الإمام الصادق [عليه السلام] مُلهم الثقافة الرسالية
كتبه: علي عبد الحسين
حرر في: 2012/11/30
القراءات: 1352

كلما تمر علينا ذكرى وفاة أو ميلاد أحد الأئمة الهداة عليهم السلام، لابد لنا من تجديد العهد مع ذلك الإمام، وأن نرتفع لنكون بمستوى اتّباعه، ونستلهم من ضياء سيرته وهدى أقواله وأفعاله وأحاديثه. ولقد امتدت فترة الإمامة للأئمة الأثني عشر عليهم السلام، على مدى مساحة زمنية واسعة نسيباً، وقد استهدف الله عزوجل إطالة هذه المدة لأجل أن يكون لكل حدث يقع في المستقبل ولكل تطور حاصل في الحياة، شريعة إسلامية ومنهج متين واضح المعالم مستوحى من سيرة أهل البيت صلوا ت الله وسلامه عليهم أجمعين.

إن الرسالة الإسلامية التي حملها نبينا محمد صلى الله عليه وآله، هي آخر وأكمل رسالة يوجهها رب السماء إلى عباده من أهل الأرض، ولذا كان لزاماً أن تحتوي هذه الرسالة على سائر البرامج والمناهج التي قد تحتاجها البشرية. ومن هنا جاء تعدد الأئمة وتعدد أدوارهم والتباين الحاصل في سيرة كل منهم. فلكل إمام سيرة خاصة به، يستلهم منها من يجد نفسه موجوداً في مثل ذلك الظرف، ومحاطاً بذات الجو والعصر وعين تلك الحقائق التاريخية التي عاش ضمنها ذلك الإمام، فحياة الإمام علي عليه السلام، هي منهج بيِّن ونور وهدى لمن يريد أن يحكم بإرادة المؤمنين وعزمهم، ثم تنقلب وتتكالب عليه القوى المستكبرة وتحاول تغيير مسار حكمه. والحسن عليه السلام، ضياء لمن يعيش اليوم في مثل عهد معاوية. والحسين عليه السلام، منار لمن يعيش اليوم في مثل عهد يزيد. وزين العابدين عليه السلام، يأتي بعد فاجعة كربلاء التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، ليضع برنامجاً في كيفية مقاومة الظالمين وتحديهم في أعتى الظروف، وذلك بوسائل مبتكرة لا يمكن للطغاة إيقافها وردعها ومقاومتها.

وكذلك الإمام الباقر عليه السلام، يأتي في مرحلة نضج الحركة الإسلامية، وحاجتها الماسة إلى وعي حضاري كاف وثقافة رسالية واضحة تتحدى بها الأمة الثقافات الوافدة والأفكار المستوردة من الشرق والغرب.

 

العلم والجهاد سلاحان حضاريان

والإمام الصادق عليه السلام، تابع مسيرة أبيه (باقر العلوم)، من بعده وفي ذات الاتجاه والمنحى، ولكن بتفصيل أكبر وبكل ما يرتبط بالدين وخاصة في الفقه الإسلامي. ولقد كان عليه السلام، يقدّم أنجح الحلول لحل كافة المشاكل المتجددة في عصره، وكذلك كان شأن سائر الأئمة عليهم السلام، انتهاءً بالإمام الحجة المنتظر عليه السلام، حيث أصبحت غيبته ومن ثم ظهوره أملاً في قلوب المؤمنين وشعلة ضياء أبدية تهب الإنسان المسلم القوة والاندفاع والعزم الشديد والايمان بمستقبل حضارة الإنسان، تمهيداً لاستقبال ظهوره المبارك.

إن لحياة كل إمام تأثيراً خاصاً به يتركه على الآخرين، ولكن هذا لا يعني أننا عندما نكون بحاجة إلى حركة جهادية فإننا لا نحتاج إلى دراسة حياة الإمام الصادق عليه السلام، وإنما نكتفي بترديد ذكرى وسيرة الإمام الحسين عليه السلام، وحسب .إن الأمر ليس كذلك، فحتى لو كنا في ظروف حادة فإننا نحتاج إلى ثقافة رسالية بقدر ما نحتاج إلى زخم جهادي ولياقة بدنية. تلك الثقافة التي نستوحيها من حياة الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.

 

التشيّع شعار وسلوك

لا ينبغي لنا أن ندّعي الاعتراف بالأئمة على أنهم إثنا عشر إماماً باللسان فقط، فهنالك مسافة بعيدة وفجوة واسعة بين الاعتراف اللفظي وبين تحول هذا الاعتراف إلى سلوك وسيرة وحقيقة، فهنالك فرق بين أن نقول نحن أتباع الإمام الصادق عليه السلام، وبين أن يقبلنا الإمام الصادق عليه السلام، أتباعاً له. فليس كل من يدّعي التشيع لأهل البيت والولاء لهم يقبله الأئمة عليهم السلام، فبالرغم من أنهم أهل جود وكرم وتسامح، لكنهم وضعوا شروطاً لمن يتّبعهم. فلا يمكننا أن نكون من أتباع الإمام ومواليه قبل أن نتعرف على شخصيته وسيرته كي نسير على خطاه.

إن من لا يملك ثقافة سليمة وصافية لا يمكنه معرفة الإمام حق معرفته، وسيكون حينئذ مقصّراً في حق هذا الإمام سواء بالإفراط أو التفريط. وهذا يعني أن الإمام قد يرفضه ولايشفع له يوم الجزاء.ولو قرأنا زيارات الأئمة وجدنا أنها تشترط المعرفة التامة بحق الأئمة. ومن هنا لابد لنا أن نتعرف على الإمام الصادق عليه السلام وان نوجد صلة حقيقية بيننا وبينه، وكذا مع سائر الأئمة عليهم السلام.

 

كيف ولدت ثقافة الإمام الصادق عليه السلام؟

لقد كان في عصر الإمام الصادق عليه السلام، - من الناحية التاريخية- حالة من الانفراج لانشغال الطغاة بعضهم ببعض، واستغل الإمام هذه الفرصة لبث الأفكار الرسالية على أوسع نطاق، حتى بلغ عدد تلاميذه أكثر من أربعة آلاف، وقد عدّهم البعض ستة آلاف تلميذ، وقد ألّـف (ابن عبد ربه) كتاباً حول أصحاب الإمام الصادق القريبين منه والمباشرين له الذين استوحوا واستلهموا علومهم من شخص الإمام مباشرة، وعدَّهم حتى ناهز عددهم الأربعة آلاف طالب علم تتلمذوا على يد الإمام عليه السلام. وكتب آخرون في هذا المضمار أيضاً، ومما كُتِبَ عنه عليه السلام أيضاً مناضراته وأحاديثه مع الغلاة والخوارج والمتأثرين بالفلسفة اليونانية والفارسية القديمة، ومناقشاته مع المذاهب المنحرفة.

هنا نستلهم من سيرة الإمام عليه السلام، فكرةً هامة وهي أنه لو وجد المرء فرصة ما فعليه ألا يضيعها، لأن استغلاله إياها سيعود عليه بالنفع والأجر الجزيل، فلو وجدنا اليوم فرصة في أرض الرافدين- مثلاً- أو في أي بلد آخر، لنشر الثقافة الإسلامية، يجب ألا نتركها تفلت من أيدينا وننتظر يوماً آخر أو نقول: (بأن الثقافة لا تجدي نفعاً)، لأننا لو فعلنا ذلك فان هذه الفرصة قد تذهب ولن تعود.. كما يقول الحديث: (الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود). وعندما نقرأ التاريخ، نجد أن الفترة التي جاءت بعد إمامة الصادق عليه السلام انعدمت فيها تلك الفرصة التي كانت سانحة في عهده والتي استغلها وأتيح له بها نشر الثقافة الرسالية المطلوبة.

 

ما حاجتنا إلى ثقافة الإمام الصادق عليه السلام؟

وهنا يبرز السؤال التالي: ما حاجتنا إلى ثقافة الإمام الصادق عليه السلام؟ الجواب: اننا نحتاج إلى تلك الثقافة الرسالية التي اشتهر بها الإمام عليه السلام للأسباب الآتية:

السبب الأول:الرؤية المشوّهة للتاريخ.

كثيرة هي الحركات التي تحمل رؤية غير صافية وغير شفافة للتاريخ. فهي لا تفرق بين علي ومعاوية، وبين يزيد والحسين.. هذه الحركات التي لا تملك تمييزاً دقيقاً وتشخيصاً صحيحاً فيما يرتبط بالتاريخ، معرضة للانتهاء. ذلك لأن هذا الفكر المشوش والذي يحمل تناقضاته في ذاته، ولا يمكنه أن يقاوم التحديات.

عندما يروّج البعض لثقافة مشوّهة، ويحاول تثقيف الناس بشكل يبرر- مثلاً- أعمال معاوية بن أبي سفيان، ومواجهته لأمير المؤمنين عليه السلام، وايضاً طريقة حكمه وادارته، ويروّج في بعض الاوساط بأنه أول «مؤسس للدولة العربية»، وجمع القبائل والشتات في دولة قوية واحدة، طبعاً تحت ظل السيف، ومع أنهار الدماء، أو القول بأن معاوية كان أذكى من يزيد عندما لم يتورط علناً في دماء أهل البيت عليهم السلام..! هذه الثقافة هي التي تجعل الانسان لا تميّز بين ذلك الإنسان الذي ضرب بسيفه بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله، وكشف به الكرب عن وجهه، وبين ذلك الذي كان طوال حياته يقاوم ويحارب الرسول ويشترك في كل الأعمال والمؤامرات العلنية والخفية ضده صلى الله عليه وآله، بل إن هذه الثقافة المشوّهة لتكاد تفضِّل أبا سفيان الذي قاد كل حروب قريش ضد الرسول صلى الله عليه وآله، على أبي طالب مؤمن قريش الذي دافع ووقف إلى جنب رسول الله، وحينما توفي هو و زوج الرسول أطلق على ذلك العام الذي توفيا فيه بـ «عام الحزن». والشاب المعاصر الذي يواجه هذا النوع من الثقافة والفكر، عليه أن يطرح السؤال التالي: ما هو الفرق بين أنظمة طغاة عصرنا وبين نظام معاوية ويزيد وغيرهما من الظالمين؟

إن هذه الثقافة التبريرية المشوهة التي حاولت تبرئة الطغاة من بني أمية وبني العباس وما أشبه، هذه الثقافة يمكنها أن تنسحب اليوم على الواقع المعاصر فتجعل التمييز والفرز بين المؤمنين الرساليين وبين الحكام الخائنين وأتباعهم، أي بين الحق والباطل، أمراً في غاية الصعوبة.

السبب الثاني: النظرة السطحية للثقافة الرسالية

حينما تكون رؤية الإنسان مستوحاة من ثقافة أصيلة صافية، تغدو مواقف الفرد عندئذ من الأحداث والأشخاص مواقف سليمة، لأن مواقفه مستوحاة من رؤاه ومن أيديولوجيته ومن ثقافته.أما من لم تكن ثقافته صافية، ولم يكن متعمقاً في الثقافة الرسالية، فإنّ مواقفه أيضاً ستكون فوضوية، تفريطية، وسطحية، أي أنه يتخذ مواقفه من الأشخاص والأحداث والقضايا السياسية وفق أهوائه، وهو بالتالي لا يمكنه أن يتخذ مواقف واضحة. فهو يعادي اليوم شخصاً، ويواليه ويحبه غداً، ويعاديه ثانية بعد غد. وتراه حينما يتحدث عن الحكومات فانه يمتدح الحكومة الفلانية اليوم ويهجوها ويتهجم عليها ويشتمها فيما بعد ذلك، لان أفكاره ومواقفه وبالتالي كلماته غير موزونة جميعاً.وهو حينما يرى الناس ينادون بالتغيير ينضم إليهم، وعندما يجدهم قد انسحبوا ينسحب معهم.. وكما يقول المثل: (من جاء به الرجال ذهب به الرجال).

أما إذا تعمَّقت رؤية الإنسان في الثقافة، فالقضية تختلف تماماً، ذلك لان مواقف الفرد ستكون سليمة وسيكون حبه وبغضه وقربه وبعده ومقدار مدحه وهجائه لكل شيء بميزان منطقي مقبول، توجهه ثقافته التي يحملها.فلا يخاطب الكافر بالمنافق ولا المنافق بالمشرك، ولا المؤمن بصفات غير لائقة، بل سيكون لكل شيء عنده حساب، وفق معايير الدين الحنيف. أما إذا كان الإنسان يعاني من ضعف في الثقافة الرسالية فإنّه سيتعرض لحالة من الفوضى والتقهقر والاهتزاز.

السبب الثالث: انتهاج منهج الثقافة المهزوزة

إذا كانت ثقافة الإنسان ثقافة واضحة فإن سلبيات العمل والمشاكل التي تعترضه تهون أمامه، لأنه قد صمم على تحقيق الهدف وهو مؤمن بالنصر، متيقن بصحة الخط الذي يسير فيه ولذا لا يتأثر بالعقبات.أما إذا كانت الثقافة مهزوزة وغير متجذّرة فان مواقفه بشكل عام تكون هي الأخرى مهزوزة، وبمجرد أن يواجه الفرد أدنى مشكلة يتهرّب ولا يوطّن نفسه على مواجهتها، لان هذا الأمر قد يخالف هوى نفسه ومصالحه الذاتية الخاصة. الأمر الذي يحدوه لمخالفة الشريعة التي تأمره بترك مصالحه الخاصة والعمل وفق العقل والإرادة. وهذا يعود إلى ضعف ثقافته الرسالية وضعف إيمانه. والقرآن يصف هؤلاء الذين يخرجون على طاعة القيادة المؤمنة الحكيمة بـ (ضعيفي أو عديمي الإيمان).

«فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما» (سورة النساء /65).

فالذي يجد في نفسه وقلبه حرجاً أو ضيقاً من أحكام الشريعة عليه أن يشكك حينذاك في إيمانه، فهنالك من الناس من يشك في خطه ومسيرته عند أول مواجهة له مع المشاكل والعقبات وبمجرد استماعه لشبهة ما، هذا الإنسان الذي تستزله الشبهات الطفيفة والمشاكل الصغيرة أو بعض الآراء المخالفة لأفكاره وعقائده والتي تحرفه عن الجادة، هذا الفرد عليه أن يعيد النظر في صلابة إيمانه.

ومن أجل أن نكون بمستوى التحدي وبمستوى الظروف التي نعيشها والصعوبات التي نتعرض لها، علينا أن نتثقف بالثقافة الرسالية الأصيلة التي نستوحيها من حياة الإمامين الصادقين محمد بن علي وجعفر بن محمد عليهما السلام. ومن أجل هذا ينبغي علينا أن نتحدّى الظروف الصعبة ونواجه مشاكل الحياة بإيمان واستقامة.


ارسل لصديق