الحوزات العلمية.. قلاع وحصون المجتمع امام الغزو الثقافي
كتبه: علي عبد الحسين
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 1056

الحضارات والشعوب وعلى مر التاريخ تفتخر وتعتز بقيمها وثقافتها، وفي نفس الوقت الذي ترغب فيه بديمومة تلك القيم والثقافة وبقاءها حية تنبض ومعطاء ليستلهم منها الناس ما يريدونه في حياتهم، فانها تسعى ايضا بكل ما اوتيت للحفاظ على هذه التركة الحضارية والمباهاة بها امام العالم.

الحضارة الاسلامية انفردت بوسائل عديدة جعلتها تسمو وتتألق بل وتبسط اجنحتها في العالم على مر القرون الماضية، من تلك الوسائل الحوزات العلمية الطامحة دائمة لتطبيق تعاليم الاسلام وسيرة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله واهل البيت عليهم السلام، واذا اردنا ان نجدد حضارة الاسلام لابد من الاهتمام بهذه الحوزات ونستمد منها القوة والتعاليم والتوجيهات لحياتنا، هذه التوجيهات التي استطاعت الحوزات عبرها المحافظة على جوهر الاسلام وروحه خلال الانعطافات التي شهدها المسلمون على امتداد الف واربعمائة عام، ففي الوقت الذي كان المسلمون يتعرضون لغزو ثقافي ادت بهم الى انحرافات باتجاهات مختلفة ومنزلقات خطيرة، كانت الحوزات العلمية تتحدى وتقاوم وتبلور النظرية الاسلامية الصحيحة وبالتالي فانها كانت تحافظ على جوهر الاسلام.

على سبيل المثال فمنذ اكثر من الف عام غزت البلاد الاسلامية التيارات الفكرية والفلسفية الغريبة سواء من غرب العالم أم شرقه، فمن الغرب زحفت تيارات يونانية وافكار فلسفية واغريقية سبق وان ادخلت في الديانتين اليهودية والنصرانية افكار الشرك، مثل الاقانيم الثلاثة في النصرانية، ونقصد هنا النصرانية التي يتبرأ منها المسيح عليه السلام، وكذلك – بالنسبة لليهودية – فكرة الجحود وان يد الله تعالى مغلولة، وان عزير ابن الله.

هنا يطرح التساؤل التالي: ترى من الذي تولى مهمة المحافظة على الاسلام في مواجهة التيارات الفكرية والفلسفية، على الاقل بيننا نحن اتباع اهل البيت عليهم السلام؛ الجواب هو، الحوزات العلمية؛ اقرأوا مثلاً، كتاب (الكافي)، هذا الكتاب العظيم الذي يفترض ان يدرس في الحوزات العلمية وان يكون الاستاذ مجتهدا او قريبا من الاجتهاد وعارفا ببصائر القرآن الكريم، من خلال مطالعة الكتاب يتضح انه انما ألف – كما يقول المؤلف نفسه – لمقاومة التيارات الدخيلة ومنها الفلسفة اليونانية، وهذا ما يشير اليه الكثير من المؤلفين الذين أرخوا للشيخ الكليني وكتابه (الكافي).

واذا نظرنا الى التاريخ الوسيط نجد ان الافكار الشرقية مثل التصوف والاشراق تسربت مرة اخرى من الهند الى البلاد الاسلامية لتنمو وتتماوج مرة اخرى في بعض البلاد الاسلامية مثل ايران ومصر، فمن الذي قاوم وتصدى لهذه الافكار؟، انها الحوزات العلمية متمثلة في العلامة المجلسي - رضوان الله عليه- ووالده في فترة من فترات تاريخنا، فقد كتبا شرحاً على (الكافي) سمي بـ (مرآة العقول) ثم الف العلامة المجلسي الابن تلك الموسوعة الاسلامية العظيمة التي لم نجد لها نظيرا لحد الآن وهي موسوعة بحار الانوار، ومن تلاميذه الشيخ البحراني والعلامة نعمة الله الجزائري وآخرون انكبوا على تأليف الكتب حتى يقال ان احدهم ألف كتابا يفوق (بحار الانوار) من ناحية الحجم بعدة اضعاف.

وفي تاريخنا المعاصر ايضا وقفت الحوزات العلمية ومازالت تقف في مواجهة الافكار التي نفذت الى بلادنا مرة عبر الغرب من خلال الافكار المادية ومرة عبر الشرق متمثلة بالافكار الماركسية، ومن ابرز من قاموا بهذا الدور في مدينة النجف الاشرف جماعة من العلماء يقف في طليعتهم العلامة الشيخ محمد رضا المظفر، وفي مدينة كربلاء المقدسة قام بهذا الدور آية الله العظمى الامام السيد محمد الشيرازي (قدس سره) وآية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي وآخرون، وفي مدينة قم تولى هذه المهمة العلامة الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي والشهيد آية الله الشيخ مرتضى المطهري وغيرهما ممن مايزالون يدافعون عن حياض الاسلام.

وبما ان الحوزات العلمية ليست معصومة من الخطأ ولم تبلغ مرتبة الكمال المطلق لابد من المحافظة على هذه الحوزات بالتنمية والتطوير باتجاه التكامل لتحقيق الهدف الاسمى وهو بناء الحضارة الاسلامية، ومن اجل ذلك لابد من التفكير بنشر الحوزات العلمية في بلاد مختلفة من عالمنا الاسلامي، ولابد من تأسيس المعاهد الدينية في ارجاء البلاد الاسلامية وفق تلك القيم الاسلامية التي طبقتها الحوزات العلمية في مراكز انطلاقها، فكما ان الغربيين استفادوا من مدارسنا لبناء حضارتهم عندما جاؤوا الى بلادنا وحملوا العلم والمعرفة الى بلادهم، علينا نحن الاستفادة من الحضارة الغربية - في اطار القيم والتعاليم الاسلامية – في بناء حضارتنا، وذلك من خلال الاستفادة من النقاط الايجابية الموجودة عندهم لاسيما في مجال العلوم والتكنولوجيا وصب تلك المنجزات والمكتسبات في مسيرتنا الحضارية.

 

الإستفادة من الزمن

ومن الخطوات الاخرى على طريق التنمية والتطوير الاستفادة ما امكن من الوقت وعدم هدره وتضييعه، وحوزاتنا العلمية لاتتبع اساسا نظام التوقيت الغربي، بل لديها نظام خاص، فالعمل يبدأ اساسا – كما نستوحي ذلك من الاسلام – من الفجر لا حسب ساعة معينة ويستمر الى ابعد وقت ممكن كما جاء في الآية القرآنية:"فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون" (الروم – 17) وآية اخرى:"أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهوداً" (الاسراء – 78)؛ هذه الآيات تؤكد اهمية الوقت في الاسلام، فالساعات لاتحدد الانسان المؤمن كما لا تقيد طالب العلم ولا تطلب ان يدرس ثماني ساعات فقط ثم يرحل.

في حين نجد النظام الغربي يوقف الامور عند حد معين، ولايتيح للطالب الحرية الفردية الكافية، وقد انتبهت الجامعات الغربية الى ذلك فبدأوا يدخلون نظام الحرية في الدراسة من خلال نظام (الكورسات) واختيار المواد الدراسية وعبر الدراسة في المنازل في بعض المناطق، وقد كان المسلمون يتبعون هذه الطريقة منذ القدم في دراستهم، رغم انهم لم يكونوا يتمتعون بامكانات تكنولوجية إلا ان حرية الدراسة كانت مكفولة لهم، فالحوزات العلمية لم تكن تمنع الطالب عندما يكون راغباً في اجتياز المراحل الدراسية حتى التخرج خلال فترة قياسية.

هذا النظام الدراسي المتبع في الحوزات يشجع على التنافس الايجابي الحر والبناء، فالطالب يكون بوسعه تثقيف نفسه ذاتياً دون قيود من الوقت أو مرحلة العمر، اضافة الى ان نظام الحوزة يلغي الفوارق في السن فكثيراً ما يحدث ان يدرس طلاب عند اساتذة اصغر منهم سنٌاً، لان المقياس العلم وليس العمر.

 

لا مكان للفوارق القومية

ومن الفوارق المهمة التي تلغيها الحوزة العلمية، هي الفوارق القومية، فثمة عربي يدرس عند ايراني وهناك افغاني يدرٌس اللغة العربية، وهناك مثال ساطع وهو العالم الجليل محمد علي المعروف بـ (المدرس الافغاني) وكان من ابرز مدرسي الادب العربي في النجف الاشرف وقم المقدسة، فلم يكن هناك احد يقول هذا افغاني وذاك ايراني، لان تعاليم الحوزة مستقاة اساساً من الدين الاسلامي الذي يلغي القومية والاقليمية حتى لا تكون حاجزاً امام طلب العلم، كما قال الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله في حديثه:"اطلبوا العلم ولو بالصين".

في ظل أجواء كهذه يمكن الارتقاء بمستوى الحوزة العلمية لتكون صرحاً دينياً وثقافياً شامخاً في المجتمع يسهم في بناء الحضارة والانسان، طبعاً هناك عوامل اخرى عديدة تكثف وتعزز تلك الاجواء الروحية في الحوزة العلمية مثل الزهد في المعيشة والالتزام ابدا بالاخلاق الكريمة وتحقيق الاستقلالية التامة.


ارسل لصديق