(جرف النصر) كسر شوكة الإرهاب في الفرات الأوسط
كتبه: أمجد الربيعي
حرر في: 2015/02/01
القراءات: 1005

في العدد الخاص بشهر رمضان المبارك (262)، نشرت "الهدى" تحقيقاً موسعاً عن مدينة المسيب بعنوان: "المسيب.. من محط رحال الزائرين الى ضحية العنف التكفيري"، وجرى الحديث عما تعرضت له المدينة من اعتداءات ارهابية على يد الجماعات الارهابية، وما قدمته المدينة من شهداء وخسائر في الممتلكات لا تزال معظمها شاهدة لحد هذا اليوم. وفي إطلالة جديدة من هذه المدينة المظلومة والمهمّشة مع أهميتها الاستراتيجية، تظهر علينا بعد تطورات نوعية في الساحة السياسية، حيث شهد العراق، ولأول مرة، هجوماً غادراً مما يُسمى بتنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش)، اكتسحت فيها مناطق واسعة من البلاد خلال فترة وجيزة، وكان للمسيّب حصتها من التأثير المباشر، كونها تجاور ناحية جرف النصر (جرف الصخر سابقاً)، التي كانت خلال السنوات الماضية، من أهم وأكبر الحاضنات للجماعات الارهابية والتكفيرية، فتحولت الى رأس حربة، تنطلق منها العمليات الارهابية والاجرامية.

ولكن بعد التحول السريع وانقلاب ميزان القوى لصالح الشعب العراقي، بانتظام جحافل كبيرة من المتطوعين في إطار "الحشد الشعبي"، تلبية لنداء المرجعية الدينية، أضحت القوات المسلحة المتشكلة من الحشد وسائر افراد القوات المسلحة، على ابواب المدن والمناطق التي تحتلها "داعش"، وكانت البداية لمسلسل الهزائم المنكرة للتكفيريين، ومن المناطق المحررة، كانت جرف النصر التي تم تحريرها في اليوم الاول من شهر محرم الحرام، على يد ابطال قواتنا المسلحة، وانطلاقاً من المسيب، بعد معركة ضروس استمرت اكثر من (48) ساعة، وقد أطلق على الناحية فيما بعد جرف النصر.

من هنا يمكن القول: إن قضاء المسيّب يعيش اليوم احتفالين مزدوجين: الاول: وهو يهمّ العراق بأسره، عندما تم القضاء على حاضنة مهمة لداعش وسط العراق، وفي موقع استراتيجي، يربط بين محافظتي بابل وكربلاء المقدسة، وبين المناطق المتاخمة لقضاء الفلوجة، أما الثاني: فهو يخصّ أهالي القضاء، حيث بدأوا يتنفسون الأمن والاستقرار النفسي، ولو بنسبة معينة، بحيث تتمكن من أداء دورها بشكل أكثر فاعلية وقوة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تمثل المحطة الكبيرة للزائرين الى مرقد الامام الحسين، عليه السلام، لاسيما في الزيارات المليونية.

وهذا ما حدا بنا لأن نسلط الضوء هذه المرة على المكسب الجديد المتمثل بتحرير جرف النصر، من خلال تحقيق يسلط الضوء على الحدث وتداعياته وأبعاده.

 

* "جرف النصر"، الموقع والتسمية

ناحية جرف النصر تتبع إدارياً لقضاء المسيب وتبعد عنه أكثر من (10) كيلو متر، ويبلغ عدد نفوس سكان الناحية أكثر من (100) ألف نسمة حسب أخر الإحصائيات الرسمية. يسكن معظمهم في الريف ويشتغلون بالزراعة.

يحدها من الشرق، ناحية الاسكندرية ونهر الفرات، ومن الغرب الصحراء، ومن الشمال ناحية عامرية الفلوجة، ضمن محافظة الانبار، ومن الجنوب فالمناطق المتداخلة والقريبة من مدينة المسيب والطريق الرابط بين كربلاء المقدسة والعاصمة بغداد. يذكر سماحة الشيخ المرحوم علي القسام، في كتابه "السفر المطيب في تأريخ مدينة المسيب": "ان تسمية جرف الصخر تعود الى كثرة الصخور في تلك الارض او ان هنالك قصراً يسمى بقصر الصخور الذي أخذت منه التسمية"، ومن اشهر مناطق جرف النصر والتي اكتسبت شهرة في وسائل الاعلام خلال عملية التحرير "الحامية"، وفيها اكبر معسكر للجيش، و "السعيدات" و"البوبهاني" و"الفاضلية" و"الحجير" و"العبد ويس" و"الرويعية"، وفيها مركز الناحية، وايضاً هنالك "الفارسية" و"الباج الجنوبي" و"الباج الشمالي".

 يسكن الناحية عشيرة الجنابيين وعشيرة السعيدات وعشيرة العويسات، وهذه العشيرة متداخلة مع محافظتي بابل والانبار. وتعد جرف النصر نقطة الوصل بين بغداد والانبار والصحراء الغربية ومحافظات الفرات الاوسط.

 

* جرف النصر، و (11) عاماً من الارهاب 

أبتليت ناحية جرف النصر بالارهاب الذي جاء الى المنطقة بفعل الفكر الوهابي المتطرف في السنوات الاخيرة قبل سقوط النظام الصدامي، وقد لقي هذا الفكر ضالته عقب الاحتلال الأمريكي للعراق والفراغ الامني الذي شهده العراق، وبفعل عمليات السطو والسرقة لمخازن الاسلحة والعتاد التابعة للجيش السابق في معسكر الحامية، اضافة الى نهب منشآت التصنيع العسكري في شمال بابل، وبلغ الارهاب التكفيري والدموي ذروته، عندما تحالف البعثيون الصداميون مع الجماعات التكفيرية المتطرفة والقادمة من وراء الحدود عام 2005 عندما بدأ تنظيم القاعدة الاجرامي بقتل الناس على الهوية، وتهجير العوائل والتهديد والترويع لكل من لا يعلن البيعة لهذا التنظيم، الى جانب هدر دماء المنتسبين للاجهزة الامنية من أبناء الناحية، الامر الذي اقتصر سيطرة الدولة على مركز الناحية فقط، وبمسافة خمسة كيلوات مربع فقط! و اصبحت ناحية جرف النصر مصدراً لتصدير الارهاب مدعوماً بغطاء سياسي من قبل اعضاء في مجلس النواب العراقي، و ابرزهم النائب المطلوب للقضاء "عبد الناصر الجنابي"، المسؤول عن تدريب الارهابيين وتمويلهم في منطقة البحيرات الواقعة بين ناحية جرف النصر وناحية الاسكندرية. وقد دفع ابناء قضاء المسيب فاتورة غالية جداً من دمائهم خلال السنوات الماضية خلال عمليات تفجير وقصف مستمر بالقذائف، كان ابرزها تفجير صهريج الغاز في شهر تموز عام 2005، هذا بالاضافة الى كونها (جرف النصر) قد تحولت الى مركز لإدارة العمليات الإرهابية في محافظات الفرات الأوسط، وهذا ما كشفته معظم الاعترافات التي ادلى بها الارهابيون الذين ألقي القبض عليهم.

 

* موجة النزوح الجماعي

كباقي المدن العراقية التي احتلت من قبل تنظيم داعش الارهابي في العاشر من حزيران، شهدت ناحية جرف النصر، موجة نزوح جماعي حيث بلغت اكثر من (3000) عائلة استقبل معظمهم ابناء قضاء المسيب. وعن هذا الموضوع يقول رئيس مجلس قضاء المسيب، قاسم المعموري، خلال لقائنا به: "ان اسعار ايجارات المنازل في المسيب قد ارتفعت بفعل موجة النزوح لأهالي جرف النصر حيث ان ايجار اصغر منزل بلغ اكثر من (300) الف دينار، وسبّب ضغطاً على الخدمات وفرص العمل والوضع الامني..."، ويضيف المعموري ان "مدارس المسيب اكتظت بطلبة جرف النصر وانتم تعلمون ان المسيب تعاني أصلا من نقص في اعداد الابنية المدرسية...". ويتابع المعموري: ان "قلة الدعم الحكومي زاد من معاناة النازحين، إلا ان أصالة وشهامة اهالي مدينة المسيّب قد خففت من هذه المعاناة، حيث بادر معظمهم الى فتح بيوتهم أمام العوائل النازحة، وقاموا بإخلاء المنازل لأهالي جرف النصر و ايضاً لاهالي تلعفر". ولم ينس المعموري الدور الكبير لجمعية الهلال الاحمر العراقي ومنظمات المجتمع المدني الاخرى التي ساعدت في توزيع المساعدات الغذائية على النازحين، والعمل على سد الاحتياجات الاساسية لهم.

وخلال تجوالنا مع ممثلة المنظمة السامية لشؤون اللاجئين الدولية في محافظة بابل، ماجدة حسين، في منطقة "الحامية" القريبة من ناحية جرف النصر، والتي استقبلت الكثير من العوائل النازحة، تحدثت عن ان اكثر ما يعانيه معظم النازحين من هذه الناحية، "عدم تجهيزهم بمادة النفط الابيض، خاصة ونحن نشهد انخفاضاً شديداً في درجات الحرارة، وايضاً فقدانهم أوراقهم الثبوتية الرسمية، الامر الذي ادى الى زيادة معاناتهم في انجاز معاملاتهم في دائرة الهجرة والمهجرين"، ولم تخف السيدة ماجدة حسين، قلقها من كثرة الامراض المنتشرة بين الاطفال والعجزة، بسبب ظروف السكن الصعبة وقلة الامكانيات المادية في الحصول على العلاج والطبيب المختص. وعما يمكن ان تقدمه المنظمة السامية لشؤون اللاجئين في مساعدة العوائل النازحة من جرف النصر وغيرها من المدن العراقية الذين نزحوا الى محافظة بابل، تضيف القول: "ان المنظمة السامية لشؤون اللاجئين اعدت برنامجاً لتأهيل العوائل النازحة وبالشراكة مع منظمات المجتمع المدني في بابل وخاصة العوائل فاقدة المعيل من خلال توفير المساعدة الصحية للمرضى وتقديم المساعدة القانونية للاشخاص من خلال محامين تم التعاقد معهم لهذا الغرض". وتشير الاحصائيات الرسمية الى أن عدد العوائل النازحة من ناحية جرف النصر، بلغ اكثر من (3000) عائلة نزح معظمهم الى مركز محافظة بابل وقضائي المسيب والهاشمية، اضافة الى العاصمة بغداد، ويأمل معظم النازحين الذين التقيناهم والذين رفضوا الكشف عن هوياتهم العودة الى منازلهم، التي أمست معظمها اثراً بعد عين بسبب داعش، و اراضيهم الزراعية التي اصبحت جرداء. ولا تزال القوات الامنية ومتطوعو الحشد الشعبي يتواجدون في الناحية، ولا يُسمح لأحد من السكان بالعودة خوفاً على حياتهم من بقايا عبوات ناسفة مدفونة تحت الارض، ويرى رئيس مجلس القضاء ان المدة التي تستغرقها عودة الحياة الطبيعة الى ناحية جرف النصر لا تقل عن عام.

 

* آفاق لمستقبل الناحية

لتسليط مزيد من الضوء على الخطوات القادمة للدولة لإعادة الحياة الطبيعية الى هذه الناحية وعموم محافظة بابل، وآفاق المستقبل على الصعيد الامني والسياسي والاجتماعي، تحدث رئيس مجلس قضاء المسيب قاسم المعموري الى "الهدى" حول الاجراءات المتخذة لضمان عدم عودة العناصر الارهابية الى ناحية جرف النصر، وعن خطوات إعادة الحياة للناحية و إعادة النازحين، فقال: "ان قوات الجيش والشرطة الاتحادية ومتطوعي الحشد الشعبي تسيطر تماماً على الناحية منذ تحريرها في 22 من تشرين الاول الماضي من عصابات داعش الارهابية وتقوم مفارز الهندسة التابعة الى قيادة عمليات بابل بتطهير الناحية وقراها من العبوات الناسفة والالغام الارضية التي زرعها الدواعش، وقد شاهدنا ان التنظيم الارهابي، فخخ الكثير من المنازل والطرقات"، ويضيف المعموري: "ان ضمان عدم عودة التنظيم الارهابي الى ناحية جرف النصر مرهون بإجراءات وقائية موازية، بالاضافة الى تعزيز الجهد الاستخباري حيث توجد هنالك قاعدة بيانات لدى القوات الامنية مسجلة فيها اسماء العناصر التي تعاونت مع العناصر الارهابية وسهلت مهمتهم طيلة السنوات العشر الماضية وتم القاء القبض على العديد من هذه العناصر في محافظة بابل ومحافظات اخرى..." ويتابع المعموري: "كما تعلمون ان ناحية جرف النصر، منطقة زراعية بامتياز، وقد لاحظنا خلال التدقيق في موضوع العقود الزراعية في الناحية وجود افراد متعاقدين مع الدولة وهم مطلوبون للارهاب وان هنالك افراداً يمتلكون (100) دونم من العقود الزراعية لم تستغل منها سوى (5) دوانم فقط، وترك الباقي للعناصر الارهابية تسرح وتمرح فيها كيف تشاء، وتتخذها مناطق لإطلاق قذائف الهاون على قضاء المسيب، وتفخيخ السيارات". و دعا المعموري وزارة الزراعة للنظر مجدداً بالعقود الزراعية في الناحية واستغلالها لما يخدم الاستثمار وتطوير الواقع الزراعي والاقتصادي في الناحية.

وعن خطوات إعادة الحياة لناحية جرف النصر، طالب رئيس مجلس قضاء المسيب بضرورة تخصيص ميزانية خاصة لاعادة اعمار المناطق المحررة في شمال بابل وخاصة ناحية جرف النصر، وقضاء المسيب كونه تضرر طيلة السنوات العشر الماضية وتحمل عبء النازحين من الناحية، ونازحين آخرين من محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين، مما ولد ضغطا على المدارس والمؤسسات والمؤسسات الصحية والخدمية واعتبر من المناطق الساخنة. وأشار المعموري في هذا السياق وجود مصنع للبتروكيمياويات في ناحية جرف النصر، وهو من المصانع الكبيرة، إلا انه متوقف منذ سقوط النظام الصدامي، عام 2003، حيث يمكن استثماره من اجل تشغيل العاطلين، و بامكانه توفير حوالي (5) آلاف فرصة عمل.

يذكر ان مجلس محافظة بابل، قرر في وقت سابق اغلاق ناحية جرف النصر لمدة ثمانية اشهر إلا ان قيادة عمليات بابل أبدت رأيها بأن يكون اغلاق الناحية، لمدة عام كامل حسب رئيس مجلس قضاء المسيب، وتعمل المؤسسات الحكومية التابعة الى ناحية جرف النصر حالياً في منطقة الحامية احدى ضواحي مدينة المسيب.

انتهى لقاؤنا مع رئيس مجلس قضاء المسيب، ثم توجهنا الى حيث وجهات نظر ورؤى بعض المواطنين في المسيب حول ما تمثل له عملية تحرير جرف النصر. يقول "محمد طالب"، وهو طالب جامعي: "اشعر بالفخر لما حققته القوات الأمنية ومتطوعو الحشد الشعبي في تحرير جرف النصر بعد ان كنا نعيش في خوف على عوائلنا من تهديدات داعش لقضاء المسيب، فالمسيب قدمت آلاف الشهداء طيلة السنوات العشر الماضية، ودفعنا ضريبة مجاورتنا ناحية جرف النصر - جرف الصخر سابقا-".

"سليم طه"، احد سكنة ناحية جرف النصر يروي ما تعرضت له عائلته من قتل وتهجير على يد الدواعش فعمد التنظيم على قتل ابنه وشقيقه لعدم مبايعتهم له، ويضيف: "نأمل بالعودة الى منازلنا و اراضينا، كوننا نعيش في ظروف صعبة على الرغم من احتضان أهالي المسيّب لنا ولكن نبقى نازحين، فبعد ان كنا نعيش في اراضٍ زراعية واسعة اليوم نسكن ثلاث عوائل بدار مساحته 100 متر"!!


ارسل لصديق