علمني السجن ....... (2)
كتبه: الشيخ ياسر الصالح
حرر في: 2013/05/09
القراءات: 1463

حروف نُسجت في غياهب سجون الظالمين..

وكلمات كُتبت في زنزانتي الصغيرة بحبر الامل و الصبر.. ونور الايمان والعزم..

دروساً وعبراً كثيرة استقيتها من تجربة السجن المريرة..

فكان السجن هو المعلم وكنت أنا التلميذ. أما الدروس فهي هذه القصاصات التي بين يديك -عزيزي القارئ- حصيلة التجربة وثمرة المعاناة

اتشحت السماء بثوب أسود قاتم، وهبط الليل ثقيلاً مظلماً، تلفه الـــوحشة، بدا أكثر سواداً وظلمة من باقي الليالي، أهكذا كان حقاً؟ أم أن العصابة التي غطت عيني زادته ظلمة ووحشة؟

فجأة نُقلت من غرفة التعذيب، و ألقيت في غياهب زنزانة صغيرة مظلمة كأنها القبر، أرتطم جسدي المنهك بالأرض، فازداد الألم، وسالت الدماء على أرض الزنزانة، سمعت صوتاً مدوياً مازال رنينه يدق في أذني.. إنه صوت إغلاق الباب الحديدي للزنزانة، وهو باب خالٍ من أي فتحة.

جسدي يتلوّى، و الدماء تغطيه، و آهات المعذبين حولي تزيد في ألمي.

تحركت ببطء و صعوبة، أسندت ظهري إلى الجدار، فأحسست بالألم يسري في جسدي، حاولت أن أحرك يدي المغلولة بالسلاسل قليلاً لعلي أخفف ألم القيد، تحسست الجدار بظهري، بدا خشناً وقاسياً. استرجعت أحداث الليلة المرة بشكل سريع، ثم غرقت في تفكير عميق، انهالت الأسئلة عليّ كأنها السهام.

لماذا أنا هنا؟!

لماذا أنا خلف أبواب مؤصدة؟ مقيد اليدين، لا أرى النور، و أعيش العذاب و الفراق.

لماذا اختارني ربي لهذا المكان، ولم يختر سواي؟!

لماذا تنزل المصائب عليَّ دون غيري؟!

لماذا أنا بالذات وليس سواي؟! ولماذا تنزل المصائب كلها دفعة واحدة عليَّ؟

و هكذا تتابعت الأسئلة في ذهني، وغرقت في التفكير والتأمّل وسط زنزانتي الموحشة، المحاطة بأصوات المعذبين وآهاتهم وصراخهم.

تلك كانت لحظاتي الأولى في السجن، وتلك الأسئلة كانت المدخل إلى أول درس تعلمته في السجن.. الإبتلاء و الإمتحان سنّة إلهية في هذه الحياة الدنيا، ولا يمكن أن ينجو من هذا الامتحان أحد، ذلك أن هذه الدنيا لم تُخلق للراحة، و إنما خلقت لتكون ممر عبور إلى دار آخرى ، يمتاز فيها الناس إلى فريقين، فريق في الجنة، وهم أهل الخير و الإيمان، و فريق في السعير، و هم أهل الشر و الكفر، وهذا الامتياز يكون بالأعمال في هذه الدنيا، فمن عمل هنا خيراً كانت الجنة مستقره و مثواه، ومن أساء العمل في هذه الدنيا كانت النار له مقراً و العياذ بالله. ولقد جعل الله عزوجل هذا الإمتحان في الدنيا ليرى مَن منّا يصمد ويستمر في طريق الحق، رغم مرارته، ومَن منا ينهار ويتراجع.. انه حقاً امتحان للجميع، فلا يتصور أحد منّا انه ناجٍ منه، فحتى الانبياء و الاوصياء، شملهم هذا الامتحان، و مُحصوا في هذه الدنيا ، يقول تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ»، ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وأيم الله لتغربلن غربلة ثم لتبلبلن بلبلة ولتُساطن كما يساط القدر حتى يصير أعاليكم أسافلكم وأسافلكم أعاليكم».

لم يُستثن من الإبتلاء و الامتحان، أنبياء الله عليهم السلام، وحتى أوصياؤهم عليهم السلام، فكيف أريد أن أُستثنى أنا منه؟ إنها سنة الله في هذا الكون، و السعيد منا من فهم هذه السنة و عرف كيف يتعامل معها ، فمن علم انه مقبل على امتحان في مدرسة أو جامعة استعد له، وكذلك من أقر بالامتحان الإلهي استعد له وعمل له.

وهكذا تعلمت الدرس الأول في السجن ومن الليلة الأولى القاسية انطلقت في رحاب هذه التجربة التي تعلمت منها الدروس و العبر الكثيرة.

فهذا السجن الذي أنا فيه هو أحد هذه الإبتلاءات و الفتن، ولقد أختار الله تعالى لي و لإخواني المؤمنين هذا الإبتلاء، ليرى مَن منا يكون في صف الصادقين، ومَن يكون مع غير ذلك.. قال تعالى: "مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ".

 ٨-٤-٢٠١٢

سجن جو

------------

* عالم دين من البحرين


ارسل لصديق