمى بـ «صلح الحسن»، والحقيقة الناصعة، أن لا وجود للصلح بتاتاً، إنما هدنة حقن فيها الامام دماء شعيته والمسلمين، التي لم يرعوي معاوية ومن معه من الأمويين، من إستنزافها حتى الرمق الاخير حقداً وبغضاً للاسلام، وسعياً لمحوه من الوجود.
من هنا، يجب ان نقرأ حياة الامام الحسن المحتبى عليه السلام، منذ واقعة «الصلح» التي جرت في الكوفة، وفيما بعد في مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد ان هجر الكوفة مع أخيه الحسين عليه السلام وسائر أهل بيته، وهي فترة إمامته التي أغدق وأبدع وأجمل في العطاء ومداراة الناس، وأعطاهم دروساً تفوق بما لا يحصى عدداً وقدراً، ما قدمه من أموال لهذا المحتاج وذاك الفقير.


* صبره 
لعل أعظم الدواهي على الانسان أن يتهمه المقربون منه، بألفاظ قاسية هو بريء منها كل البراءة. وها هو إمامنا الحسن المجتبى الذي دفعه قادة جيشه الى تسليم الأمر الى معاوية والتخلي عن الحكم الظاهري، ففي مجلس البيعة لمعاوية دخل عليه اصحابه المقربون من امثال حجر بن عدي وآخرين، وبعد ان سلموا على معاوية بـ «إمرة المؤمنين»، توجهوا بالقول الى الإمام عليه السلام بـ «السلام عليك يا مُذل المؤمنين»! فأجابهم الامام بكل حزم ورفق، أني لست مذلكم، إنما فعلت ذلك – مضمون كلام الامام- لحقن دمائكم ودماء المسلمين. ويقول الباحثون: لو كان الى جانب الامام الحسن بعدد أنصار اخيه الامام الحسين يوم كربلاء لما سلّم الامر الى معاوية. لكنه سلام الله عليه، يبدو انه ورث من أبيه امير المؤمنين تلك الحالة المريعة التي وصفها في نهج البلاغة: «وقد صبرت، ففي العين قذى وفي الحلق شجى». 
هذا النوع من الصبر، يعده أهل الحكم والسلطة والهيمنة، نصراً وغلبة، ولذلك لم يتوانى معاوية من إظهار غدره وتنكره لشروط الصلح أمام جموع أهل الكوفة عندما دخلها، محمولاً بخيلائه وغطرسته، وجعل كل تلكم الشروط تحت قدمه - كما قال بلسانه-. بينما التخلي عن الحكم وحتى الشروط التي أملاها عليه السلام، وهو عالم يقيناً ان معاوية لن يفي بها، كان الهدف منها إضاءة الطريق امام دعاة الحق والعدل والاصلاح، بأن لا يلجأوا الى الباطل اذا ارادوا ان يصيبوا الحق، وأن يتجنبوا الظلم والتزييف والتجاوز على حرمات الله والدين. 


* حلمه 
تلك الحادثة الشهيرة التي يجب ان تكتب بماء من ذهب في سيرة الامام الحسن المجتبى عليه السلام، وقد نقلها الرواة والمؤرخون بأشكال عديدة، لكن بقي المضمون نفسه دون نقصان. 
قال ابن شهر آشوب: ومن حلمه ما روى المبرد، وابن عائشة أن شامياً رآه راكبا، فجعل يلعنه والحسن لا يرد، فلما فرغ، أقبل اليه الحسن، فسلم عليه وضحك فقال: أيها الشيخ أظنك غريباً..! ولعلك شبّهت؛ فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيرا.
 فلما سمع الرجل كلامه ، بكى، ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه، «الله أعلم حيث يجعل رسالته»، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحب خلق الله إليّ.. فحول رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل ، وصار معتقداً لمحبتهم.


* جوده وكرمه
و روى «المجلسي» عن كتاب «العدد القوية» إنه قال : قيل وقف رجل على الحسن بن علي، فقال: يا بن أمير المؤمنين بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي ما تليها منه، بشفيع منك إليه بل إنعاما منه عليك، إلا ما أنصفتني من خصمي، فإنه غشوم ظلوم، لا يوقر الشيخ الكبير ولا يرحم الطفل الصغير.. وكان الامام متكئاً فاستوى جالساً وقال له: من خصمك حتى أنتصف لك منه؟! فقال: الفقر..! فأطرق الامام عليه السلام قليلاً، ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له: أحضر ما عندك من موجود ، فأحضر خمسة آلاف درهم، وقال: إدفعها إليه ثم قال لصاحب الحاجة: بحق هذا الأقسام التي أقسمت بها عليّ، متى أتاك خصمك جائراً، إلا ما أتيتني منه متظلماً.
وعن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: إنه قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد حمل إليه رجل هدية فقال له الامام عليه السلام: أيما أحب إليك..؟ أن أرد عليك بدلها عشرين ضعفاً.. عشرين ألف درهماً، أو أفتح لك باباً من العلم تقهر فلاناً.. الناصبي في قريتك، و تنقذ به ضعفاء أهل قريتك ؟ و إن أحسنت الاختيار جمعت لك الأمرين، وإن أسأت الاختيار، خيرتك لتأخذ أيهما شئت.
فقال: يا بن رسول الله.. فثوابي في قهري لذلك الناصب، واستنقاذي لأولئك الضعفاء من يده، قدره عشرون ألف درهم؟ قال: بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة.
فقال: يا بن رسول الله فكيف أختار الأدون، بل أختار الأفضل، الكلمة التي أقهر بها عدو الله و أذوده عن أولياء الله. فقال الحسن بن علي: قد أحسنت الاختيار.. وعلّمه الكلمة وأعطاه عشرين ألف درهم ، فذهب فأفحم الرجل، فاتصل خبره به، فقال له عليه السلام إذ حضر: يا عبد الله ما ربح أحد مثل ربحك ولا اكتسب أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت، اكتسبت مودة الله أولاً، ومودة محمد وعلي ثانياً، ومودة الطيبين من آلهما ثالثاً، ومودة ملائكة الله تعالى المقربين رابعاً، ومودة إخوانك المؤمنين خامساً، واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر، ما هو أفضل من الدنيا ألف مرة فهنيئاً لك هنيئا.
ومما يروى عن كرمه ما جاء في «حلية الأولياء» عن شهاب بن عامر أن الحسن بن علي «عليه السلام» قاسم الله تعالي ماله مرتين، حتي تصدق بمفرد نعله، و روي عن علي بن جذعان قال: خرج الحسن بن علي «عليه السلام، من ماله مرتين، و قاسم الله ماله ثلاث مرات، حتي أنه كاد ليعطي نعلاً و يمسك آخر، و يعطي خُفاً و يمسك آخر.
و روى «البخاري» كما في «المناقب» : وهب الحسن بن علي عليه السلام، لرجل ديته. و سأل عليه السلام رجل شيئاً، فأمر له بأربعمائة درهم، فكتب له بأربعمائة دينار، فقيل له في ذلك، فأخذه و قال: هذا سخاؤه، و كتب عليه بأربعة آلاف درهم.
و سمع عليه السلام رجلا إلى جنبه في المسجد الحرام، يسأل الله أن يرزق عشرة آلاف درهم فانصرف إلى بيته و بعث إليه بعشرة آلاف درهم.

وهناك العديد من الروايات التي تنقل لنا مشاهد من عطاءات الامام السخية للمسلمين، فيعطي لهذا خمسين ألف درهم، ولذا اربعمائة درهم وهكذا.. العطاءات غير محدودة ولا محظورة، وليس للامام الحسن عليه السلام أية معرفة بخلفية الشخص السائل، وهويته وانتماءه، فهل من المخالفين أم من المحبين؟ وهل هو حقاً فقير ومحتاج، أم محتال..؟! وغير ذلك من الاسئلة والاستفهامات الدارجة لدينا اليوم. وربما تكون هذه الروايات، التي يمكن الاستضاءة بها بمطالعة حياة الامام عليه السلام بشكل مفصل، بمنزلة الدروس والعبر لنا، بأن نساهم في بناء المجتمع الاسلامي، ونتعلم التعامل الصحيح مع الناس، وأن لا نزيد في المساوئ الموجودة، ونعمق حالة اليأس والاحباط في النفوس، بحيث يزداد الفقر والحرمان.


ارسل لصديق