في الفكر الحسيني
محاسبة الذات والثورة على النفس
كتبه: رضا الخفاجي
حرر في: 2013/03/02
القراءات: 1251

بعد مرور أربعة عشر قرناً على استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وكوكبة من أهل بيته الأطهار وأصحابه الميامين الأبرار في ملحمة كربلاء، تنهض مجموعة أسئلة تشغل أذهان الكثيرين من الذين آمنوا بالخط الرسالي المحمدي الأصيل، وتمنّوا لو انه كان السائد والحاكم في العالم، فماذا كان مصير هذا العالم في الوقت الراهن؟ وكيف كان يعيش؟ وهل كانت لديه مشكلات حقيقية؟

ما يدعونا الى هذا التساؤل هو مجموعة المتغيرات التي حصلت منذ وفاة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومروراً بمرحلة السقيفة وما بعدها وقيام الإمام الحسين عليه السلام بنهضته المباركة، وأسبابها ونتائجها وما تبعها من مآسٍ رهيبة عاشها شيعة أهل البيت عليهم السلام، وغالبية شعوب العالم الإسلامي في العهدين الأموي والعباسي، حيث انحرفت الغالبية العظمى من المسلمين عن خط الإسلام الصحيح، حتى وصلنا الى الزمن الحاضر، حيث التشرذم والانحطاط والاستسلام لمشاريع الأعداء، بعد أن أعلنت بعض الأنظمة السياسية السائرة في الفلك الغربي – الصهيوني، عن عجزها في التصدي لمشاريع التوسع الصهيوني والهجمة الصليبية الجديدة على أكثر من صعيد.. إذن علينا أن نبحث في الإجابة عن السؤال المذكور.. بكل موضوعية وتجرّد.

كيف كان حال الأمة لو كانت الأمور سائرة بما أوصى الله نبيه، وبما أخبره وأمره أن يخبر جميع أصحابه الذين حضروا – بعد حجة الوداع – في (غدير خم)، عندما رفع يد الإمام علي عليه السلام قائلاً: (من كنت مولاه، فهذا عليٌ مولاه.. اللهم والِ من والاه وانصر من نصره واخذل من خذله...)؟

 

المعرفة والإيمان

إن المأزق الحقيقي في الأمة الإسلامية، هو أن الجميع يعترف بمنزلة الأئمة الأطهار ويعترف بحديث الغدير، ولكنهم لا يؤمنون به في واقع الأمر. هذا الموقف يؤدي الى الانحراف عن خطّ الرسالة المحمدية الصحيح، فالأئمة الأطهار عندما يتحدثون فإنهم يسندون أحاديثهم الى آبائهم قائلين: «حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن جبرائيل عن الله تعالى...».

فهل هناك أصدق من أحاديث كهذه مسندة ومتواترة ومتصلة بالرسول الأعظم وبالوحي الأمين وبالباري جلت قدرته؟ ونحن نعلم بأنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم «لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى».

إذن المعرفة بالشيء لا تعني الإيمان به، وهذا هو المأزق الكبير الذي تعيشه الأمة الإسلامية التي تعرف أين يكون الحق، ومع من، ولكن لا تعمل به لأن الأعداء –مع الأسف الشديد – استطاعوا ومنذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،  أن يتوغلوا في الجسد الإسلامي، وأن يزرعوا الأحقاد والفتن، و يشتروا ذمم الكثيرين الذين أصبحت مهنتهم قول الزور والبهتان ونشر الأحاديث الكاذبة التي تمجد معاوية بن أبي سفيان والأسرة الأموية لقاء ثمن بخس ووجاهة زائفةٍ ولذةٍ فانية، فكان أن مُلئت كتب الحديث وكتب التاريخ بآلاف الأحاديث المزورة.

 

حقانية أهل البيت عليهم السلام

لقد استطاع أعداء الإسلام أن يفرغوا الدستور الإسلامي من محتواه الغني بالمآثر والتشريعات الحيوية عندما سيطروا على مقدرات البلاد الإسلامية من خلال مجموعة من الحكام الطارئين على شعوبهم، من الذين ارتضوا صاغرين خدمة الأجنبي من أجل البقاء على كراسيهم.. أولئك الحكام الذين استطاعوا تأسيس جيش من (وعّاظ السلاطين) من المرتزقة الذين يمجدون الحاكم حتى وإن كان ظالماً، مستندين الى الفهم الخاطئ للآية الكريمة «أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم».

في حين ترفض الشريعة الإسلامية إطاعة الظالم مهما كانت منزلته، لأن البارئ جلّت قدرته، يرفض جميع أنواع الظلمُ هذا المنزلق هو الذي سقط فيه علماء المسلمين من أبناء المذاهب الأخرى، بابتعادهم عن منهج أئمة أهل البيت عليهم السلام وعدم اعترافهم بمنزلتهم الدينية والرسالية، بل والتعتيم عليها حتى الوقت الحاضر، ثم محاولة التقليل من أهميتها أو التشكيك بقدسية الأئمة الأطهار رغم ورود كل هذه الحقائق وغيرها في كتبهم ومصادرهم الكبيرة وفي مقدمتها (الصحاح الستة).. يكفي أنهم يراجعون كتبهم ومصادرهم ويلتزمون بها حينئذ يتوصلون الى الحقائق الناصعة بشان أهل البيت عليهم السلام. أما الخطوة الأخرى على طريق الوصول الى نور الحقيقة، فهي في الثورة على النفس، ومراجعة الذات، والتزام تقوى الله تعالى في نبيه الكريم وأهل  بيته الكرام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 

العودة الى مسيرة الحضارة

بما أننا نحظى بأرض هي الأخصب والأغنى في العالم من حيث الثروات الطبيعية والمعدنية الهائلة، فإنّ توصل المسلمين الى حقيقة أهل البيت عليهم السلام، وتحديداً منهج الإمام الحسين وحقيقة نهضته وأهدافه الرسالية والإنسانية، يحتم علينا تجاوز مرحلة التخلف والشقاء والتناحر، وانتشال واقعنا من مستنقع الفساد الأخلاقي والمالي والاجتماعي، وبالنتيجة العودة إلى مسيرة الدول المتقدمة والمتحضرة، إن لم نقل نسبقها، لما فينا من المؤهلات والمواصفات الحضارية.

هذه العودة ستكشف لجميع المسلمين أحقية أهل البيت عليهم السلام وجدارتهم في قيادة المجتمع وأنهم بعيدون عن الأطر الضيقة، ولعل هذا ما نجده جلياً في مدرسة عاشوراء وفي عظمة الإمام الحسين عليه السلام، وهذا ما يجعل الفكر الشيعي مقروناً بالموضوعية والعلمية، وأنه الأجدر بأن يضيء للشعوب الإسلامية في طريق التقدم والازدهار.

هذا الطرح العلمي والموضوعي، قائم على قواعد أرسى دعائمها أئمة الهدى عليهم السلام، منها:

أولاً: رغم جلوس الإمام علي عليه السلام، قرابة ربع قرن في داره بعد أن أغتصب حقه الشرعي في الخلافة، فإنه كان يسهم بشكل فاعل في إيجاد الحلول للمشاكل التي كانت تواجه الأمة سياسياً واجتماعياً، عندما يطلب منه ذلك، وكثيراً ما طلب الخلفاء الثلاثة مشورته، فهم يحفظون وصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:

(أعلمكم عليّ). ثم من استطاع غير الإمام علي عليه السلام أن يقول: (سلوني قبل أن تفقدوني)؟ وقد أكد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أيضا على المنزلة العلمية للإمام علي عليه السلام، عندما قال: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها).

ثانياً: ساعد أئمة أهل البيت عليهم السلام، في العصرين الأموي والعباسي في حفظ كيان الأمة والدولة الإسلامية، وفي أكثر من مناسبة، كونهم قادة الأمة الإسلامية والأكثر علماً بجميع مناهج الحياة، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ قضية سك النقود في زمن عبد الملك بن مروان، عندما كانت الدولة الأموية تعتمد على الدولة الرومانية في سك نقودها، وعندما تخلت الدولة الرومانية عن مساعدة الدولة الأموية وأرادت إحراجها، امتنعت عن سك النقود، فتوجه الحاكم الأموي الى الإمام محمد الباقر عليه السلام، والذي كان معاصراً له طالباً منه المساعدة في صنع عملة خاصة بالدولة الإسلامية (الأموية) حيث أرشده الإمام عليه السلام، الى كيفية صنع العملة، والقضية معروفة ومثبتة في كتب التاريخ.

كذلك فعل أغلب أئمة أهل البيت عليهم السلام رغم أن الدولتين الأموية والعباسية كانتا تحاربنهم بجميع الوسائل حيث قتل الأئمة المعصومون على أيدي الحكام الأمويين والعباسيين، وكتَب التاريخ تزخر بحوادث الاعتقال والتعذيب الوحشي والقتل لآلاف الشيعة على ساحة البلاد الإسلامية. فان دل ذلك السلوك من قبل الأئمة المعصومين على شيء، فإنما يدل على مدى حرصهم على دولة الإسلام وديمومة كيانها ويدل أيضاً على عظمة الأئمة الأطهار وأنهم حقاً الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

من هنا؛ ومن أجل أن نتوصل الى الصورة المتكاملة التي يفترض ان يكون عليها العالم بأسره، وليس فقط العالم الإسلامي، بوجود ولاية أهل البيت عليهم السلام، لابد من تشذيب انفسنا وتطهير قلوبنا من صفات ذميمة، مثل الكبر والعجب والاعتداد بالنفس وحب الدنيا ومغرياتها، وإلا نبقى في وادٍ، ويبقى منهج أهل البيت عليهم السلام، وشخصياتهم العظيمة في وادٍ آخر.


ارسل لصديق