مقدمات قبل الإنفتاح على ثقافة الحوار
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2017/09/06
القراءات: 21

الحوار قضية سامية وحالة أخلاقية متقدمة ولكن لكي يكون الحوار سلوكاً وسمة طبيعية من دون تكلف فإنه بحاجة إلى قابلية نفسية ومعنوية وذلك بحاجة إلى ثقافة واعية تعمل على صياغة السلوك وترشد التعامل مع الآخرين من دون أية حواجز مادية أو نفسية تقف حائلاً دون الانفتاح على الناس ومحاورتهم والتواصل معهم، فتتقارب المسافات مهما بعدت وتتلاشى المسميات والمواقع التي يرى فيها البعض امتيازاً ومفاضلة بينه وبين الآخرين

إن الله تبارك وتعالى ألغى كل المسافات والفواصل أمام عباده حتى قال عز وجل: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (سورة البقرة: 186]، وجعل رحمته تسع كل شيء وأبوابه مفتحات للسائلين وأعطى من سأله ومن لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة ولم يكتف ربنا عز وجل بل أرسل ملائكة حفظة وداعية ومسددة وخاطب عباده في حديث قدسي «يا عبادي إني لم أخلقكم لكي أربح عليكم بل لتربحوا عليّ».

 ومع أنه عز وجل أعطى الإنسان العقل امتيازاً وتفضيلاً على سائر المخلوقات، إلا أنه تبارك وتعالى أرسل الأنبياء والرسل  لكي يتواصلوا مع عباده وينوروهم ويرشدوهم من خلال استثارة العقول ومن دون قسر أو إكراه وأرسل معهم الكتب هداية ونوراً وتبياناً وعلى رأس ذلك القرآن الكريم هذه الكلمات الإلهية من الله عز وجل للإنسان في حوار بديع ومؤثر ومع كل  ذلك فان الكثير من الناس لا ينفتحون على هذه الثقافة الربانية السامية فيفقدون أجمل ما في هذه الحياة وهي لغة الحوار والتواصل ولذلك تنشأ الخصومات والنزاعات وتسود الكراهية بدلاً من الحب والاحترام والتفاهم.

 إننا فعلاً بحاجة للانفتاح على ثقافة الحوار ولكن علينا قبل ذلك أن نتحرر من أغلال الكبر والاستعلاء والتباهي فربما رأى البعض نفسه رجلاً فنظر بدونية إلى المرأة وجعل منها أقل شأناً وأعطى لنفسه الأفضلية كونه رجلاً حتى لو كان جاهلاً وهي متعلمة أو خاملاً وهي عاملة.

وبين رؤيتين قاصرتين ضاع الحوار على الصعيد الاجتماعي أو الزوجي بالنسبة للمرأة فكثير من الرجال لا يرون أهمية في الحوار مع نسائهم و لربما حتى بناتهم ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل إنك قد تجد كثيراً من العوائل في مجتمعاتنا تعاني من غياب الحوار فيما بينها فضلاً عن غيابه مع الجيران والآخرين فتنعكس هذه الثقافة الجامدة مفاصل الواقع الاجتماعي والسياسي والتعليمي ولذلك فليس غريباً أن تجد معلماً في مدرسة لا يعرف كيف يتحاور مع تلاميذه أو مدير مدرسة مع المدرسين في مدرسته أو مسؤولاً مع موظفيه أو وزيراً مع الناس في دائرة اختصاصه أو عالماً مع الناس من حوله أو نائباً مع ناخبيه أو حاكماً مع شعبه أو رئيس حزب أو جمعية مع أعضاء حزبه أو جمعيته وهكذا؛ والعلّة في ذلك هو غياب ثقافة الحوار التي لا يعترف بها البعض لمبررات غير مقنعة وغير معقولة قد ترتبط بالعادات والتقاليد الاجتماعية أو الأعراف السياسية.

إننا بحاجة إلى إعادة النظر في ثقافات موروثة أو مصطنعة فرضت نفسها على واقعنا فجعلتنا نعيش حالة «الضدية» و«الكيدية» أو «التهميش» أو «الإقصاء» بدلاً من التفكير في «التواصل» و«التكامل» و»التقاطع» وهنا دعوة صريحة لإعادة النظر من جديد والعمل على صياغة ثقافة حية قوامها الحوار الحر الذي يحفظ لكل فرد حقه رجلاً أو امرأة حاكماً أو محكوماً بعيداً عن اللون والجنس وكل أشكال التمييز والتفاضل ولنا في كلام الله عز وجل في القرآن الكريم كتاب الحوار والعلم والقيم الحيّة النموذج الأرقى والأسمى حيث يقول ربنا عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، (سورة الحجرات: 13).


ارسل لصديق