قبسات من دعاء الافتتاح
كتبه: مصطفى الطرفي
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 1217

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة/186)

* الدعاء في الأصل

الدعاء، هو الرغبة إلى الله -عزّ وجل- وهو التعبير عن ظاهرة روحية مستقلة تنطلق من إحساس النفس المؤمنة بعظمة من تلجأ اليه، وعبوديتها له، وحاجتها للارتباط به، وهو أقرب وسيلة للإيمان بالخالق العظيم والصلة بين العبد وربه، و وسيلة باللسان، و إضمار بالقلب، فقد ترفع الانسان من مرحلة اليأس إلى مرحلة الامل.

وبالرغم من ان الدعاء فيه أجر وثواب واستحباب، ولكن إذا تجاوز اللسان وتناغم مع القلب وحضرت الروح القدسية و الفيوضات الالهية، يكون صاحبه وكأنه غارق في بحر النور، حينما يدرك كيف كان مخطئاً بانشغاله في ملذات الحياة الفانية، إذ كان يقلق من أجلها، و يتألم فيحس بالذل عندما يطلب شيئاً من غير الله -تعالى-، مع العلم لو طلبها من الله - جلّ وعلا- سيشعر بعزة النفس حينها، لذا قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من عدوكم ويُدر رزقكم؟ قالوا نعم، قال: تدعون بالليل والنهار فإن سلاح المؤمن الدعاء».                  

 

* تحميد الله عز وجل

يُعد دعاء الافتتاح، عالي المضامين في معانيه حينما يفتتح الصائم أمسيته الرمضانية التي ملؤها الايمان والنور والطاعة، وعندما يمد جسر الايمان بينه وبين الله، ومن ثمّ يعبر على هذا الجسر واضعاً ذنوبه تحت قدميه حينما يقول: ﴿اللهم اني افتتح الثناء بحمدك: فأصل «اللهم»: «يا الله».. ولكن لكثرة استعمالها رُفعت ياء النداء التي هي للتنبيه، ووضعت ميم مشددة في نهاية لفظ الجلالة، وفي الحقيقة ضمّ الهاء، لأنها نداء، وقيل معنى اللهم: «يا الله آمنا بخير»، أي تسبيحه وتقديسه -تعالى-، ثم ان الداعي بعد التهليل يسأل الله -تعالى- ان يفتح عليه مساءه بالثناء ولا يكون إلا لذكر الخير لما وهب الله لنا وأعطانا من فضله، و لا يكون هذا إلا بحمده على نعمه -تعالى-.

ثم يقول الدعاء: ﴿وأنت مسددٌ للصواب بمنّك، أي ان حسن الافتتاح، لا يدل بالضرورة دائماً على حسن الختام، إذ ربما يكون في بدايته مصيباً، لكن يحتمل أن تكون النهاية خاطئة، حينها يقول الداعي: «يا الهي.. انت مسدد خطواتي للصواب بمنّة منك وحولك وقوتك، والإجابة تكون بشرط عدم الغفلة عن نعم الله -تعالى-، و {وأيقنت أنك أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة}، فحينما يقول الداعي: ﴿وأيقنتُ..، بمعنى عليّ أن أرتفع إلى درجة اليقين لأكون متيقناً بانك أرحم الراحمين، واكررها كل يوم من أيام شهر رمضان حتى اصل إلى هذه الدرجة بشرط ان يكون الداعي بين «الخوف والامل»، ليصبح في نطاق عفو الله ورحمته - تعالى-.

ثم يقول الدعاء: {..وأشد المعاقبين في موضع النَكال والنقمة}، أي درجة اليقين تجعلنا نعترف ونؤمن بأن الله إذا أراد أن يجازي أحداً وينتقم منه فان عذابه يكون شديداً كما كان على قوم لوط وعاد وثمود وغيرهم من الكافرين. {وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة}، على ان الانسان لا يتحدى الله عز وجل، فإن الكبرياء والعظمة لله -تعالى- لا يسمح لأحد أن يتقمص هاتين الصفتين، كما في دعاء صلاة العيد: {اللهم أهل الكبرياء والعظمة}.

ثم يقول الدعاء: ﴿اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك، بأن باب الله -تعالى- مفتوح للسؤال والتوبة والمغفرة للمذنبين في الدنيا والآخرة، لا يأذن لغير التائبين بالسؤال والباب مغلق بوجوههم في الدنيا والآخرة، ﴿.. فاسمع يا سميع مدحتي، فكما أعطيتني الفضل بالدعاء فتفضل عليَ بالإذن لي بمدحك وحمدك، و﴿..وأجب يا رحيم دعوتي، فتسأل الله -تعالى- استجابة الدعاء والدعوة، و{أقل يا غفور عثرتي}، الإقالة هي كما تشتري بضاعة وتكتشف انها غير مفيدة، فترجعها على البائع فتسأله ان يستردها ويعيد نقودك، كذلك نسأل الله -تعالى- أن يقيل عثراتنا وزلاتنا وذنوبنا وهفواتنا بل ويعتبرها كأن لم تكن، فيمحوها من صحائف أعمالنا.

{..فكم يا إلهي من كربة قد فرجتها، وهموم قد كشفتها، ورحمة قد نشرتها، وحلقة بلاء قد فككتها}، إلهي.. فما أكثر الذنوب التي غفرتها والكربات التي فرجتها والعثرات التي أقلتها بالرحمة التي نشرتها بين عبادك..!

هذا التذكير أدعى لنا بأن يفتح الله - تعالى- أبواب رحمته لاستجابة الدعاء لكي لا ننسى كم ربنا ينزل علينا من رحمته ونحن عن ذلك غافلون.

 

* توحيد الله عز وجل

﴿الحْمَدُ لله الَّذي لَمْ يَتَّخذْ صاحِبة ولا وَلَدا. إن الله منزّه من أن تكون له زوجة و أبناء، ثم يقول الدعاء: ﴿ولم يكن له شريك في الملك، فحاشا لله من أن يكون له شريك في ملكوته أو معين في خلقه، ﴿ولم يكن له ولي من الذل، كما لو كان الصالحون أولياء الله على خلقه، حاشاه أن يكون كذلك فليس له ولي، فهو غني عن العالمين، ولا يحتاج إلى أحد في صنعه.

﴿الحمدُ لله بجميع محامده كلها، على جميع نعمه كلها، فكل النعم من عند الله -تعالى- وكل نعمة تحتاج إلى حمد، ﴿والحمد لله الذي لا مضاد له في ملكه، فليس هناك صانع آخر حتى يضاده في صنعه ونحمده على ذلك، ﴿ولا منازع له في امره، إن الله أمره نافذ فلا معقب لكلماته في أمره ونهيه، {والحمد لله الذي لا شريك له في خلقه ولا شبيه له في عظمته}. خلق الله السماوات و الأرض من دون اتخاذ شريك وعظمته لا يصل إليها أحد، ﴿والحمد لله الفاشي في الخلق أمرُه وحمدُه، فإن أمره - تعالى- نافذ على الجميع، وفي كل وقت، يقول للشيء كن فيكون.

 

* خزائن الله لا تنفد

ثم يعقب الدعاء: ﴿الظاهر بالكرم مجده... إلى قوله: ﴿...خير لي لعلمك بعاقبة الأمور، إن خزائن الله عظيمة وكبيرة لا نفاد لها وهي كلمة واحدة: «كُن فيكون»، بل الرحمة والنعمة، لذا نرى أن كثرة العطاء تزيد الله كرماً وجودا، أما السؤال إلى الله مهما كان كثيراً فهو لا شيء قياساً بملكوت الله -تعالى- ولكن بالرغم من تفاهة طلباتنا بالنسبة إلى رحمة الله الواسعة، فإن حاجتنا لهذه الطلبات شديدة، و قوله: ﴿مع حاجة بي إليه عظيمة، أي حاجتنا إلى الله ورحمته عظيمة لأنه ليس لنا وسيلة إلا إليه فعليه -تعالى- سهل يسير بعظمته ورحمته.

لذا على الانسان أن يطلب من ربه بإلحاح و إصرار لأنه ضعيف ومحتاج إلى البارئ -عز وجل- من أن يتجاوز عن ذنوبه وخطاياه وظلمه لنفسه وللآخرين، وأن يستر على أعماله القبيحة. فكم يصاب الانسان باليأس من الحياة، ويعجز عن حل مشاكله..! إلا انه باللجوء الى الله، والطلب منه، تتفتح عليه ابواب رحمة الله، ويريه من قدرته ليزداد ايماناً، ويعرّفه من اجابته لكي لا ييأس بعد ذلك من شيء، ويعتمد على الله في حل مشاكله.

﴿فان أبطأ عنّي عتبت بجهلي عليك، فقد يتأخر الله في الاستجابة لدعوات الإنسان المذنب العاصي، لحكمة منه - تعالى- فينبري بجهله وغروره معاتباً ربه: {ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور}، فنحن لا نعرف مصلحتنا الحقيقية، لجهلنا بالمستقبل وما يخفيه.

 

* علاقة الإنسان بربه

﴿..فلم أرَ مولىً كريما.. إلى قوله ﴿..وهو قادر على ما يريد..، فلم أر مؤملاً عبده مثلك يا رب.. بالرغم من إصرارنا على الذنوب إنك تدعونا للصلاة، مثلاً: عن طريق المؤذن وغيره، لكن لا نستجيب، ونكون ساهين ومنشغلين بالتفاهات عنه -تعالى- وتتحبب إليَ في عطائك ونعمك، فنرسل إليك ذنوبنا وتنزل علينا رحمتك.

الإنسان العاجز الضعيف الذي لا يستطيع ان يواصل الحياة لحظة واحدة من دون نعم الله، وكأن له اليد العليا على خالق الكون ورغم هذا التعامل السلبي الجاف مع البارئ -عز وجل- فإن ذلك لا يمنع الله -تعالى- من مواصلة الرحمة والنعمة على خلقه، فالله -تعالى- هو القادر على ان ينجينا من كل سوء في الدنيا والآخرة، ولكن علينا نحن ان نسأل الله بجد والحاح ان يفعل ذلك بنا.

وفي ختام هذا الدعاء الشريف، ينتقل الدعاء إلى طلب الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة، وذكر المعصومين، عليهم السلام، ثم يسلط الضوء على دور الامام المنتظر، عجل الله فرجه، و أسس الدولة الاسلامية والإيمان بالآخرة، والعلاقة بيننا وبين إمامنا الغائب، بما يعزز العقيدة في نفوسنا، ويرسم الطريق الواضح المستقيم لعهد الظهور. ثم الدعاء بالتوفيق لمعاصرة ذلك العهد العظيم. «اللهم إنا نرغب اليك في دولة كريمة...».

وفي الختام نسأل الله العلي القدير ان يوفقنا للتبتل اليه عبر الادعية المأثورة، وفي طليعتها دعاء الافتتاح.

--------------

مصدر الدعاء :

كتاب (إقبال الأعمال) للسيد ابن طاووس عن عثمان بن سعيد العمري السفير الثاني للإمام الحجة، ومروي عنه، عجل الله تعالى فرجه.


ارسل لصديق