الشهيد آية الله السيد محمد تقي الحسيني الجلالي
صاحب النظرة الثاقبة
كتبه: ماجد الصفار
حرر في: 2016/06/30
القراءات: 761

بسبب ظروف معينة تعرضت المهمة التبليغية لعلماء الدين الى التحجيم والانحسار في الساحة، لتفقد بريقاً هائلاً كان لها في النفوس وتأثيراً بالغاً على العقول. وعندما نستذكر بعض أبطال العقيدة من علماء الدين المجاهدين، إنما نذكّر بذلك العهد الذهبي للتبليغ، حيث شهدت الساحة في عقدي الخمسينات والستينات ظهور مبادرات بديعة في النشر والبناء والإصلاح، قادها رجال أشداء بهمم عالية، مثل الشهيد آية الله السيد محمد تقي الجلالي الذي تميّز في مهمته التبليغية بمبادرات حضارية رائدة في ناحية القاسم جنوب محافظة بابل.

 

 الجهود الجبارة للشهيد الجلالي

هذه الناحية الصغيرة التي تشرفت بوجود القاسم بن موسى بن جعفر، عليهم السلام، تحولت الى مركز إشعاع فكري وثقافي، بفضل الجهود الجبارة للشهيد الجلالي في نشر العلم والثقافة والمعرفة، وهو ما جعله وجهاً لوجه أمام التيارات الثقافية الوافدة من الخارج، وفي مقدمتها التيار الماركسي ومن ثم التيار البعثي.

خلال ما يُسمى «المد الشيوعي»، وعندما اجتاحت موجة الإلحاد معظم مدن وقرى العراق، واستهدفت الشباب بالدرجة الأولى، كانت ناحية القاسم، من بين مناطق نفوذ هذا التيار. فتنبه الشهيد الجلالي إلى خطورة الموقف، من جميع جوانبه الدينية والاجتماعية و الثقافية ، وهنا تجلت جهود الشهيد الجلالي، قدس سره، في نصرة الدين الحنيف والدفاع عن كيان الإسلام وحرمة المسلمين. فكان له الدور الفعال في القضاء على هذه الأفكار الدخيلة والاعتقادات الفاسدة، وتمكن بعلميته وثقافته الواسعة، و إخلاصه في العمل، من تصحيح مسار تفكير الناس وإنقاذهم من الانحراف.

ونظراً الى همته العالية وتميزه في سعة تفكيره، الى جانب علميته، وإخلاصه في خدمة أهل البيت، عليهم السلام، ونشر علومهم ومعارفهم، فقد اختاره المرجع الديني الاعلى في زمانه، السيد محسن الحكيم - قدس سره- لأن يكون وكيله الشرعي، كما كانت لديه وكالات أخرى من مراجع دين كبار، مثل آية الله العظمى السيّد، أبوالقاسم الخوئي، وآية الله العظمى الإمام الخميني، وآية الله العظمى السيّد عبدالهادي الشيرازي، وآية الله العظمى الشيخ آغا بزرك الطهراني.

 

 نشاطه العلمي

ومن الجدير ذكره أن الشهيد الجلالي، اضافة الى كونه مبلغاً، كان استاذاً مرموقاً في الحوزة العلمية، وصاحب مؤلفات وبحوث غزيرة. فقد أسس أول مدرسة دينية في القاسم، كما افتتح الفرع الاول والوحيد لمكتبة الامام الحكيم في الناحية. لذا فان الالمام بجوانب حياة هذا الشهيد، بحاجة الى صفحات عديدة.

لذا كان التركيز على البطولة في المواقف، والتميّز في العمل بكافة الميادين.

ومن ابداعاته التبليغية، تأسيسه ما يشبه الاذاعة مستخدماً مكبرات الصوت وتوزيعها على المناطق السكنية المحيطة بالمدرسة الدينية، وعين في كل حيّ، مسؤولاً عن هذه المكبرة، وكانت مهمة هذه المكبرات إيصال الارشادات والتوجيهات المختلفة الى الناس، ومنها المحاضرات المتنوعة بعد تسجيلها داخل المدرسة، ثم بثها في وقت العصر وقبل أذان المغرب بساعة، ليكون الجميع على استعداد للاستماع والمتابعة.

إن النجاح الباهر الذي حققه الشهيد في القاسم يعود بالدرجة الاولى الى ذكائه الاجتماعي، فقد كان له الدور الكبير في توسعة الحرم الشريف، وأجرى ترميمات على القبة، وبناء حمامات ودورات مياه بعيداً عن المرقد الطاهر، كما قام بإنشاء سبع حسينيات وثلاثة مساجد، ابرزها حسينية «البياعَ شَرايَة»، وحسينية «السُّواق». وإنشاء صندوق «القرض الحسنة» في القاسم وفي مناطق اخرى في العراق.

 

 شهادته

هذا العطاء العلمي والثقافي والاجتماعي، اكسبه محبوبية عميقة في قلوب أهالي القاسم، فكانوا يتفاعلون مع أي مبادرة او قرار يتخذه، مثل تعطيل الاسواق والمحلات في المناسبات الدينية التي يعظمها ويعمل على إحيائها، وهذا ما أثار مخاوف السلطة البعثية من احتمال تعاظم هذه القاعدة الجماهيرية الى درجة ابتلاعهم. فسارعوا لاتخاذ اجراءات قمعية، بالتضييق والاستفزاز في بادئ الامر، ثم التهديد فيما بعد، مما أدى إلى اعتقاله عام 1401هـ المصادف لعام 1982، وتعرض في أقبية السجون الى شتى صنوف التعذيب للضغط عليه بالتخلّي عن نشاطاته الثقافية والدينية، فكان الرد ليس الألم والجزع، إنما الرفض القاطع والصمود، ودامت مدَّة الاعتقال تسعة أشهر، التحق بعدها الشهيد السعيد بالرفيق الأعلى، ونال الحُسْنَيين؛ فهو انتصر في مهمة التبليغ بنشر ثقافة التحدي ورفض الباطل والانحراف، كما نال حُسنى الشهادة التي كانت أرفع وسام إلهي يحصل على عليه الخواص من أولياء الله - تعالى - وكان ذلك أواخر شهر رمضان المبارك من عام 1402هـ  الموافق لعام 1982م. 


ارسل لصديق