في ذكرى سابع الأئمة و كاظم الغيض .. الإمام موسى بن جعفر
الكاظمية المقدسة.. مثوى الإمامين الجوادين وملتقى التاريخ والمآثر
كتبه: أمجد الربيعي
حرر في: 2013/06/06
القراءات: 2365

إن لأهل بيت النبوة عليهم السلام، عند عموم المسلمين، مكانة خاصة من التكريم والإجلال، لأنهم المثل الأعلى الذي يحتذى به فهم الامتداد الحقيقي للنبي الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم, ولارتباطهم المباشر بالنسب الطاهر للشجرة النبوية المباركة، وهم النموذج الخالص للصفات المحمدية المخصوصة بالعصمة الربانية المنصوص عليها بالقرآن الكريم في قوله تعالى: «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ليطهركم تطهيراً»، وغيرها من الآيات المباركة التي أوصت بـذي القربى المقصود منها قرابة أهل بيته والأئمة المعصومين الذين اجتباهم الله أوصياء لرسوله خاتم الانبياء صلى الله عليه واله وسلم.

في 25 رجب المرجب، من كل عام يستذكر المؤمنون ذكرى شهادة الامام موسى بن جعفر عليه السلام، سابع الأئمة الاطهار عليهم السلام، الذي قضى في عام 183هـ بعد مقارعة باسلة لهارون العباسي في إحدى زنزاناته المظلمة، وفي هذا اليوم ايضاً لكن عام 1426هـ الموافق لعام 2005  استشهد اكثر من 1000 زائر من زوار الامام الكاظم عليه السلام، في ذكرى استشهاده، على جسر الأئمة الرابط بين الكاظمية (الكرخ) والاعظمية (الرصافة)، أثر شائعة بوجود إرهابي يريد تفجير نفسه مما أدى الى تدافع الزوار وسقوط عدد كبير منهم في نهر دجلة .

 

* الإمام موسى بن جعفر

هو الامام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. ولد الامام في قرية يُقال لها «الابواء»، تقع بين مكة والمدينة المنورة، يوم الاحد السابع من شهر صفر المظفر من سنة 128هـ عاش إمامنا عليه السلام، خمساً وخمسين عاماً، أقام منها مع أبيه الامام الصادق عليه السلام، عشرين عاماً، وكانت السنوات الخمس والثالثون مدة إمامته وخلافته بعد أبيه عليهما السلام.

كنيته أبي الحسن الماضي، و أبي ابراهيم، و أبي علي .

من ألقابه عليه السلام، الكاظم نسبة الى كظم الغيظ، وصاحب السجدة الطويلة، و راهب آل محمد والمغيب في قصر السجون وباب الحوائج. كما أن أباه واجه الطغاة والمتسترين بالدين، وكانت فترة إمامته عليه السلام، في عهد هارون العباسي والذي كان من أشد الناصبين العداء للإمام، حيث قضى أواخر حياته في السجن مقيداً بالأغلال .

 

* مآثره عليه السلام 

كثيرة هي مآثر الامام الكاظم عليه السلام، ولا تحصى، ولكن نريد هنا ان نورد إحدى هذه المآثر.

كان الامام موسى بن جعفر عليه السلام، في طريقه، وإذا يسمع صوت طرب وغناء من إحدى البيوت، ثم صادف أن خرجت من المنزل خادمة ترمي الفضلات، فسألها عليه السلام، عن صاحب المنزل أهو حُر أم عبد؟ فقالت: إنه بشر.. أحد اشراف بغداد، وهو حر. فقال عليه السلام: إن كان عبداً لأطاع مولاه. فلما عادت وسألها بشر عن سب تأخرها؛ قالت التقيت برجل سألني سولاً عجيباً، فقال: وماذا قال لك؟ فاخبرته، فقال: وما أوصاف الرجل؟ فذكرت له الخادمة أوصافه عليه السلام، فعرف بشر أنه الامام موسى بن جعفر عليه السلام، فانتفض بشر، وانطلق حافي القدمين، ليلحق بالإمام عليه السلام،  ولما وصل إليه، رمى بنفسه بين يديه وقال: سيدي.. أريد ان أصبح من هذه الساعة عبداً لله تعالى. وهكذا؛ وبكلمة واحدة من الامام الكاظم عليه السلام، تغير مجرى حياة بشر، من المجون والتبذير والانحراف، الى الزهد والتقوى والورع، فعاد الى منزله ليجمع أقداح الخمر ويطرد ندمائه ويتجه لعبادة الله عزّوجل، ويكون بشر؛ ذلك الإنسان الزاهد العابد الذي يُضرب به المثل، وبعد وفاته، بقي في ذاكرة الاجيال، وقد شُيد قبره الكائن وسط بغداد، وبات قبلة للزائرين من كل مكان. 

 

* زوجاته و أولاده

تزوج عليه السلام، زوجات عديدة، و أولدهن الكثير من الأولاد، وكان عليه السلام، أكثر الأئمة ذرية، حتى أختلف في عدد أولاده، والمشهور انهم كانوا سبعة وثلاثين ولداً، منهم ثمانية عشر ذكوراً، وتسع عشرة إناث. لكن المتحصل عليه من المصادر المختلفة هم ما يلي :

أولهم و أعلاهم قدراً وأفضلهم وأنبههم وأعلمهم، وأجمعهم فضلاً، وصي أبيه وخليفته من بعده، وهو الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام. ومن ابنائه ايضاً؛ إبراهيم، والعباس، والقاسم، وإسماعيل وجعفر، وهارون، وجعفر الأصغر، واحمد، ومحمد، وحمزة، وعبيدالله، وإسحاق، وعبدالله، وزيد، والحسن، والفضل، وسليمان، وعبد الرحمن، وعقيل، ويحيى، وداود، والحسين .

أما البنات فهنّ فاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، وكلثوم، و أم جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعليَّه، ورقيه، وحكيمه، وآمنة، وحسنة، ووجيهة، ونزيهه، وعائشه، وأم سلمة، وميمونة، وام كلثوم، وام فروة، وأم أبيها، وام القاسم، وام وحيّه، وأسماء، وأُمامة، وام عبدالله، ومحمودة، وزينب، الصغرى، ورقية الصغرى، وغيرهن

 

* علمه وتقواه

الأخبار مليئة عن سعة علم الإمام الكاظم عليه السلام، وعمق غوره ودقة أحكامه، وطافحة بأجوبته العجيبة واللطيفة والمذهلة ومحاججاته المفحمة، منذ كان فتى أو حتى حَدَثاً، ومع كبار العلماء في عصره.

ومما نُقل، أن أبا حنيفة دخل المدينة المنورة في أيام الإمام الصادق عليه السلام، ومعه عبد الله بن مسلم، فأراد الذهاب للإمام الصادق عليه السلام، ليرِد عليه ، ويسأله بما يخجله أمام اصحابه - على حد زعمهم- فأتيا باب الإمام الصادق عليه السلام، والناس ينتظرون خروجه عليه السلام، وقبل خروجه خرج من الدار غلام حدث السن، فقام الناس إجلالاً وهيبة له، فسأل أبو حنيفة صاحبه عبد الله عن الغلام، فقال: هذا ابنه موسى.. فأراد أبو حنيفة أن يمتحنه، فتقدم إلى الإمام الكاظم عليه السلام، وسأله يا غلام..! أين يضع الرجل حاجته؟ فرد الإمام بما معناه؛ يضعها في مكان بحيث يتوارى فيهِ عن الأنظار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ثم شرح له الإمام واجبات ومستحبات ومكروهات التخلّي، فبهت أبو حنيفة، لأن أبا حنيفة كان يعتقد أن الإمام موسى عليه السلام، سيجيبه عن معنى وضع الرجل حاجياته أي أغراضه وثيابه، وكان قصد أبي حنيفة «الخلاء»، فكيف عرف الإمام بقصد أبي حنيفة ؟ وزاد هذا من إكبار أبي حنيفة للإمام عليه السلام .

ثم سأله عن المسأله التي يريد من الإمام الصادق عليه السلام، جوابها: فقال للإمام موسى عليه السلام : يا غلام..! ممن المعصية؟ فقال عليه السلام: يا شيخ..! إن المعصية لا تخلو أن تكون واحدة من ثلاثة: إما أن تكون من الله تعالى، ولا يأتي العبد شيئاً منها، فليس للحكيم عندئذٍ ان يأخذ عبده بما لم يفعله، وإما أن تكون من العبد ومن الله معاً، والله أقوى الشريكين، فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه، وإما أن تكون من العبد، وليس لله شيء منها، فالأمر عندئذٍ لله، إن شاء عفا وأن شاء عاقب، فأصابت أبا حنيفة سكتة/ ولم يرد على الإمام عليه السلام، بكلمة .

 

* مصائبه واستشهاده

قضى عليه السلام، فترة من حياته في ظلمات السجون، يُنقل من سجن إلى سجن، وقد سجنه بدايةً، محمد المهدي العباسي، ثم أطلقه وسجنه هارون في البصرة عند عيسى بن جعفر، ثم نقله إلى سجن الفضل بن الربيع في بغداد، ثم نقله إلى سجن آخر عند الفضل بن يحيى، وآخر سجن نقل إليه في بغداد وهو سجن السندي بن شاهك - لعنة الله عليهم أجمعين- وكان أشد السجون عذاباً وظلمة، وكان لا يُعرف الليل من النهار فيه .

وكان السندي بن شاهك شديد النصب والعداوة لآل الرسول صلى الله عليه وآله، إلى أن أمره الرشيد دسّ السمّ الى الإمام عليه السلام، فقدم إليه عشر حباتٍ من الرطب المسموم، أجبره على أكلها، فتناولها الإمام عليه السلام، وتمرض من ذلك ثلاثة أيام، استشهد بعدها مظلوماً في السجن المظلم تحت القيود والأغلال يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين بعد المائة من الهجرة الشريفة.

وقد أخرجوا جنازته المقدسة بصورة يُراد لها الاستصغار، فوضعوها على جسر الرصافة ببغداد، حيث بقيت ثلاثة أيام، أسوة بجده الرسول صلى الله عليه وآل، وجده الحسين عليه السلام، والمنادي ينادي هذا إمام الرافضة، إلى ان علم بذلك سليمان عمّ الرشيد، فأمر بحملها مكرمة معظمة، وغير النداء بقوله: ألا فمن أراد يحضر جنازة الطيب ابن الطيب والطاهر بن الطاهر، فليحضر جنازة موسى بن جعفر عليه السلام، ثم غُسل وكُفن بأحسن كفن ثمين، و أمر بتشييع الجنازة، ودفن عليه السلام، في الجانب الغربي من بغداد، في المقبرة المعروفة بمقابر قريش جانب الكرخ من الكاظمية، من باب التين، وهو الموضع الذي يقوم فيه اليوم ضريحه ومزاره، وله مقام ومزار عظيم لا يقل عن مزار جديه علي والحسين عليه السلام.

 

* الكاظمية الموقع والتسمية 

الكاظمية بلدة قديمة ذات ماض عريق وهي جزء لا يتجزأ من بغداد قديماً وحديثاً، ولذا أطلق عليها قلب بغداد، وسُميت قديماً (بقطر بل) و(قسطوج). تقع في جانب الكرخ من بغداد توسعت المدينة. وأصبحت حاضرة من الحواضر المتميزة حتى عدها المؤرخون بانها مدينة فلاحة وملاحة وصناعة وعلم وأدب، وبعد احتضانها مرقدي الإمامين الكاظم والجواد عليهما السلام بدأ الناس يتوافدون على المرقدين للزيارة والتبرك، ومنها كان تطور وتوسع الكاظمية.. فأقام بعضهم وعمروا بيوتاً بسيطة قرب المرقدين الشريفين، وبدأ الناس يدفنون موتاهم الى جوار الامامين وتسمى مقابر قريش. ومن أبرز المجاورين للمرقدين الطاهرين، مرقد العالم الفطحل والفقيه الكبير، «الشيخ المفيد»، وهو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري البغدادي الملقب (بابن المعلم والمفيد) 336هـ - 413هـ .

وهكذا بدأت المدينة تأخذ شكل حاضرة، وكان ذلك في القرن الرابع الهجري حيث بدأ البويهيون بتعمير وتشييد المشهد الكاظمي، فجددوا عمارة المرقدين الشريفين ووضعوا عليها ضرحيين خشبيين، وبنوا قبتين وبنوا سوراً او حائطاً حول القبرين فتوسع مجال السكن واستمر التوسع سنة بعد اخرى حتى السنوات الأولى من القرن الماضي، وكانت في الكاظمية  أربع محلات رئيسة: الشيوخ، القطانة، الانبارين، أم النومي، وتتفرع منها بعض الازقة العريضة التي لها تسميتها منها: السميلات والمبحية وفضوة الشيخ والنعش خانه.

ثم توسعت المدينة نتيجة للنمو السكاني وبدأ العمران يزحف على البساتين المحيطة بها فنشأت محلات «العكلات، والنواب والهبنة وبستان الشيخ حسين وبستان كنعان وبستان كامل حسين».

 

* جسر الأئمة الشهادة والفاجعة

بعد سقوط النظام البائد في عام 2003 يحيي المؤمنون في كل عام ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم عليه السلام، على شكل زيارة مليونية حاشدة يتعبأ لها المؤمنون من كل مكان، وربما تشبهالى حدٍ ما زيارة أربعين الامام الحسين عليه السلام، حيث تنصب سرادق العزاء والمواكب على امتداد الطرق المؤدية لمدينة الكاظمية المقدسة. ولكن في تلك الايام التي أعقبت سقوط الطاغية، كان أيتام الطاغية والمتحالفين معهم من التكفيريين يتحينون الفرص للإيقاع بالزائرين، ففي عام 2005 وفيما كان زائري الامام الكاظم عليه السلام، متوجهين للزيارة عبر جسر الأئمة في بغداد، أشاع الارهابيون وسط الجسر، عن وجود انتحاري بين الزائرين، الامر الذي أدى الى حدوث ارتباك بين الزوار، وحصول تدافع شديد وهياج وقلق كبيرين، فسقط أكثر من ألف شهيد في خضم هذه الضجة، بين من اختنق بين الزحام، وبين من غرق في نهر دجلة، لتصبح واحدة من اكبر الفواجع التي تمر على الموالين لأهل البيت فهي لم تكن فاجعة للشيعة في العراق وحدهم، إنما للأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، لانها جريمة استهدفت الانسانية البريئة، ولا يمكن لأي انسان إلا وان ينفطّر قلبه حزناً لهذا المصاب الجلل لشباب وأطفال ونساء كان متوجهين لصاحب المصيبة، فاصبحوا هم الشركاء في المصيبة.

وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد، فكما كشف هارون العباسي حقده على إمامنا الكاظم عليه السلام، فان الارهابين والبعثيين الصدامين، أثبتوا حقدهم على اتباع أهل البيت، فالكاظمية تتعرض وفي كل فترة الى اعتداءات ارهابية متكررة تستهدف الاسواق والتجمعات المدنية، فسلام على سيد الكاظمية وامامها يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا.


ارسل لصديق