مِن عِبَرْ التاريخ و تجارب الحركات التغييرية كيف تصل الجماهير إلى قياداتها الحقيقية؟
كتبه: زكي الناصر
حرر في: 2016/01/10
القراءات: 693

المجتمع الإنساني كيان متكامل ومتفاعل يؤثر بعضه في بعض، وبالرغم من ان الناس حينما ينظرون إلى هذا المجتمع لا يمكنهم التمييز الا من خلال زاوية معينة، فيفسرونه تفسيرا ناقصا وربما خاطئا، لذا نحن بحاجة دائماً إلى الآخرين ليكملوا معارفنا.

فقد قال أمير المؤمنين، عليه السلام، حديثه المعروف:}من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم{ (1).

اذن لابد ان ننظر إلى المجتمع المتكامل نظرة سليمة، ونحاول تحليل أحداثه من حيث المجموع، والا وقعنا في أخطاء جسيمة جداً.

 

 النظرة الى الجوهر لا الى المظهر

ان القيادة لا يمكن ان تنبعث الا من القوانين التي تحكم المجتمع الذي تقوده، والقوانين لا تنبعث الا من قيم الأفراد، والقيم لا تنبعث الا من أهداف الأفراد، التي تنبعث من تشكيلة نفوسهم وطبيعة شخصياتهم، وهي بدورها تؤثر في ثقافتهم وتراثهم وكثير من العوامل المحيطة بهم، الا ان أعظم شيء يؤثر في مسيرة التجمعات هو ما يطلق عليه القرآن مسمى }الشاكلة{ حيث يقول: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً}،الأسراء: 84، وما تسميه نصوص الإسلام }النية{، أي الهدف الرئيسي من حياة الإنسان؛ فهو يحدد نوع ثقافة الإنسان وطبيعة علاقاته وحقيقة قيمه ومجتمعه، وبالتالي طبيعة قيادته. والقرآن الكريم يوضح لنا الحالة الصحيحة التي يجب فيها ان تسود علاقة المجتمع بقيادته، وقد حددت آيات مباركات من }سورة الاسراء{ صنفين في المجتمع يختلفان في التعامل مع القيادة؛ الاول قشري والآخر رسالي، فالمجتمع القشري: هو ذلك الذي ينظر إلى القادة بصفتهم مبعث للرزق ومصدراً للعطاء المادي، فجاء في قوله تعالى: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً}،الإسراء: 89-90، أي ان إيماننا بك مشروط بحلك مشاكلنا، فتفجر الأرض ينابيع وأنهارا، وتستصلح الأراضي الجدباء التي نعيش عليها. اما ان نؤمن بك ومن ثم تعدنا بذلك، {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً}، فان لم تكن قادرا على العطاء فلا أقل تستطيع الأخذ، و إن لم تكن متمكنا من نفعنا، فلا أقل تقدر على انزال الضرر بنا. ونحن اما نعطيك رغبة في عطائك أو رهبة من عذابك، حيث تساقط علينا كسفا من السماء، ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً.

ان الاصرار على رؤية الله سبحانه وتعالى ومشاهدة الملائكة، بيان لطبيعة أخرى في المجتمع الجاهلي، وهي طبيعة الشهود والحضور والقشرية، اذ كانوا يريدون ان يشاهدوا الله على هيئة مجسمة أمامهم. {وَلَنْ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ}،الإسراء: 93، أي ان لم تكن قادرا على العطاء والأخذ، أو النفع والضرر ولا تتمكن من تجسيد القيم التي تبشرنا بها، فلا أقل ينبغي ان تكون في مستوى أرفع من عامة الناس جسديا وماليا وماديا.

اما المجتمع الرسالي: فهو يؤمن برسول بشر، لا يملك أي مقدار من الماديات الفانية، فيعيش على الأرض بدل ان يسكن بيتا من زخرف، ويحمل بضاعته على ظهره، ويفتخر بانتمائه إلى سلك الفقراء، ما دام رسولاً يستمد شرعيته من قبل الله سبحانه وتعالى، كما قوله عز وجل: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً}،الإسراء: 93. ان من سمات المجتمع الرسالي ابتعاده عن القشريات وإيمانه بالغيب، بعكس المجتمعات الأخرى التي تصاب بداء القشرية والشهود، فالمصالح الشخصية ليست مهمة عند الرسول، إنما العمود الأساسي اعتماد الرب له واستمداده الشرعية من الرب الجليل؛ لذا حينما يكون التجمع ذا جوهر إلهي، وتكون قيادته سليمة، تستمد الشرعية من تجسيدها للقيم الرسالية، وليس مما تملك من المال، أو ما تستطيع حله من المشاكل، أو ما توزع على الناس من امتيازات وهبات، وليس بحب الناس المصلحية لها يكون المجتمع مؤهلا ان يخطو حثيثا نحو التقدم والحضارة.

 

 القيادة الشرعية والقيادة القشرية

والسؤال هنا : ماهي اوجه التفاضل بين هاتين القيادتين؛ واحدة تستمد شرعيتها من الإمكانات المادية، وأخرى تستمدها من القيم؟

1ـ ان القيادة التي تستمد قدرتها من الإمكانات، تربي أبناءها على الخمول والكسل والأخذ، وتجعلهم شعبا مستهلكا، وتضاعف لديهم البطالة. بينما القيادة الأخرى تربي بحرها الجماهيري على الشجاعة والاقدام والعطاء والانتاج.

وفرق كبير بين هذين الشخصين، فالأول همه استهلاكية، والآخر صفته الانتاج والعطاء، بونٌ شاسع بين الامام الصادق، عليه السلام، الذي كان يأخذ من تلامذته دينارا من الذهب ثمنا لدراسة يوم واحد، وبين الآخر الذي كان يعطي لكل فرد يأتي إلى درسه دينارا من الذهب يوميا، وذلك ان الأول يربي أفراده على الحركة والنشاط والاجتهاد، بينما الآخر يربيهم على الكسل.

2ـ ان قيادة التجمع الرسالي التي تستوحي شرعيتها من القيم، تصب كل تفكيرها واهتمامها في التربية الأخلاقية للناس، والتخطيط السليم لهم، وارشادهم نحو اقتحام المجالات العلمية المتطورة. بينما القيادة الأخرى، قيادة محافظة تخشى من أي فكرة جديدة أو تحول وتطور جديد، وبالتالي تصبح قيادة جامدة ومجمدة، فهي تجمع الآخرين وتوقف مسيرة التطور عند الجمهور. وهذا الفرق يتجسد في قياداتنا الرسالية من جهة، والقيادات الأخرى من جهة ثانية.

فالقيادات السياسية في مجتمعاتنا تخشى من التطور والإبداع، ومن الحركات الاجتماعية والأفكار الجديدة، ودائما تريد ان تحافظ على الموجود باسم القداسات والأصالة والتراث وغيرها من الأسماء المختلفة الأخرى. وقد دخل ضمن هذا المسار تلك القيادات التي كانت تدعي التقدمية، وما ان وصلت إلى الحكم أصبحت محافظة.

3ـ القيادة الرسالية القائمة على أساس القيم تكون قيادتها سليمة وحكيمة حيث انها تقود المجتمع باتجاه القيم الصالحة والعدالة الاجتماعية، وباتجاه نشر العدالة في العالم ونصرة المظلوم والمستضعف، بينما القيادة الأخرى، كون انبعاثها ومركزيتها قائمة على أساس الظلم، لا تستطيع ان تقود الناس، إلا إلى الظلم والتمييز والتعالي في الأرض. لقد امتلأت صفحات التاريخ بتلك الحركات التي ابتدأت وهي تحمل أهدافا عظيمة جدا، لكنها انتهت إلى تجمع مغلق وعنصري، يدير نفسه بنفسه. لهذا علينا جميعا ان نتخذ من هذه التجارب والعبر التاريخية التي مرت على الآخرين درسا لأنفسنا، بحيث نكون حذرين من التحول في هذا المجال، علما بأن القضية الأساسية في صراع الجاهلية مع الإسلام ليست الكثافة العددية، إنما التركيز النوعي والكيفي، بمعنى ان لو كانت هناك فئة قليلة، ولكنها صبورة ومتوكلة على الله سبحانه وتعالى ومنسجمة مع بعضها ومهتمة بقيادتها، في الوقت الذي تكون فيه هذه القيادة فكرية وسياسية واجتماعية وقوية قادرة على اقتحام المشاكل، فان هذه الفئة تتمكن من التغلب على الفئة الكبيرة، كما حصل في اول حرب وقعت بين المسلمين والمشركين والمعرفة بمعركة بدر والتي أيدها القرآن الكريم في الآية المباركة : {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، البقرة: 249. اذ ليس المهم التفكير في الكثافة العددية بقدر ما هي نسبة الإيمان المنغرسة في نفوس تلك الأعداد، وماهية العلاقة العامة والأخرى الخاصة بالقيادة.

 

 سبب استمرار الأنظمة العميلة

ان سبب استمرار الأنظمة العميلة في الحكم في الوطن الإسلامي، ليس بسبب قوتها انما بسبب ضعف ما يقابلها، اذ ان الأنظمة العميلة تشبه الظلام الذي يبقى ويستمر إلى ان يأتي النور، فاذا بقي الظلام لفترة طويلة، فليس بسببه وانما لانعدام النور، لذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}، الإسراء: 81،  فلو قدم الجليل زهوق الباطل على مجيء الحق، لكان لنا ان نفكر بأن سقوط الجاهلية يسبق وجود القيادة الإسلامية البديلة. انما القرآن يبين بأن وجود القيادة السليمة تسبق سقوط الجاهلية.

ان خروج امامنا المنتظر، عجل الله فرجه، متوقف على اكتمال }313{ مؤمنا صادقا، وقد ورد في بعض الأحاديث بأنه يخرج مباشرة بمجرد اكتمال عدد أنصاره. فأين هم اليوم؟ لذا نحن بحاجة إلى ذلك التجمع الرسالي المتكامل، الذي من أبرز صفاته الطابع الحسن لعلاقاته مع بعضه البعض، والتي تتجلى في صورة علاقاته بقيادته.

ونحن في واقع الأمر، نملك في مجتمعنا الكثير من هذه القيم التي ارتفعت بسبب علاقاتها واتصالها بالأنبياء العظام والأئمة الأطهار، عليهم الصلاة والسلام، إلا اننا لا نملك اولئك الذين يلتفتون حولها على هذا الأساس، مما يدعونا لإيجادهم وبشكل مكثف، بحيث تكون العلاقة فيما بينهم إيمانية بحتة.

------------

1-  نهج البلاغة، ص500، حكمة 161.


ارسل لصديق