الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جمال الدين مكي العاملي - نسبة الى جبل عامل في لبنان - والمعروف بالشهيد الأول
الفقيه الذي ترك آثاراً واضحة على الفقه الشيعي تجديداً وتطويراً وتنقيحاً
كتبه: مصطفى الطرفي
حرر في: 2017/09/06
القراءات: 21

من أبرز مؤلفاته؛ كتاباً ضمّ جميع المسائل الشرعية وبشكل مضغوط جداً، معروف في الأوساط الحوزوية باسم «اللمعة الدمشقية»، يتميز بروعة التعبير ومتانة الاستدلال وتركيز الدليل وتجنب الخوض في المناقشات المطولة للآراء، مع جمال العبارة وسباكتها. والمثير في أمر هذا الكتاب أن الشهيد ألّفه خلال مدة حبسه في قلعة الشام، واستغرق وقت التأليف سبعة أيام فقط! وما كان بين يديه سوى كتاب «المختصر النافع»، وحسب المصادر، فقد ألف الكتاب بطلب من «علي بن المؤيد» ملك خراسان الشيعي، وذلك قبل شهادته بأربع سنوات، إضافتاً إلى الكثير من المؤلفات التي اتخذة مراجع.

 

 نشأته ومسيرته العلمية

ولد الشهيد الأول عام 734 للهجرة، في قرية جزين في جبل عامل، والدته سيدة علوية من آل معية في العراق، أما والده الشيخ أبو محمد مكي بن محمد بن حامد العاملي الجزيني فكان من تلامذة الشيخ نجم الدين طومان.

لم يكتفِ الشهيد الأول بالعلوم التي تلقاها في مسقط رأسه (جزين) وإنما تجاوزها إلى البلاد الاسلامية الأخرى في ذلك العهد، وهو لم يتجاوز السابعة عشر من العمر، وكان أبرز محطات الهجرة؛ الحلة لينهل من العلوم فيها، حيث كانت حينها من أهم الحواضر العلمية في العالم الاسلامي بشكل عام، والشيعي بشكل خاص.

 

 إنجازاته

يعود الفضل في فكرة «وكلاء مراجع الدين» الى هذا العالم المجاهد والفذّ، فإلى جانب عطاءه العلمي الغزير وجهوده الجبارة لنشر علوم أهل البيت وتربية الطلبة وتشييد المدارس الدينية، فكّر في تنظيم علاقة الأمة بالفقهاء والعلماء من خلال شبكة الوكلاء الذين ينوبون عن الفقهاء في تنظيم شؤون الناس لدينهم ودنياهم، وبهدف جمع الحقوق الشرعية ثم توزيعها على مستحقيها وفق رأي الفقيه.

ومن جملة إنجازاته؛ تأسيسه مدرسة جزين العلمية إبان استيلاء الأيوبيين على الحكم في مصر، وبعد تدميرهم للدولة الفاطمية، فكان أن تعرضت الحواضر العلمية الشيعية لحالة من الضمور الكبير في مصر والشام.

تميّز الشهيد الاول بانفتاحه وموضوعيته طلباً للعلم والمعرفة أينما كانت.

فكان أن روى عن أربعين شيخاً من علماء أهل السنة في مكة والمدينة وبغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم، وكان على صله وثيقة بالاتجاهات العلمية السنية، وعلى معرفة تامة بآرائها وأفكارها، كما كان على صلة وثيقة، ومعرفة تامة بمشيخة الرواية والفقه والكلام عن أعلام السنة، مما يدل على أنه في أسفاره كان يخالط كثيرا من أقطاب المذاهب الإسلامية الأخرى، ولم يكن ممن ينطوي على نفسه.

 

 فتنة اليالوشي واستشهاد الشيخ

كان اضطراب الوضع السياسي والاجتماعي في البلدان الإسلامية يحمل نواة ظهور بدع في التفكير والعقيدة، فقد ظهر في جبل عامل شخص يسمى محمد الجالوش، أو محمد اليالوش، نسبة إلى قرية برج يالوش، الأمر استدعى موقفاً حازماً من الشيخ الشهيد دفع بإزائه حياته ثمناً له.

بدأ هذا الشخص بالدعوة إلى مذهب يغلب عليه طابع التصوف والاعتقاد بوحدة الوجود، ويذهب البعض إلى أنه ادّعى النبوة، ويبدو من المصادر التي تتحدث عنه، أنه كان خطيباً متكلما ولبقاً، حلو البيان ومشعوذا ايضاً، استطاع أن يجتذب إلى دعوته أناساً من السذج.

فاربك الوضع الاجتماعي والثقافي، فخاف الشهيد أن تشيع هذه البدعة الجديدة، ويتسع إطارها فاتصل بالبلاط واقنع السلطة الحاكمة بضرورة التصدّي للأمر قبل استفحاله، فجهزت حكومة دمشق - من المماليك - جيشاً، واصطدموا بمعسكر اليالوشي بالقرب من النبطية الفوقا، فقتل اليالوشي وتمزق شملهم.

إلا أن هذه الهزيمة لم تكن كافية للقضاء على هذه الظاهرة فقد انتقلت زعامة الدعوة الجديدة بعد مقتل اليالوشي إلى شخص من اتباعه يدعى؛ تقي الدين الجبلي أو الخيامي من أهالي الجبل، ومن بعد وفاته تولى الزعامة شخص آخر يدعى يوسف بن يحيى، وكان لهذين الرجلين يد طولى في مقتل الشهيد الأول وذلك بالوشاية عليه عند «بيدمر» حاكم دمشق، وقضاة بيروت وحلب ودمشق.

وكان أثر هذا التحامل من جميع الأطراف على الشهيد الأول، فتعرض للاعتقال والتعذيب بسبب وشاية من رجال اليالوشي الذين كتبوا محضرا يشتمل على مقالات شنيعة بحق الشهيد، اتهموه بميله للنصيرية، وإباحته الخمر، وغيرها من الافتراءات بهدف التخلص منه.

استشهد - قدس سره - في الثامن من جمادى الأولى سنة 786هـ في عهد السلطان برقوق، وبفتوى من القاضي برهان الدين المالكي، وعبّاد بن جماعة الشافعي، بعد أن قضى عاما في السجن بقلعة الشام؛ وانتهى الأمر بقتله بالسيف ثم صُلب و رجم، ثم أحرق، ونال بذلك لقب الشهيد.


ارسل لصديق