في ظلال دعاء الإمام الحسين، عليه السلام
منهج تفريج الهموم وكشف الكروب
كتبه: ماجد الصفار
حرر في: 2017/10/26
القراءات: 24

لطالما كانت الكلمة طريق الإصلاح الأول وبها سلك الأنبياء والمرسلون طريقهم إلى القلوب فحاوروا النفوس وتحدثوا إلى الضمائر وأقاموا الحجج والبراهين، حتى اهتدى إلى الحق خلق كثير؛ فكانت الكلمة الطيبة أبلغ من أي شيء آخر في الإصلاح الذي هو غاية الإمام الحسين، عليه السلام.

حينما نظر الإمام الحسين، عليه السلام، إلى جمع بني أمية في كربلاء كأنّه السيل، و عندما حاصره الأعداء يوم‌عاشوراء، رفع يده بالدعاء وقال:

«اللّهُمَّ اَنْتَ ثِقَتي في كُلِّ كَرْبٍ وَرَجائِي في كُلِّ شِدَّة وَاَنْتَ لي في كُلِّ اَمْرٍ نَزَلَ بي ثِقَةٌ وَعُدَّة...»

هذه الفقرة الأولى من الدعاء التي دعا بها، عليه السلام، فإنها تعكس محبة الله - تعالى- التي غمرت قلبه المقدس، فكان الرضا بقضاء الله، والثقة بعنايته، فقدم، عليه السلام، الخوف والرجاء في دعائه هذا كمنهج اتبعه، والذي يميزه عن بقية أدعيته في ليلة عاشوراء ويومها، ومن شأنه أن يكون منهجاً جديداً لتجاوز الأزمات التي تمر بها النفس الإنسانية، وهو منهج تفريج الهموم وكشف الكروب.

ثم يقول، عليه السلام: «كَمْ مِن هَمٍ يَضْعُفُ مِنهُ الفُؤاد وَيَقِلُّ فِيهِ الحِيَل وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّديق وَيَشمَتُ فِيهِ العَدوُّ».

تشير هذه الفقرة إلى الغم (الكرب) الذي لا يكون إلا عند نزول أمر معين بوقوع فعل يسوء صاحبه فيصاب بالغم؛ فيصيب القلب انقباض وكدورة وحزن، ويجتمع معه الهمّ (الحزن)، بسبب قلة الحيلة وخذلان الناصر (الصديق) وشماتة العدو وغير ذلك.

إضافة إلى أن هذه الفقرة من الدعاء كشفت عن أمرٍ سيقع مستقبلا من خلال القرائن التي دلت على وقوع البلاء فيكون بذلك الهم أعظم؛ فإن الإمام الحسين، عليه السلام، عبر عن ذلك من خلال الجيوش التي تجمعت من حوله؛ فهل من مخرج عند اجتماع الهمّ والغمّ (وهي المصيبة)؟

يجيب، عليه السلام، عن هذا التساؤل فيقول:

«اَنْزَلتُهُ بِك وَشَكَوتُهُ اِلَيْك رَغبَةً مِنّي اِلَيْك عَمَّنْ سِواكَ».

تشير الفقرة إلى أن الإمام الحسين، عليه السلام، في دعائه بدأ من الله وينتهي اليه - تعالى-، إذ لا يشكو همه وغمه إلا لله - عز وجل - وهذا يكشف عن عظم البلاء النازل به، فهو، بين ما ستوقعه الحرب من بلاء على أبنائه وعياله وأصحابه وأطفاله وبناته، وبين الغمّ الذي يكشف عن يقينه بما سيحصل لهم جميعا وهذه من الخواص الفريدة، خلاف غيره الداخل في الحرب لا يعرف مصيره.

فحينما نرى الإمام الحسين، عليه السلام، فزع والتجأ وشكا في كل كرب وشدة إلى الأقرب والأحب إلى قلبه - مع ضعف الفؤاد وخذلان الناصر وشماتة العدو - عمن سواه من الخلق «رَغبَةً مِنّي اِلَيْك عَمَّنْ سِواكَ» فتكون النتيجة: «فَفَرَّجْتَهُ وَكَشَفتَهُ».

ثم اتبعه بشكر المنعم بقوله: «وَاَنْتَ وَليُّ كُلِّ نِعْمَةٍ وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ وَمُنْتَهىٍّ كُلِّ رَغبَة» أي إن حفظ النعم التي مننت بها عليّ والتي ستمنّ بها، فإن شئت سلبتها وإن شئت أدمتها، يعني التسليم لقضائه - تعالى- والرضا بما قدر الله له، عليه السلام.

حملت هذه المناجاة بيان التوحيد ودرجات اليقين ومنازل الحب؛ والتي تكون كاشفة عن السَير الحسيني إلى الله تعالى؛ من خلال تناوله، عليه السلام، في هذا الدعاء عدة عوامل لدفع جميع الهموم والغموم، مصداقاً لقوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، (سورة الرعد: 28) منها قوة الفؤاد، وتوفّر الحيلة (الحلول والخيارات)، ووقوف الصديق ومساندته، والتخلص من العدو، والشكوى إلى الله - تعالى-، واليقين بالفرج، والمحصلة؛ هذه المناجاة تظهر حجم المصائب وأثرها في النفس، وفي نفس الوقت تمثل عوامل لدفع هذه المصائب.

لذلك نتعلم من الإمام الحسين، عليه السلام، في هذه المناجاة، الخلوص في التوحيد إلى الله - تعالى- والتوجه إليه في كل كرب وشدة وخوف وكل هم وغم وحزن، وأن يكون - عزّ وجل - الأحبّ إلينا من جميع المتعلقات الدنيوية من الأبناء والإخوة والوالدين والأقرباء والأصحاب والمال وغير ذلك.


ارسل لصديق