زيد الشهيد .. درسٌ في التحدي والنهضة
كتبه: أمجد الربيعي
حرر في: 2014/05/11
القراءات: 1325

غصن من شجرة الرسالة المحمدية الصدّاحة بالحق لم يهن ولم ينكل ملتزماً نهج الولاية والمضي على طريق التضحية والفداء في سبيل الله تعالى، وهو الطريق الذي مضي عليه من قبل جدّه أبو عبد لله الحسين،عليه السلام ، في كربلاء.

إنه زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، الذي يعد أول شهيد من أهل البيت ،عليهم السلام، يقتفي أثر جده الامام الحسين، عليه السلام، في مواجهة الظلم والطغيان وطلب الرضا لآل محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.

 

* ولادته ونشأته

يُكنى الامام زيد الشهيد بـ «أبي الحسين»، وتشير الروايات التاريخية أنه ولد سنة (78)هـ وقيل سنة (75) للهجرة، في مدينة جده الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله، ولما بُشر به أبوه الامام زين العابدين، عليه السلام ، أخذ القرآن الكريم متفائلاَ به فخرجت الآية الكريمة:

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}، فطبقه وفتحه ثانية، فخرجت الآية:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، فطبق المصحف ثم فتحه فخرجت الآية:

{وَفَــــضَّلَ اللَّهُ الْمُجَـــاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْــرًا عَظِيمًا}، فبهر الامام زين العابدين، و راح يقول:

«عُزيت عن هذا المولود وانه من الشهداء».

نشــــــــــــــأ زيد الشهيد في بيت النبوة، وتغذى بلباب الحكمة، وكان أبوه الامام السجاد،عليه السلام يتعهده بالأدب ويرسم له طريق الهداية والخير، كما لازمه أخوه، الامام الباقر، عليه السلام، منذ نعومة أظفاره، ومن الطبيعي أن لهذه الصحبة الأثر الفعال في سلوكه وتكوين شخصيته ،فقد حفظ القرآن الكريم في المراحل الاولى من دراسته و اتجه بعد ذلك الى الحديث وأصبح بعد فترة فقيهاً واسع العلم والمعرفة، يأخذ بكتاب الله وسنّة رسوله ومنهج جده الامام علي،عليه السلام، و لزيد، عليه السلام، قراءة خاصة للقرآن الكريم تسمى «قراءة زيد»، وله مؤلفات كثيرة، حيث نسبت له مجموعة من المؤلفات والرسائل بعضها في تفسير القرآن الكريم، وبعضها في علم الفقه وقسم منها في علم الكلام، والأخرى في الحديث وهي أكثر من (29) مؤلفاً، وقد أوردت الصحف العراقية قبل حقبة من السنين، أن لزيد بن علي تفسيراً للقرآن الكريم موجوداً في خزائن المخطوطات في مكتبة الكونغرس الامريكي .

 

* الثائرالشجاع

لقد ثار زيد ،عليه السلام، على الحكم الاموي بوحي من عقيدته التي تتمثل روح الاسلام، وهديه بعد ان رأى باطلاً يُحيى وصادقاً يُكذّب، و رأى جوراً شاملاً ضد المسلمين، و استبداداً مطبقاً في الأمة، ورأى حكام بني أمية لم يبقوا لله حرمة، إلا انتهكوها فخرج داعياً الى الله.

طالباً للحق وقد امتلأت نفسه حماساً وعزماً على إعلاء الثورة الحسينية.

وقد فجر ثورته المباركة التي كانت أمتداداً لثورة الامام الحسين،عليه السلام، و إقامة العدل والعيش في عزة و إباء.

أما قاعدة الثورة ومنطلقها فكانت «الكوفة». هذه المدينة التي لم تخبُ فيها جذوة الثورة على الظلم والطغيان منذ واقعة الطف، حيث تعلمت الدرس البليغ في الثورة وتحدي الحكام الظالمين طول الزمن.

تقول المصادر التاريخية إن الحاكم الأموي حينها، «هشام بن عبد الملك»، مارس سياسة عنيفة وقاسية مع المسلمين، منها فرض الضرائب المجحفة على اصحاب الحرف والمهن والتجارة ، كما أعطى ولاته في الأمصار حق التصرف بأموال المسلمين وتحويله الى ملك خاص، فيما كان الناس يعيشون شظف العيش والحرمان، مما دفع زيداً لرفع لواء الثورة فاجتمع حوله في الكوفة - حسب بعض المصادر- خسمة عشر ألف رجل، هذا وكان الوالي خالد القسري غافلاً عن تحركات زيد، ولمّا بلغ الامر الحاكم الاموي هشام بن عبد الملك أرسل الى وآله يوبخه ويلومه على غفلته من أمر زيد.

كان زيد قد أعدّ العدّة لساعة الصفر، لكن حصلت أمور عديدة دفعته لأن يعجل باعلان الثورة في الكوفة واسقاطها عسكرياً. تقول بعض المصادر التي تميل الى المذهب الزيدي ان طائفة من انصاره انشقوا عنه وحاججوه في توجهه الفكري واتهموه بابتداع مذهب جديد غير مذهب أهل البيت عليهم السلام، وهناك تفاصيل على الصعيد السياسي حول الإسراع في الاجراءات التي اتخذها النظام الأموي لتدارك الوضع المتفجر في الكوفة، مما دفع بزيد الشهيد ان يفجر ثورته قبل الموعد المحدد ويشتبك مع الجيش الأموي، في معركة غير متكافئة لكنها بطولية، سقط فيها زيد شهيداً بعد ان أصيب بسهم مسموم في رأسه في الثالث من شهر صفر سنة 120 للهجرة. وهكذا طويت صفحته ولم تبق مفتوحة كما حصل في ثورة جده الحسين عندما سجّل جميع انصار الامام مواقفهم بدمائهم الزكية، بينما تفرّق الكثير من انصار زيد بعد انتهاء المعركة، وبدلاً من ان يواصلوا طريقه الحق، مالوا الى اهدافهم وغاياتهم الخاصة.

 

 * المرقد - المقام

قبل الحديث عن المرقد الشريف لزيد الشهيد، نرى من الضروري التنويه الى حقيقة تاريخية هامة، وهي أن هذا الرجل العظيم تعرض للظلم في حياته وبعد مماته، ربما بما لم يشهده التاريخ الاسلامي.

فبعد استشهاده في المعركة، أمر الحاكم الأموي بصلب جثمانه الطاهر عارياً في منطقة «الكناسة» بالكوفة، وذلك لمدة أربع سنوات، حتى هلك هشام وجاء بعده ابنه «وليد» فكتب إلى واليه في الكوفة يوسف بن عمر الثقفي: «أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فاحرقه وانسفه في اليمّ نسفاً والسلام».

وهناك رواية تتحدث عن قيام شيعة اهل البيت، عليهم السلام، بحمل جثمان الشهيد خلسة ودفنه في مكان بعيد عن الانظار وفي مجرى نهر جففوه ثم أجروا الماء عليه، لتضعف كل الاحتمالات بالعثور عليه، لكن شاءت الاقدار ان يكون احد عيون بني أمية قريباً منهم فدلهم عليه فاخرجوا الجثمان ونفذوا فيه ما حكم به الطاغية الأموي.

وحسب المصادر فان المقام الموجود حالياً، هو بالحقيقة يعود لمكان المرقد الذي تم اكتشافه أول مرة.

لذا فان حرمة المكان وقدسيته لا تخيب رجاء كل من زار المقام الشريف عارفاً بحقه ومكانته العظيمة عند الله سبحانه وتعالى، فكم من مريض بداءٍ عضال هجر عيادات الاطباء و اتجه الى هذا المقام، يسأل الله تعالى بجاهه وحقه عنده، أن يلبسه لباس العافية، واستجاب الله دعوته؟ وكم من إمرأة عقيمة منّ الله عليها بالمولود الصالح ببركة صاحب المقام .

يقع المرقد الشريف في منطقة تقع على بعد ثمانية كيلومترات من طريق الحلة كوفة، وتبعد عن الحلة (30) كيلومتراً. تبلغ مساحة المزار عشرة آلاف متر، وقد بدأ الاعمار فيه عام 1996 وانتهى عام 2003، حيث أخذ ديوان الوقف الشيعي على عاتقه مسؤولية الترميمات اللازمة، بما فيها إكساء أرضية المقام بحجر المرمر، باستثناء تغليف السياج الخارجي، فانه بانتظار التخصيصات المالية اللازمة، كما أن هنالك مشاريع مستقبلية لتوسيع المكان وتغيير جهة الدخول والخروج إليه من خلال إجراء تحويرات كثيرة بالتعاون من الاهالي الساكنين في المنطقة المحيطة به وفتح شوارع جديدة .

يزور مرقد زيد الشهيد، ملايين الزوار سنوياً في حين يصل عددهم في زيارته السنوية التي تصادف اليوم الثالث من صفر، وهو يوم استشهاده الى أكثر من مليوني زائر ولا تقتصر زيارته على العراقيين فقط بل من جنسيات اسلامية متعددة.

مؤخراً قرر مجلس محافظة بابل استحداث ناحية باسم ناحية زيد بن علي، لتكون المنطقة المحيطة بالمرقد الشريف ناحية جديدة تابعة لقضاء «الكفل» الذي تحول بدوره من ناحية الى قضاء، و يأمل أهالي المنطقة والزائرين أن يكون استحداث الناحية بُشرى لهم في تقديم خدمات أكثر و أوسع للمرقد الشريف والمنطقة المحيطة بها.

وعلى الرغم من السنوات الطويلة والاجيال المتلاحقة والحكومات المتعاقبة والسلاطين الجائرة على مر الازمان إلا أن مرقد السيد زيد بن علي، عليه السلام، مازال يشعّ نوره في أرجاء المعمورة ويؤمه الناس طلباً للكرامة في حين تقع على مقربة منه وفي مكان ليس ببعيد عنه أطلال خرائب قصر هشام بن عبد الملك التي كانت يوماً ما قصراً بُني على الظلم والجور والعدوان.

فرحم الله زيداً الشهيد، الذي أحيا ثورة جده الامام الحسين، عليه السلام، بعد أن حاول بنو أمية طمس معالمها، و أراد الله جلّ وعلا أن لا تنطفئ الى يوم القيامة.


ارسل لصديق