قراءة تاريخية في الذكرى الاليمة لسجن الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع)
النور السجين
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2012/10/29
القراءات: 6657

روى السيد هاشم معروف الحسني في كتابه "سيرة الائمة الاثني عشر" ج 2 ص 328: ان المهدي العباسي استدعى الإمام الكاظم عليه السلام، وعرض عليه أن يرد فدكاً اليه فرفض الإمام عليه السلام قبولها، ولما ألحّ عليه المهدي، قال عليه السلام: لا أقبلها الّا بحدودها، ولما سأله المهدي عن حدودها،  قال عليه السلام: الحد الأول: عدن.. فتغير وجه المهدي، لكن الامام واصل كلامه قائلاً: والحد الثاني : سمرقند.. فأربد وجهه.. فلم يعبأ به الامام، وخاطبه بلهجة الواثق: والحد الثالث أفريقية.. ولم يمهله المهدي حتى سأله بأضطراب واضح : والحد الرابع؟! فقال عليه السلام، وهو لا يزال محتفظاً بهدوئه ولهجته المطمئنة: سيف البحر ما يلي الخزر وأرمينية..

فلم يتمالك المهدي وهو يسمع الحد الرابع، إلا أن قام والغضب يعلو وجهه، وقد فهم مقصود الامام، فقال له: لم يبق شيء، فتحول الى مجلسي..! فأجابه الامام بلهجة المنتصر: لقد أعلمتك بأني إن حددتها لم تردها.

أول ما يُلاحظ من هذه المحاورة بين خليفة عباسي وإمام من إئمة أهل البيت عليه السلام، هو البون الشاسع والنظرة المتناقضة لمفهوم الخلافة عند الجانبين، فهذا المفهوم عند العباسيين، لم يختلف من خليفة الى آخر، إلّا باختلاف وتعدد الوسائل القمعية والوحشية التي قامت عليها سياستهم الدموية. وقد امتلأت كتب التاريخ بجرائمهم وموبقاتهم، وأدنى مراجعة لتاريخهم الاسود، يُستشف منها أبشع وأسوأ صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي، فمفهوم الخلافة عند العباسيين لا يعدو مفهوم السلطة والتجبّر والقتل والتشريد والاستبداد والاستيلاء على مقاليد الحكم بشتى الوسائل، ورفع شعار "الملك عقيم"، إذ لم تقتصر الجرائم التي ارتكبها العباسيون على أهل البيت عليهم السلام، وشيعتهم وإن كان النصيب الاوفر من هذه الجرائم قد ارتكبت بحقهم، بل طالت جميع المسلمين، بل وحتى من يتخوفون منه من العباسيين أنفسهم.

 

المنهج الذي أثار كوامن العباسيين

 يقول الخوارزمي عن المنصور : "الذي لم يتورع عن قتل ابن أخيه وعمه عبد الله بن علي وأبي مسلم مؤسس دولته"، و روى الصدوق في "عيون أخبار الرضا" (ج 1 ص 91) ان هارون العباسي قال لإبنه المأمون : "والله لو نازعتني هذا الامر لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم"، لذا نجد المأمون قد استثمر هذه المقولة التي تماهت تماماً مع نزعته الدموية، فلم يتورع عن قتل أخيه الأمين، ولو كان الامين هو المنتصر  لفعل ما فعل أخوه.. هذا هو مفهوم الخلافة عند بني العباس، الوصول الى السلطة بشتى الوسائل وحكم الناس بالقهر والجور والاستبداد وهتك الحرمات.

لكن ما هو هذا المفهوم عند الامام الكاظم عليه السلام؟

لو رجعنا الى تاريخ أهل البيت عليهم السلام، نجد هذا المفهوم متجلياً في أقوالهم وأفعالهم على السواء.. نجده في قول أمير المؤمنين عليه السلام لابن عباس عندما رآه يخصف نعله وهو في طريقه لحرب الجمل، فينكر ابن عباس أن يكون هذا الفعل في هذا المقام، فيبادره الامام بالسؤال: ما قيمة هذه؟ فيكون جواب ابن عباس بان لا قيمة لها، فيأتي جواب الامام عليه السلام ليبين المفهوم الحقيقي للخلافة ويوضح أهدافها السماوية التي تجسد الخير والاحسان واصلاح الانسان وخلق مجتمع فاضل فيقول له: "والله انها أحب اليّ من إمرتكم، إلّا أن أقيم حقاً وأدفع باطلاً"، كما نجد هذا المفهوم في الشروط التي وضعها الامام الحسن عليه السلام على معاوية، والتي تنهاه عن سفك دماء الابرياء والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتجلى هذا المفهوم بأروع صوره في نهضة الامام الحسين عليه السلام بقوله: "ما خرجت أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"، كما تجلى هذا المفهوم في سلوك الائمة عليهم السلام، كلهم ومنهم الامام موسى بن جعفر عليه السلام، فالخلافة لم تكن في مفهوم أهل البيت، سلطة بقدر ما هي مسؤولية وواجب تجاه الامة وقيادتها، وفق أحكام الاسلام الحقة التي جاء بها خاتم النبيين صلى الله عليه وآله، وصونها من الزيغ والانحراف، وهذا الامر لا يتأتى لأحد سوى الائمة الذين اختصهم الله بوحيه ونص عليهم الرسول الاكرم، وقرنهم بالكتاب وهذا ما قصده الامام الكاظم عليه السلام في جوابه للمهدي.

وقد أثار منهج الامام وسيرته حفيظة العباسيين، فبقي عليه السلام، طيلة حكم المهدي تحت الرقابة الشديدة، وقد استدعاه المهدي الى بغداد أكثر من مرة وسجنه وعزم على قتله، فكان الامام ينجو بدعاء يدعوه. وفي عصر الهادي عاش الامام عليه السلام حادثة فخ الأليمة، وما جرى على أهل بيته من المآسي، فكان عليه السلام يتلوّى ألماً على هذه الحادثة، وعبّر عنها بقوله عليه السلام: "لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ".

 

في مدرسة السجن

وأما السنين التي قضاها الامام في عصر هارون فكانت أسوأ ما مرّ عليه في حياته، فقد سخّر هارون أجهزته لمراقبة الإمام ورصد حركاته وسكناته وكثرت العيون والجواسيس حوله ولعل أشد ما قاساه الامام من ذلك، انه كان من ضمنهم أقرب الناس الى الامام، يقول المرجع الديني السيد محمد تقي المدرّسي في كتابه "التاريخ الاسلامي"، ص193: (لكي تتمكن السلطات العباسية من الحصول على المعلومات فقد بذلت من أجل ذلك الكثير من الأموال لشراء الذمم حتى ذمم بعض العلويين". و روى الكشي والكليني ان محمد بن اسماعيل دخل على هارون العباسي وقال: "ما ظننت ان في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة.. فأرسل اليه هارون مائة الف درهم، فرماه الله بالذبحة، فما نظر منها الى درهم ولا مسّه".

وهذا ما أثار كوامن حقد هارون على الامام الكاظم عليه السلام، فهو يعلم قبل غيره ما يشكله الامام من مصدر خطر عليه، ومكانته العظيمة في نفوس الجماهير التي تكوّن قاعدة شعبية واسعة، فصمم على اعتقال الامام واستدعائه من مدينة جده رسول الله، فذهب بنفسه الى المدينة، في طريقه الى الحج فأمر جلاوزته بالقبض على الامام، وأمرهم ان يتوجهوا به الى البصرة، وأمر عيسى بن جعفر المنصور الذي كان والياً من قبل هارون بسجنه، فبقي الامام سنة في سجن عيسى، حتى أمره هارون بقتله، لكن عيسى امتنع وكتب اليه كتاباً مضمونه انه لا يستطيع قتل رجل يقضي ليله بالعبادة، ويصبح صائماً، وطلب منه أن يرسل من يتسلم الامام منه أو يخلي سبيله، فأرسل هارون من تسلّم الامام من عيسى ليودعه عند الفضل بن الربيع، فقضى الامام عنده مدة طويلة، لا يصرف وجهه عن المحراب، ثم أمره هارون بقتل الامام، فأبى الفضل بن الربيع، فكتب اليه بتسليمه الى الفضل بن يحيى البرمكي، فتسلّمه منه و وضعه تحت المراقبة الشديدة، ثم وسع عليه وأكرمه فبلغ ذلك هارون، فأمر الفضل بقتله فأبى الفضل، فاغتاظ هارون وأمر السندي بن شاهك بضرب الفضل بين يديه مائة سوط، وأراد قتله فتوسط يحيى بن خالد البرمكي والد الفضل في تخليص ابنه منه وسلّم الامام الى السندي الذي ضيق عليه، وقد جرت اثناء سجنه عليه السلام محاولات كثيرة من قبل هارون للانتقاص من قدر الامام واخرى لاخضاعه وانتزاع اعتراف منه بشرعية الخلافة العباسية لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، منها، ارسال جارية حسناء، الى الامام على أمل إغرائه..! ولما ذهب هارون ليتفحص الامر، وجدها ساجدة خلف الامام وهي تقول "قدّوس، قدّوس"، فقال هارون : سحرها موسى بن جعفر..!

كما حاول هارون، بعد ان صار فضل الامام وعبادته حديث الناس، أن يبرر فعلته الشنعاء بإطلاق سراح الامام، بمجرد أن يسأله العفو فيكون ذلك اعترافاً من الامام بالذنب، ومن ثم يستطيع هارون التشهير بالامام، ولكن هارون نسي أو تناسى ان هذه النفس الأبية لا يمكن ان تخضع وتطلب العفو إلا من بارئها. روى اليعقوبي انه قيل للإمام موسى بن جعفر، بعد أن مكث مدة طويلة في سجن هارون: لو كتبت الى فلان ليكلم هارون فيك فقال: حدثني أبي عن آبائه أن الله أوصى الى داود: "ما أعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني إلا قطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته". والعجيب ممن يطلب ممن قرن الله طاعته بطاعته، أن يطلب من يتوسط له عند طاغية كهارون !

وانتشرت معاجز الامام ومناقبه وكراماته حتى في بيوت سجانيه، فكان مصدر قلق للسلطة وهو في سجنه، واصبح الكثير من عُرفوا ببغضهم لآل علي بن أبي طالب، موالين للإمام، لما رأوا من تقواه و ورعه، مثل أخت السندي، وخادمه بشار، والمسيب بن زهرة، الذي اذا أراد المنصور شراً برجل أمر بتسليمه اليه، لكن لما أوكل اليه حبس الامام الكاظم عليه السلام أصبح من مواليه، وصار يناديه بــ " سيدي"، كل تلك الامور تجري أمام هارون أو تنقل اليه عن طريق العيون فيزداد غيظاً وغماً.

فلم يكن أمام هارون، بعد ان تغلغل حب الامام الى الكثير من رجال دولته، وقادة جيشه بل وحتى غلمانه وجواريه، إلّا الحد من هذه السلطة الروحية والخلافة الالهية التي يتمتع بها الامام، ليحافظ على سلطته القمعية وخلافته المزيفة، وليس من سبيل الى ذلك سوى قتل الامام فسولت له نفسه الخبيثة، تلك الجريمة النكراء  بدس السم الى الامام فبقي عليه السلام ثلاثة أيام، ثم قضى نحبه ملتحقاً بالرفيق الاعلى مع آبائه الطاهرين.


ارسل لصديق