الحاجة إلى قيام الدولة
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2016/08/14
القراءات: 502

كلما ارتقى المجتمع في فكره وثقافته وتطلعاته كلما كانت له القدرة على تطوير نظامه الاجتماعي والسياسي نحو الأفضل، وهذا ما يُظهره التمايز الواضح بين مجتمعات وصلت إلى مراحل متقدمة على صعيد النظم السياسية والاقتصادية، وقطعت شوطاً واسعاً في مجال التكنولوجيا وغزو الفضاء، وبين مجتمعات تعيش في آخر الركب الحضاري، في حالة من الاستهلاك والاعتماد على الآخرين، وما صنع الفارق هو اعتماد العلم والمعرفة والكفاءة، بينما في الطرف الآخر؛ اعتماد العاطفة والتمنيات، وشتان بين المنهجين.

 إن الحاجة أصبحت ملحة اليوم للارتقاء بصورة المجتمع مضموناً وشكلاً من خلال بناء الدولة الحديثة التي تعبر في أنظمتها عن شعور عميق وتفاهم مشترك بين أفراد المجتمع، وعلاقات بين مختلف المكونات الاجتماعية على أسس أخلاقية وإنسانية تقوم على التكافؤ والتنافس الشريف والتعاون لما فيه مصالح الناس جميعاً، وهذا بحاجة للخروج من الدوائر الضيقة والمصالح المحدودة، وتجاوز حالة التمحور ضمن الأنظمة الأسرية أو القبلية، والانفتاح على مفهوم الدولة الحديثة التي يتساوى فيها الناس جميعاً، بعيداً عن التعصّب للّون والعرق والتقاليد وما أشبه.

 

 الشعب قاعدة النظام السياسي

إن بناء الدولة الحديثة من خلال نظم اجتماعية وسياسية تعمل على تعزيز الترابط والأواصر بين الناس وتحقيق حاجات الناس مادياً ومعنوياً، وتحقيق حالة وطنية جامعة، يُسهم بشكل كبير في الوقوف أمام النزاعات والصراعات على النفوذ والسلطة، ويؤمّن الاستقرار بشكل كبير لكي ينطلق المجتمع في رحاب العلم وآفاق المعرفة، لتحقيق التطلعات في مجال التنمية والرفاه والازدهار.

إن التجارب العالمية وما وصل إليه العقل البشري من نماذج على صعيد بناء الدول وتنظيمها قد لا يكون بطبيعة الحال النموذج الأمثل، وليس هو نهاية المطاف، ولكنه بلا شك يمثل علامة فارقة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الفارق الكبير بين ما تحقق على صعيد الدولة الحديثة التي أخذ بها البعض من المجتمعات في عالم اليوم والتي تشكل حالة متقدمة في قدراتها وأنظمتها وإمكانياتها، ولا يحتاج أي مراقب لمزيد من الجهد لكي يلاحظ الفارق بينها، وبين مجتمعاتنا التي لا تزال حتى اليوم تعاني من غياب الدولة، و إن وجدت بالشكل والصورة والادعاء، ولكنها - والحقيقة ينبغي أن تقال- فارغة من المضمون.

 وفي عالم اليوم الذي اختزل المسافات والمساحات الزمانية والمكانية إلى درجة أصبح يقال إن العالم تحول إلى قرية كونية صغيرة، فإننا لسنا بدعاً من المجتمعات، ولا ينبغي أن نكون بدعاً من الأنظمة والدول، وإنما ينبغي أن نتعلم ممن حولنا، خاصة ونحن الأضعف والأحوج، وأن نعتبر مما استفاد منه غيرنا فوصلوا إلى ما وصلوا إليه في شتى المجالات، وأن نعمل على الارتقاء بنظامنا السياسي لكي يتحول إلى دولة حديثة تتشكل فيه السلطة من خلال نظام قائم على تداول سلمي للسلطة، ونظام سياسي يقوم على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويكون فيه الناس هم المحور الأساسي من خلال شراكة سياسية حقيقية في صناعة القرار تؤمن للناس سبل الحياة الحرة الكريمة.

 

 الحاجة الى التضحيات والتنازلات

إن قيام الدولة بحاجة إلى الكثير من التضحيات والتنازلات والتفكير المشترك الذي يقود إلى عمل مشترك بين كافة الفرقاء والمتصدين على صعيد الواقع السياسي بعيداً عن مواقعهم ومواقفهم، ولا بد لنا من الخروج من واقع قد يراه البعض «مأزوماً» بينما ينظر إليه آخرون على أنه طبيعي ولكن الأكيد انه واقع «جامد» إذ ليس من الطبيعي ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين لم نصل بعد إلى درجة من القدرة على إدارة متقدمة لمجتمع صغير ضمن حدود جغرافية صغيرة أيضا، ولكن مشاكله وصل بها الحال إلى أن تتحول إلى قضايا أبعد من محلية وداخلية فأصبحت حديث القاصي والداني، إن كان في مجال حقوق الإنسان في البحرين، أو في مجال حاجات المواطن البحريني؛ سكناً ومعاشاً، وغيرها.

 إننا بحاجة للقيام بخطوات سياسية وإعلامية لتسليط الضوء على عنوان رئيسي هام ومؤثر في واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو الدولة ومكوناتها ومتطلباتها، ومقارنة الواقع الذي نعيشه من دون خجل أو تملق أو خوف، حتى لا نبقى حبيسي الأزمات والجمود والمبررات التي تلعب على وتر العواطف والمشاعر، ثم ليس وراء ذلك أي حراك أو نتائج في الحاضر ولا في المستقبل المنظور، وأنا أدعو الجميع لاستثارة عقولهم وأذهانهم بعيداً عن التعصب أو الانحياز، لكي نصحح المسارات في بلادنا من أجل مستقبل واعد لنا ولأجيالنا القادمة.


ارسل لصديق