برنامج قرآني في النضال ضد الظلم والإرهاب والنفاق
كتبه: زكي الناصر
حرر في: 2016/11/30
القراءات: 193

إنّ أعظم صفة تجعل من القرآن كتاباً هادياً وبشيراً، قدرته على تقريب الإنسان إلى الحقائق الكونية بشكل يجعله يلامسها ويحسن بها ليندفع للتفاعل معها، وتطبيقها على واقع نفسه وحياته، ولذلك فإن آيات الذكر الحكيم تُسقط الحُجُب السميكة التي تفصل الإنسان عن سائر المخلوقات حتى يكتشف بالتالي أن سنن الله - تعالى- هي السائدة في الكون والحياة. إلاّ أن المشكلة الرئيسية التي تكمن في أسلوب معرفة مجموع الحقائق السائدة هي أن الإنسان عادة ما يلاحظ الحقائق القريبة والظاهرة في حين يجهل أو يتناسى الحقائق البعيدة، رغم أن بعض هذه الحقائق لها دور أساس في رسم ملامح المستقبل، وتحديد معالم المسيرة، على اعتبار أن معرفة بداية الطريق ليست بالمشكلة الشائكة، لأن المهم أن يسير الإنسان برؤيته الأصيلة إلى آخر المطاف.

والقرآن الكريم بدوره يفصِّل للإنسان الأمثال والحقائق بوضوح وسهولة، بحيث أن الآية الواحدة منه كفيلة بتلخيص عِبَر التاريخ، والسورة منه قادرة على شرح حوادث سياسية، واجتماعية، واقتصادية لملايين البشر، فإن الإنسان مدعو إلى دراسة هذه التجارب في ثنايا الذكر الحكيم لعدم تمكّنه من إدراك كافة الوقائع البشرية. وعلى سبيل المثال فإن الآية الكريمة: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، (سورة الأعراف: 199)، تشتمل على ثلاث جمل قصيرة يحتوي كل منها على كلمتين أو ثلاث، ولكنها رغم هذا الإيجاز الدقيق تشكل خريطة شاملة للسلوك البشري المتكامل، بحيث إن علماء الاجتماع، والنفس، واختصاصيي السلوك البشري لا يستطيعون إدراك الأبعاد الواسعة لهذه الجمل الثلاث، ولم يتوصلوا إلى كنهها. ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى بصائر القرآن لمعرفة مقياس حسن وقبح الأعمال بشكل واقعي؛ ففي بعض الأحيان يكره الإنسان شيئاً في حين أن نهايته تكون في صالحه، وفي أحيان أخرى يحب شيئاً ولكن نهايته تكون سيئة، بينما نرى أن القرآن يوضح لنا هذا المقياس في الآية الواحدة قائلاً: {..وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، (سورة البقرة: 216).

إن معايشة القرآن لا تعني الصداقة الظاهرية مع ظاهر الآيات بقدر ما هي اتصال معنوي يدفعه إلى تطبيقها على نفسه، فالقرآن كمثل الشمس تشرق كل يوم لتعطي آفاقاً جديدة، ورونقاً ذا نكهة أخرى لنفس اليوم، وهكذا الحال بالنسبة إلى القرآن الكريم فإنه يزوِّد العقل الإنساني من خلال القراءة اليومية له بأبعاد وآفاق جديدة، حتى أن اقتباسات الإنسان واستيحاءاته من القرآن تتطور إلى الأفضل مع مرور الأيام من خلال التفاعل الواقعي مع القرآن، وهذا يعني من جهة أخرى أن هذا الكتاب يمثل بالنسبة إلى الإنسان حديثاً وبصيرة، وهذان المفهومان اللذان تكررا في الآيات القرآنية يؤكدان على أنّ القرآن يعايش مراحل حياة الإنسان، فالحديث يعني أن القرآن يتجدد، ويخاطب الإنسان بلغة الحدث الذي يعيشه، وكذلك البصيرة التي تُبصِّر الإنسان بين فترة وأخرى بالموقف السليم من الأحداث المتجددة.

 

 بصائر القرآن في العمل الرسالي

ولعل حاجتنا إلى بصائر القرآن الكريم تزداد، وتصبح ماسة في هذه الفترة بالذات، فكلما خاض المؤمنون تجارب جديدة في النضال، واقتحموا أبواباً واسعة لمحاربة الأعداء، اشتدت الحاجة إلى الإمدادات القرآنية في المنعطفات والمنزلقات التي يمر بها الإنسان في مسيرته نحو التغيير، ومن البصائر التي تذكرنا بها الآيات القرآنية ما يلي:

1-  من أولى الاستراتيجيات الأساسية لعملية التغيير؛ أن لا يصيبنا التعب والملل في خضم هذه المسيرة، وهذا يعني اعتماد الحذر كمبدأ رئيسي خشية السقوط، ثم تنمية الإرادة الصلبة الكفيلة بالوصول إلى القمة، ذلك لأن الشعور بالتعب والتداعي في طريق الجهاد يعني ضياع جهود وتضحيات جمة قدمت خلال المسيرة.

2- دراسة التجارب الجهادية واستيعابها: تقول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}، (سورة الأحزاب: 9)، ولعل في هذه الآية إشارة واضحة إلى ضرورة دراسة حياة النبي، صلى الله عليه وآله، المقرونة بالملاحم البطولية التي كانت في عهده، والأمر بالذكر في الآيات السابقة يدل على وجوب ذكر قصة هذه الملحمة البطولية، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن دراسة حروب الرسول، صلى الله عليه وآله، توازي تعلم القرآن الكريم لأن هذه الحروب سوف ترسم خارطة العمل، وتمنحنا البصائر الاستراتيجية الهامة؛ ويستمر السياق القرآني قائلاً: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}، (سورة الأحزاب: 10).

 

 الحذر من دور المنافقين

وفي ظل هذه العوامل المثبِّطة يبرز دور المنافقين التخريبي الذي يشير إليه - تعالى- في قوله:{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}، (سورة الأحزاب: 12)، فيمتنع هؤلاء المنافقون عن دفع المال بحجة الحاجة، ويرفضون النصرة مفضِّلين المشاغل الدنيوية، ويتهربون من سائر الأعمال المقدسة، وقوله - تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، (سورة الأنفال: 49)، دلالة على أن هناك فئة أخرى غير المنافقين تسهم في إثارة الانحرافات، وبث الضلالات عبر نظراتها السلبية، وعلى هذا فإن من النتائج الإيجابية للابتلاءات معرفة هذه الفئة، فمن خلالها تنكشف حقائق الكثير من الناس.

وإضافة إلى عمليات بث الإشاعات التي يقوم بها المنافقون، فإنهم يحاولون رسم خطوط مشبوهة لترويج الخطوط التراجعية عند المؤمنين متذرعين بتبريرات مختلفة يشير إليها القرآن الكريم في قوله: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً}، (سورة الأحزاب: 13-14)، وكل هذه الأساليب تستهدف كما تشير إلى ذلك الآية الفرار من ساحة المواجهة.

 

 بصائر القرآن مواجهة الأزمات

إنّ مَثَل الأمة المؤمنة كمثل شجرة طيبة كلما مرّ عليها الزمان اشتد ساقها، وانتشرت فروعها، والصراع والمواجهة يزيدان الأمة المؤمنة قوة وتماسكاً وتجربة وصموداً، لأن المشاكل هي التي تصقل شخصية الإنسان المؤمن، وإذا أضيفت إليها مشاكل الصراع ومآسيه فإن نفوس المؤمنين سوف تزداد صلابة، ذلك لأن مواقفهم من المشاكل تختلف أساساً عن مواقف الكفار، فالإنسان المؤمن يتلقى المشكلة كتجربة جديدة يخوضها من أجل اكتساب المناعة والهدى والعلم كما يشير إلى ذلك قوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، (سورة العنكبوت: 69).

ولن ينال المؤمن هذه الدرجة الرفيعة دون أن يخوض تجربة الامتحان في الدنيا حتى تصقل نفسيته، والقادر على إجراء البلاء، قادر على إعطاء الصبر عليه، لأن رحمة الله بالعباد، وبالمؤمنين خاصة؛ تأبى إنزال البلاء الصعب على المؤمنين دون منحهم القدرة على مقاومته، وبالتالي فإن الإنسان المؤمن يدخل في مدرسة الابتلاءات ليخرج بطلاً حاملاً بيده شهادة الصدّيقين والشهداء والصالحين، وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة التالية: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، (سورة إبراهيم: 24 -27)، أي إن القول الثابت في الحياة الدنيا هو عاقبة الثبات في مواجهة المشاكل، وهو من ثم نتيجة الشجرة الطيبة التي يكون عودها قوياً ثابتاً وجذورها ممتدة في أعماق الأرض وفروعها منتشرة في السماء، وهكذا يكون الإنسان المؤمن حينما يواجه أعاصير المحن والابتلاءات، فيصلب عوده، ويقوى ساقه، وتمتد جذوره، وتنتشر فروعه.

فالابتلاء حصن الانتصار، ومعرفة هذه الحقيقة ضرورية لاتخاذ الموقف المناسب وفقها، وخصوصاً في مواجهة الأعداء وبعد الانتصار عليهم، تجاوز غرور هذا الانتصار، ونبذ الأنانيات التي قد تبرز بعد الانتصار، وتجاوز الطفيليات التي تتسلق شجرة الانتصار، وتنخر في أعماقها، ولذلك فإننا نواجه في هذه الحالة مشاكل أكبر من مشاكل ما قبل الانتصار، لذا علينا التفرغ لتحدي المشاكل الخارجية بصمود أكبر، ووحدة أقوى، لأن الصراع يستمر قبل الانتصار وبعده، ولكن كلما طالت فترة الصراع قبل الانتصار كلما ازداد تحصن المؤمنين ضد المشاكل التي يفترض وجودها بعد الانتصار، فهو يعطي القدرة على تقييم المواقف، وبناء الكوادر، وتوعية الجماهير، وتمييز الخطوط المنحرفة التي قد تتسلل في الصفوف، ومعرفة العالم المحيط بنا، والمؤامرات التي تنسج في الخفاء، واكتشاف العناصر المخلصة للتحالف معها من أجل بناء مستقبل أفضل.

 

 برنامج الجهاد في القرآن الكريم

وفي سورتي (الضحى) و(الانشراح) يحدد الله - عزّ وجلّ - مرحلة من أحرج المراحل التاريخية التي مرّ بها رسولنا الأعظم محمد، صلى الله عليه وآله، ففي سورة الضحى يشير - تعالى- إلى هذه المرحلة قائلاً: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، (الآية 1-3). فقد كان هناك تساؤل من قبل الناس، أو من قبل بعض المؤمنين وهو: لماذا لم ينزل الله - تعالى- النصر على نبيّه وعلى المؤمنين؟ فأجاب عزّ وجلّ على هذا التساؤل قائلاً: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، أي أنه لم يهجرك ولم يتركك للأعداء. وفي الحقيقة فإن هذه السورة تزودنا ببرنامج في نضالنا ضد الظلم والإرهاب والنفاق، وعلينا أن نتخذ كل بند من بنوده، وكل آية من آياته برنامج عمل، ومنهاج سلوك، واتخاذ مواقف.

وفيما يلي نستعرض بنود هذا البرنامج:

1- {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}، (سورة الضحى: 4)، فلنفترض أن الرساليين لم يحققوا الانتصار المرجو، فهل ستذهب جهودهم هباء؟ قطعاً؛ كلا، لأن الشهادة والصبر والاستقامة، ستوصلهم إلى ربّ العالمين، وسواء طالت المدة أم قصرت فإن الأجر مكتوب عند الله عزّ وجلّ، وإنّ طول المدة لن يزيد هذا الأجر إلاّ نمواً.

2- {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، (سورة الضحى: 5)، فالرضا غير موجود في الدنيا، ولكن الإنسان المؤمن هو الوحيد الذي يمكنه أن يرضى، لأن الله - تعالى- يمنحه الرضا وحالة الاطمئنان في نفسه، وهذا هو الأمل الذي يحدو بنا إلى التحرك المستمر، لأن النهاية هي الرضا، والرضا هو قمة العطاء.

3- {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}،(سورة الضحى: 6)، ويشير - تعالى- هنا إلى ضرورة توفر عنصر القيادة، وعنصر الأرضية اللازمة لانطلاق العمل الرسالي.

4- ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى،(سورة الضحى: 7)، وبعبارة أخرى فإن الوضوح ضروري للعمل الرسالي.

5- ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى،(سورة الضحى: 8)، فالمد الاقتصادي يُعد قضية هامة بالنسبة إلى النهضات.

6- أما القسم الأخير من البرنامج فهو انشراح الصدر، وهو من أهم مستلزمات العمل الرسالي، ويبيِّنه - عزّ وجلّ - في سورة الانشراح في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، (سورة الشرح: 1)، فنحن بحاجة إلى شرح الصدر، لأن قلب الإنسان إذا كان ضيِّقاً فإنه سيتأثر بأبسط مشكلة. والوسيلة الوحيدة لتحقيق حالة (انشراح الصدر) تتمثل في التوكل على الله والثقة بنصره، واليقين بأنّ كل شيء يرد على الإنسان المؤمن هو خير له سواء كان مصيبة أم مكسباً.

وأخيراً يوجّهنا - تعالى- إلى برنامج مهم يتمثل في قوله - تعالى-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، (سورة الشرح: 7)، فالذي يحمل همّاً كبيراً، أو يتطلع إلى تحقيق هدف عظيم فإنه لا يفرغ من عمل إلاّ لينشغل بأداء عمل آخر، وزاده في هذه الرحلة الطويلة ذكر الله، والرغبة في ثوابه. وقلب الإنسان هو الذي ينخر فيه التعب لا جسمه، لأن تعب الجسم ناجم من الروح والأعصاب، فإذا كانت النية قوية فإن الجسم سيتحمل متطلباتها، والذي يجعل الإنسان نشيطاً حيوياً هو الهدف السامي، والثقة المستمرة بالله، ومن ثم نبذ الهموم الثانوية جانباً.


ارسل لصديق