تأملات في دعاء العهد ... سرّ الحثّ على طلب رؤية الامام المنتظر
كتبه: ماجد الصفار
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 43

كان الكلام في العدد الماضي عن التأهيل العسكري استعداداً لنصرة الإمام الحجة، عجل الله فرجه، وما يرمز اليه هذا التهيؤ «.. مُؤْتَزِراً كَفَنى شاهِراً سَيْفي..» وما فيه من تلبية دعوة الداعي، وامتثالاً للأمر وطاعة صاحب العصر والزمان.

بعد هذا التوسل، نتوجه إلى فقرة:

«اَللّـهُمَّ اَرِنيِ الطَّلْعَةَ الرَّشيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَميدَةَ، وَاكْحُلْ ناظِري بِنَظْرَة منِّي اِلَيْهِ»، ولكن؛ لماذا يطلب الداعي رؤيته، عجل الله فرجه، مع ان توسله بالله - تعالى- بان يجعله من انصار الامام، والممتثل لأوامره، فإنه يتضمن رؤيته، عجل الله فرجه، كذلك بالفعل لا بالرؤيا؟

يتضح أن رؤية الإمام بغض النظر عن موضوع النصرة وسواها؛ تظل ذات اثر نفسي وروحي وعقلي وعبادي بالنسبة الى قارئ الدعاء، فاذا كان (النظر الى وجه العالم عبادة)، فكيف بالنظر الى الامام المعصوم، ولاسيما؛ كلمات الدعاء لها اثرها في تثبيت موضوع أو مفهوم الدعاء في الذهن.

ماذا يستخلص قارئ الدعاء من (الطَّلْعَةَ الرَّشيدَةَ وَالْغُرَّةَ الْحَميدَةَ) في طلب الداعي لرؤية الامام، عجل الله فرجه، مع العلم أن أياً منّا حينما يرى الآخر يتضح له ملامح وجهه وهو المرئي عادة؛ فمن خلال بيان دلالة النظر إليه، عجل الله تعالى فرجه، من هذا الجانب، يتبين لنا ما يظهر من ملامح الإمام ورؤيته الحقيقية، التي تبعث في النفس سروراً وثقة وأمنا وروحاً ووجداً خاصاً.

لذا أطلق الدعاء صفة (الرُّشدَ) أي ظهور الحق، مقابل (الغي) أي خذلان الباطل، إذن؛ طلعة الامام ليست مجرد ملامح، بل إنها مرتبطة بما هو حق مقابل الباطل، و﴿إن الباطل كان زهوقا.

وأما سمة (الْغُرَّةَ الْحَميدَةَ)، وهي غير الطلعة، حيث ان الفارق بين الطلعة وبين الغرة، ان الطلعة تعني: ظهوره، عليه السلام، بعد غيابه، أما الغرة، لغة: «كلّ ما بدا لك من ضوء أو صبح»، وهي ملاحظة وجه الإمام البارز، فإن الدعاء وصف الطلعة بانها رشيدة، أي؛ ظهور الامام، عجل الله فرجه، لإصلاح المجتمعات الفاسدة؛ بينما نجد ان الدعاء وصف الغرة بانها حميدة، وهي: الملمح البارز من الشخصية وتميزها عن الآخرين من حيث انهما رمزان لظهور الامام، عليه السلام، بعد الغيبة، وللتعرف على شخصيته، من حيث ان الطلعة ترمز الى الظهور، والغرة ترمز الى تعريف الشخصية.

من ثم نتابع بقية الدعاء:

(وَاكْحُلْ ناظِري بِنَظْرَة منِّي اِلَيْهِ)، تُرى! ماذا يقصد الإمام الصادق، عليه السلام، من هذه الاستعارة الجميلة؟ وماذا يستهدف من النظر؟

الاستعارة التي نسجها الدعاء، للتعبير عن هذه الدلالة التي عبر عنها الدعاء، وكلنا يعرف بان مادة الكُحل تستخدم لتجميل العين وتزيينها، وايضاً لما فيه الفوائد الصحية على العين، وهذا ينطوي على المعنى ذاته في رؤية الإمام، من ان نظرتنا اليه، عجل الله فرجه، من خلال طلعته، ثم غرته، تحقق لنا مزيداً من الراحة النفسية والفائدة الجمّة التي نتطلع اليها، انها النظرة العائدة علينا بالبركة واليمن، والتي تملأ قلوبنا بالنور، وبالدفء والسكينة والنقاء.

وهذه النظرة تتداعى في أذهاننا عطاء الله - تعالى- في اصطفائه لمحمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ولذريته، ومنهم إمام العصر، عليه السلام، وانعكاس ذلك كله على مجمل مشاعرنا الوهاجة المنتظرة لظهوره الشريف ومشاهدة حركته الإصلاحية العظيمة، ومن ثم؛ وراثة عباد الله للأرض.

نشرع - إن شاء الله تعالى- في العدد القادم بفقرة جديدة وهي «وَعَجِّلْ فَرَجَهُ وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَاَوْسِعْ مَنْهَجَهُ وَاسْلُكْ بي مَحَجَّتَهُ، وَاَنْفِذْ اَمْرَهُ وَاشْدُدْ اَزْرَهُ» وما هي علاقتها بالفقرة السابقة.


ارسل لصديق