الثقــافة مصــدر ثقــل الأمــة
كتبه: علي عبد الحسين
حرر في: 2012/07/11
القراءات: 1208

لن نأتي بجديد إذا ما قلنا إن معالم ثقافتنا الأصيلة استطاعت أن تنهض بنشء الأمة، وتبعث فيه طاقة مـن الحماس والفاعلية والنشاط، الأمر الذي مكنها مـن احتلال الصدارة والريادة ، فهي لم تفقد مصداقيتها على صعيد الواقع، ولم تتبدل صيغها الدافعة للنهوض، غير أن بعض الأساليب المتخذة والأفهام القاصرة، هي التي فسحت المجال للتشويه أن يشق طريقه في الاوساط الثقافية، حتى حدا بجملة مـن الباحثين والكتاب المـناداة باسم الحداثة والتطوير والتجديد، إلى غيرها مـن أمور. 

والأصح أن نجدد الفهم لفقه المعاني الأصيلة.. فثقافتنا الأصيلة ما زالت قادرة على التعايش ومعالجة الأمور وبلورتها حسب مقتضيات الحاضر والمستقبل، وفي نفس الوقت أن كل ما جاء مـن تراث فكري اكتسبته الأمة في خط تجربتها الطويل، قابل للنقض والتقويم، كما أن هناك ما هو بحاجة إلى صياغة جديدة وإعادة النظر فيه. وبين أيدينا مصادر تغنينا وتعيننا لاستنباط الحقائق والرؤى، وهي ينابيع لا تنضب أو تضمحل مهما امتد الزمان أو تغير المكان، ألا وهما القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة المطهرة العصماء.
 فالقرآن الكريم هو وحي السماء الذي لا ينقطع أبداً، والعاصم والأمان للأمة مـن مدلهمات وخطوب الزمان، والذي من شأنه إعادة صياغة شخصيتها، وتجديدها وفق متطلبات الحاضر والمستقبل، ويعينها على معالجة قضاياها المصيرية بشكل أفضل. وهو الذي يغرس فيها بذور الخير والصلاح، ويمارس دوراً تربوياً على مدى الحياة، ولذا فإن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، يحثّ الأمة ويأمرها بالاعتصام بعُرى القرآن الكريم وعترته الطيبين الطاهرين، لأنهما مصدرا ثقل الأمة وعزتها الحقيقية، فيقول: (إني تاركٌ فيكم الثّقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، وأحدهما أكبر مـن الآخر، كتاب الله حبلٌ ممدود مـن السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).
لقد امتازت ثقافتنا القرآنية بسمات رفيعة، ميزتها عن سائر الثقافات والأفكار، فهي تقوم على التغذية بالبصائر النيرة القادرة على تفجير الطاقات والإمكانات الدفينة، والملبية للعقل البشري احتياجاته اللازمة الملحة، وهي تنهض به مـن وهدة التقاعس والتقهقر، وتبعث فيه الفاعلية والنشاط، ليتبلور ويتكامل بشكله الصحيح. ومجرد افتقاده ذلك يجعله معاقاً غير قادر على اكتشاف الحقائق التي تنهض به لخير الأمور وأفضلها.
وأمام الزحف الهائل مـن الثقافات المتنوعة التي لا تصدها الحواجز والحدود، والتي لا يستطيع المسلم أن يعيش بمـنأى عنها، فإن ثقافة الإسلام لا تغلق مـنافذ التفكير عند المسلم، وإنما تحثه على اقتفاء كل ما يرجى مـنه الإفادة والصلاح بنداء أخذ الحكمة، و أن تكون المعيارية في الاقتباس ما يكون متوافقاً ومـنسجماً مع مفاهيم الإسلام ومبادئه الأصيلة، والباري عز وجل يقول: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (سورة الزمر /18).
نعم إن الغزو الثقافي الذي حقق الكثير مـن مطالبه وغاياته وما زال ينتهج نفس المحاور والسبل، لتحقيق أكبر معدل مـن الإنجازات والتقدم على صعيد الواقع والأمة، وغدت أفكاره تتسلل إلى مخادعنا وخصوصياتنا الحضارية، ولم يبق أمر مـن الأمور إلا وأقحم نفسه فيه، لكن رغم كل ذلك ينبغي أن ندرك أن ذلك ليس لتفوقه وقدرته وقوته، فاستطاع أن يحقق ما حققه طوال هذه الحقب، وإنما تسنّى له السيطرة والقدرة نتيجة الفراغ الثقافي الواعي الذي تشهده ساحة أمتنا مـنذ أمد ليس بقصير، وغياب الدور الفعلي والموجه للمؤسسات الثقافية القائمة، إذ بات جُل اهتمامها الاقتصار على ممارسة أنشطة محدودة الأطر لا تعدوها، والواقع بحاجة إلى شحذ أكبر مـن النشاط والتجديد في وسائل العمل والدعوة.
ولتوفير تحقق آليات النهوض في الأمة ينبغي أن تتعمق في زيادة علومها ومعارفها، فإن ذلك هو الاكتناز الحقيقي والمثمر الذي يدفعها لبناء النسيج الإنمائي، ودون ذلك لن يتيسر لها تقديم الصعود الذاتي لشخصيتها، فإنما ترقى الأمم وتتقدم بما أوتيت وكسبت، وبما تحمل مـن مضامين نيرة في الرؤى والمفاهيم، تنطلق بها نحو معارج الرقي والتحضر، وما أتينا على ذكره مـن شواهد دالٌ على ذلك.


ارسل لصديق