السيد ابراهيم بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى [عليهم السلام]
قتيل باخمرى.. مرقد مقدّس ومُلهم للأجيال
كتبه: أمجد الربيعي
حرر في: 2013/09/05
القراءات: 6952

تشرفت أرض العراق بأن حباها الباري عزّ وجل، بأن تكون مثوى الائمة الاطهار وعترتهم النقية. فلا تكاد تخلو بقعة من أرض الرافدين، إلا وفيها شاهد على سلالة النبوة المحمدية، بين مرقد ومقام، جعلها الله رحمة للعالمين. ومن هذه المراقد المقدسة، مرقد السيد الجليل ابراهيم بن عبد الله، المعروف بـ «قتيل باخمرى»، واليوم يشكل أحد المزارات الشريفة في محافظة بابل حيث يقصده الناس للتبرك والدعاء، يقع المرقد الشريف بالقرب من أراضٍ زراعية تسمى (الناصرية)، في منتصف الطريق بين قضاء المسيب وناحية سدّة الهندية .

 

* نسبه الشريف

هو السيد ابراهيم بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الامام الحسن السبط ابن الامام علي بن ابي طالب، عليهم السلام أجمعين، ويكنّى؛ «أبا الحسن»، وامه هند بنت ابي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الاسود ابن عبد المطلب، وانما سُمي أبوه عبد الله، بالمحض لان أباه الحسن المثنى و أمه فاطمة بنت الامام الحسين عليه السلام، وهو بذلك أول رجل تجتمع فيه العصمتان الحسينية والحسنية.

وكان السيد ابراهيم، عليه السلام من اهل العلم والورع والصلاح وقد تعارف اهل التاريخ على تسميته قتيل باخمرى

 

* الثورة..

حين بدأ التصدّع والتآكل يتفشى في جسم دولة بني أمية، اجتمع بنو الحسن وبنو العباس، وعقدوا البيعة لمحمد بن عبد الله بن الحسن المثنى المشهور بـ «ذي النفس الزكية»، أخي السيد ابراهيم، وكان فيمن بايع من العباسيين؛ ابو العباس السفاح، و أخوه المنصور الدوانيقي، الذي كان اكثر حماساً لهذه البيعة، لكن ما أن حانت ساعة الأمويين وانهارت دولتهم، واستولى العباسيون على مقاليد الحكم، دعوا الى البيعة لأبي العباس السفاح، وبعده للمنصور، فأرسل المنصور رسوله الى الحجاز لطلب البيعة من اهل المدينة واهل مكة، دون ان يتخلف عنها احد، فلم يبايع السيد ابراهيم و أخوه محمد ذو النفس الزكية، واضطرا الى التخفّي خوفا على انفسهم من المنصور، لأنه حاول قتلهم ليتخلص من البيعة التي في عنقه لمحمد ذي النفس الزكية واخيه السيد ابراهيم، فاجتهد بالبحث عنهم دون جدوى، فأرسل الى أبيهما وطلب منه أن يخبره بمكانهما، فأجابه بانه لا يعرف مكانهما، واستمر المنصور يلحّ بالسؤال على مكان اختفائهما، ويجيبه السيد عبد الله: «لا اعلم..»، فامر المنصور بالقبض عليه وعلى اسرته وسجنهم وظل عبد الله المحض مع ابناء الحسن سجينا ثلاث سنوات وكل هذه الظروف دفعت ابراهيم ومحمد ذا النفس الزكية، لاعلان الثورة على الحكم العباسي واتخذ من المدينة المنورة والبصرة قاعدتي انطلاق لهذه الثورة لانهما الامثل سياسيا ودينيا وعسكريا آنذاك.

 

* التخطيط للثورة

كان التخطيط للثورة، على نحو جيد، وكانت الخطّة تقتضي ان يثور محمد في المدينة المنورة ويأخذ معها مكة واطرافها ويثور السيد ابراهيم في البصرة ويأخذ معها واسط والاحواز، وبلاد فارس في الاول من رجب عام 145 للهجرة، فقام محمد ذو النفس الزكية بثورة مفاجئة في المدينة، فاطلق سراح المعتقلين من اهل بيته وانصاره فعلم المنصور بظهور محمد في المدينة، فأرسل ولي عهده عيسى بن موسى الهاشمي على رأس الجيش لمحاربة محمد وانصاره، فحاصر المدينة أياما ثم دارت بين الجيشين معركة طاحنة انتهت باستشهاد السيد محمد ذي النفس الزكية، وقمع الثورة، وكان السيد ابراهيم ما يزال في البصرة، لكن في حالة مرض شديد، وهو لا يعلم بما جرى في المدينة فعندما شفي من مرضه ظهر في البصرة، ودعا الناس الى البيعة لاخيه محمد قبل ان يبلغه مقتله في المدينة فبايعه جمع كثير من اهل البصرة والمناطق المجاورة والفقهاء والعلماء، حتى أحصى  ديوانه اربعة آلاف رجل، وكان ذلك في غرة رمضان سنة 145 للهجرة، فخرج السيد ابراهيم بأربعة عشر فارساً قاصدا ناحية بني تميم وقصدوا جميعا دار الامارة في البصرة حيث يقيم الوالي العباسي، «شعبان بن معاوية»، فحاصروا داره فطلب شعبان الامان له ومن معه من رجاله فامنهم السيد ابراهيم على ارواحهم وحبسهم في القصر، وتسلّم بيت المال فوجد فيه، مليوني درهم ففرض لكل رجل من رجاله خمسين درهم فكانوا يقولون: «خمسون والجنة». ثم اتجه السيد ابراهيم للسيطرة على «الاحواز» وفارس فأرسل جنداً من انصاره فهزموا جند العباسيين فأصبحت البصرة و»الاحواز» وفارس، تحت سيطرة السيد ابراهيم، وامتد بعد ذلك الى واسط بعد اشتباكات عنيفة مع العباسيين وكانت الغلبة له .

بدأ السيد ابراهيم يفرق المال في المناطق التي يسيطر عليها واصبحت تحت سلطانه حتى أتاه نعي اخيه محمد قبل عيد الفطر بثلاثة ايام، فكان لهذا النبأ أسوأ الاثر عليه فبكى أخاه و رثاه على منبر يوم عيد الفطر بهذه الابيات:

 

أبا المنازل يا خير الفــــــــوارس مــــن

يفجع  بمثلك في الدنيا فقــــــــد فجعا

الله يعــــلم اني مــــــــا خشيتهــــم

و أوجس القلب من خــــوف لهم فزعا

لم يقتلــــوني ولم اسلــــم اخــــي لهم

حتى نمــــوت جميعــــا او نعيش معا

 

لم يزد هذا الخبر، السيد ابراهيم واتباعه إلا عزماً وحماساً، فعزموا على الاخذ بثأره من العباسيين، فأخذت ثورة السيد ابراهيم تكتسح كل مقاومة تقف بوجهها من الدولة العباسية، حتى اصبح موقف المنصور حرجاً جداً، وكان جيش ابن موسى، مايزال في الحجاز، فأرسل في طلبه وبعد عودة هذا الجيش ارسله المنصور لقتال جيش السيد ابراهيم والتقى الجيشان في قرية يقال لها «باخمرى»، وهي على بعد ستة عشر فرسخا من الكوفة، وفيها دارت معركة رهيبة، كانت الهزيمة في البداية لجيش العباسيين، فجمع عيسى شتات جيشه فكر عليهم جيش السيد ابراهيم فانهزموا امامه فنادى السيد ابراهيم انصاره، ان لا تتبعوا مدبراً فعاد هؤلاء الجند فظن العباسيين ان الهزيمة لحقت بجيش السيد ابراهيم، فكروا عليهم فأصيب السيد ابراهيم بسهم طائش، فانزلوه اصحابه من على جواده وهو يقول: «وكان أمر الله قدرا مقدورا»، «اردنا امراً واراد الله غيره»،  فقال اصحابه: اردنا ان نجعلك ملكا فأبى الله الا ان يجعلك شهيدا.. فقاتل اصحابه حتى قتلوا بأجمعهم، فوصل العباسيون الى جسد السيد ابراهيم واحتزوا رأسه الشريف، وبعثوا به الى المنصور الدوانيقي. وكان استشهاد السيد ابراهيم عليه السلام، في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة عام 145 للهجرة واستمرت ثورته من خروجه الى استشهاده ثلاثه اشهر إلا خمسة ايام .

 

* قرية «باخمرى»

تشير المصادر التاريخية المعتمدة والمهمة ان «باخمرى»، قرية قريبة من الكوفة فيها قبر السيد ابراهيم عليه السلام، فقد ذكر في «معجم البلدان» لياقوت الحموي، ان باخمرى موضع بين الكوفة وواسط وهي الى الكوفة اقرب وجاء في «العمدة»،  لابن عنبة: وسار ابراهيم من البصرة حتى التقيا في «باخمرى»، قرية قريبة من الكوفة. وقيل: بين الكوفة و باخمرى، ستة عشر فرسخاً، وبها كانت الواقعة بين المنصور الدوانيقي الى الآن شاهداً للعيان، وقد ذكرها دعبل الخزاعي بتائيته المشهورة:

 

وقبر بأرض الجــــــــــــوزجان محله

وقبر بباخمرى لــــــــدى الغــــربات

 

وأصل تسمية «باخمرى»، تعود الى «الفخار»، حيث اشتهرت هذه القرية بصناعة الفخار، وكانت تقع على الحافة العوجاء لنهر الفرات، الا ان  نهر الفرات انحرف الى الغرب بمسافة اكثر من خمسة كيلو مترات من القرية الحالية، وكان انتاجها من الفخار يصدر الى الكوفة وبغداد والبصرة، عن طريق السفن. تبلغ مساحة القرية اكثر من 100 دونم ولا تزال آثارها مطمورة . 

 

* المرقد في الوقت الحاضر

مجلة «الهدى»، كان لها شرف الزيارة، واستطلاع مكان المرقد الشريف، وهناك التقت بالسيد حسين كاظم علي، الامين الخاص لمرقد السيد ابراهيم، عليه السلام، والذي حدثنا عن المراحل التاريخية لعمارة المرقد الشريف قائلاً: ان المشهور عن عمارة المرقد الشريف عند الخدّام الاصليين وهم: عائلة كاظم علي النصراوي، وعائلة حسين علي النصراوي، بأن البناء الاول كان من الطين وجذوع النخيل والشجر، ثم ان المرحوم الحاج حسين النصراوي، قام ببناء غرفة من الطابوق على المرقد، عليها قبة، ثم جُدد البناء من قبل المرحوم عباس الصابوني، عام 1200 هــ ـ1881 م .

ويضيف السيد حسين كاظم: أن المرحوم الشيخ علي القسام ذكر في كتابه «السفر المطيّب في تاريخ المسيب» عن ان الفترة التاريخية لاكتشاف القبر كانت قديمة ولا يعرف  المؤسس الاول لها، وفي سنة 1382 هـ ـ 1963 م، قام الشيخ على القسام وكيل المرجعية آنذاك بزيارة القبر الشريف وتأليف  لجنة للأعمار لبناء صحن حول القبة الشريفة، وتم تشكيل لجنة بهذا الخصوص، وفي سنة 1977، قامت نفس اللجنة، بإعادة بناء القبة الشريفة وتوسيعها، كما كانت عليه سابقاً و تشييد إيوان حول القبة داخل الصحن، وتم انجاز هذا المشروع عام 1984، ويشير الامين الخاص للمرقد، الى حصول خطأ فادحٍ في البناء، حيث استخدم الماء المالح (ماء البئر) الموجود في المرقد، مما ادى الى انهيار بعض اجزاء السقف. واضاف: أنه في نهاية العام 2005، تمت عملية هدم المرقد الشريف بالكامل الى الارض بعد ان اصبح آيلاً للسقوط حيث سقطت اجزاء كبيرة من السقف وظهرت شقوق كبيرة في الجدران .

وتمت اعادة البناء بجهود أبناء مدينة المسيب وسدة الهندية والشرفاء في كل مكان، ومن تبرعات أهل الخير، وقد شارك العشرات من البنائين والعمال وبدون أجر، وتم بناء الهيكل بشكل كامل، ونصب قوس القبة الشريفة مع الشبابيك، عندها قام مجلس محافظة بابل بتخصيص أموال لإكمال البناء، وتم بناء القبة الشريفة وتغليفها بالكاشي الكربلائي، وبناء صحيّات للنساء والرجال وغرفة للإدارة، وتم انجاز اعمال البناء في عام 2008، أي بعد ثلاث سنوات من المرحلة الاولى وهي مرحلة الهدم.

تبلغ مساحة الحرم الداخلي (409) متراً مربعاً، ومساحة الإيوان (88) متراً مربعاً، أما مساحة الحرم بشكل كامل، فتبلغ اكثر من 3000 متر مربع.

ويبدو أن مشروع البناء بحاجة الى مراحل أخرى، لاسيما في الفناء الخارجي للصحن الشريف، وإلا لما كنا نلاحظ، ويلاحظ الزائر، عدم وجود سور للصحن، كما هو موجود في سائر المراقد المشرفة، وما موجود حالياً، هو سياج حديدي من نوع   (b.r.c.).

وقد سألنا الامين الخاص عن سبب ذلك فقال لنا: «بانه من المؤمل ان تقوم الامانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة بتخصيص الاموال اللازمة لبناء سياج من الطابوق خلال عام 2013، ونحن بانتظار التخصيص للقيام بهذا  المشروع. وذكر الامين الخاص للمرقد انه اثناء عملية اعادة البناء تم بناء سرداب للقبر الشريف عام 2007 م وتم تغليفه بالمرمر، وتبلغ مساحته تقريباً (30) متراً.

 يتوافد على المرقد الشريف، زائرون من مختلف مدن العراق لغرض الزيارة والتبرك خاصة، وهو يقع في منطقة زراعية جميلة وجذابة باشجارها وسواقيها المتفرعة من نهر الفرات.

 وختم الامين الخاص لمرقد السيد ابراهيم حديثه معنا بالشكر والتقدير لمجلة «الهدى» وللإعلام الرسالي الذي يصور للعالم ظلامة اهل البيت، عليهم السلام، وتاريخهم المشرف في كل زمان ومكان وان المرقد الطاهر، وقرية «باخمرى» بحاجة الى الاهتمام والرعاية من قبل هيئة الآثار والتراث لاكتشاف الاماكن المطمورة والمندرسة في هذه المنطقة لجعلها مدينة دينية وسياحية متكاملة عن طريق انشاء فنادق وشبكات طرق حديثة .


ارسل لصديق