لنقرأ هذا الحديث من جديد
كتبه: علي داشي الخفاجي
حرر في: 2014/12/07
القراءات: 803

الأمة اليوم تعيش في ظِلال الفتن والشبهات وموجات الشكوك والظنون، وقد ازدادت حلكة الظلام على هذه الأمة، فاصبحت تتخبط في متاهات الطرق، مما يجعلها بحاجة الى مرشد لها ومصباح مضيء يكشف لها طريق الصواب والهداية، وسفينةُ تنجيها من الوقوع في المكاره والمحن.

 

* الامام الحسين ،عليه السلام، ضمير الامة

كان الامام الحسين، عليه السلام، ولا يزال ضمير هذه الامة؛ فهو في العقل مصباح هدى، وهو في العاطفة سفينة نجاة، وهو عند المستضعف كرامة ناهضة، وهو عن المظلوم نداء ثائر، وهو على الطغاة سوطٌ لاهب، وعلى الخانعين يقظة تأنيب. (1)

إن أمة لديها الحسين، عليه السلام، لا تموت، وتُخلد عبر التاريخ الى الأبد. فالحسين، عليه السلام هو ذلك المصباح الوضّاء والسفينة الواسعة العلياء.

حينما عرج بنبي الامة محمد، صلى الله عليه وآله، رأى ما رأى من المشاهد العجيبة التي تُذهِل العقول، ومن جملة ما رأى انه، «وجد الحسين في السماء اعظم منه في الارض»، وانه لمكتوب على ساقي العرش «إن الحسين مصباح هدىً وسفينة نجاة».

إنه نهجٌ متميز تلجاً اليه الامة عندما تضيق بها مذاهب الحياة، وتحيط بها أسباب الفناء. إذن لا منجى سوى الحسين، عليه السلام، ولا منقذ من ظلمات هذه الدنيا الدنية إلا بأبي عبد الله الحسين، عليه السلام.

لذا، ليس من السهل إدراك حقيقة هذا الحديث، و ربما ندرك منه شيئاً بسيطاً، فالغالبية من الناس يفهمون هذا الحديث فهماً سطحياً، تاركين وراءهم اللباب، إن لهذا الحديث ظاهراً وفيه باطناً ايضاً. فباطنه شيءٌ ذو طاقة كامنة لا تستنفد، و إذا بحثنا في جوهر هذا الحديث، نجد فيه خططاً منهجية عديدة، وفي الجوانب كافة. فإنك اذا أردت خطة استراتيجية - مثلاً- سوف تجدها في باطنه، او اذا أردت برنامجاً اجتماعياً، تجده ايضاً، ولا تصل الى هذه الحقائق إلا عبر التدبّر والتأمل في أغوار هذا الحديث. فنحن حينما نعطي عهداً لله ونقول: «أبد والله ما ننسى حسينا»، فنحن بعهدنا هذا، نحصل على عهد من الله على ان نخرج من الدنيا سالمين وندخل الجنة آمنين، وذلك عندما نتذكر الحسين، عليه السلام، دائماً، قولاً وعملاً. فهل من المعقول، أن ينسى شخص ما، مصباحه في رحلة تتخللها طرقات مظلمة؟ وهل يكون وضعه طبيعياً، وهو وسط الطريق من دون المصباح؟!

وأنت تستحضر او تفكر في جواب هذا السؤال، فانك حتماً سوف تقول: كلا. ولذلك بسبب ارتباط المصباح بالهدف، لأن الهدف من دون المصباح اصبح معدوماً، ولا فائدة منه، فكيف ينسى هدفه الذي هو خرج من اجله؟

من هنا؛ على كل موالٍ اذا اراد أن يكون هذا الحديث الشريف منهاجاً وبرنامجاً متكاملاً له في حياته، عليه أن يضع الحسين نصب عينيه؛ بمواقفه ومبادئه وبعلمه وبافكاره. فاذا ما حصلت صدمة او نكسة في الطريق، سواءً كانت مادية او معنوية، سوف تواجهها برحابة صدر وقبول حسن، وتواصل مسيرك حتى تصل الى ما تريد، فمن الحسين نستلهم القوة والعزم والاصرار على الوصول الى ما تطمح اليه النفوس من أهدافٍ سامية.

 

* الحسين غذاء حركة الامة الاسلامية

المسيرة المستمرة في الامة، ألا وهي مسيرة الدفاع عن المبادئ والقيم، وعن الحق بصورة عامة، بحاجة الى طاقة تجدد انطلاقتها نحو الجهاد من اجل هذا الدين.

إن ثورة الامام الحسين سلام الله عليه ثورة شمولية كبيرة لا تنفد دروسها. فمن الحسين نستلهم الاهداف العالية الربانية لتشييد حياتنا الحاضرة والمستقبلية.

إن واقعة الطف هي من أعظم الدروس الانسانية ذات التربية الروحية، فإننا اذا زرعنا نهج الحسين في وعينا وجعلناه منهاجاً تربوياً لنا، فبذلك نستطيع أن نصنع أجيالاً حسينية. فان الاجيال القادمة تعتمد تربيتها على النهج الذي قد نما في روحية الآباء والامهات. وكلما قويت العلاقة مع الحسين، وازددنا دنواً منه، كلما كنا قادرين على العيش بقوة وعزة واستقامة.

 

* سفينة النجاة

وانت في هذه السفينة، وحتى تبقى فيها وتثبّت وجودك بها، ويطمئن قلبك لها، لابد من توفر الشروط اللازمة، فأنت حينما تريد النجاة من النار بالركوب في سفينة أبي الاحرار، عليك ان تكون حسيني الانتماء، وعباسي الوفاء، وزينبي الصبر، وعلوي الشجاعة، وفي عبادتك قدوتك زين العابدين، عليه السلام.

في هذه السفينة بوابة لا يدخلها إلا ذو حظٍ عظيم ناله بالفداء والتضحية من أجل رفعة قيم السماء التي تمثلت بالحسين، عليه السلام.

إن من أراد النجاة من بحر آثامه وذنوبه، عليه ان يأخذ درساً من تلك القصة التي حدثت مع ذلك الناصبي؛ حيث يقال إن هناك رجلاً وإمرأة تزوجا ولم يُرزقا بطفل فنذرا انهما اذا انجبا طفلاً حينما يكبر سوف يَقتل زوار ابي عبد الله، عليه السلام، الذين يأتون مشياً على اقدامهم.

فتربى ذلك الطفل على تعاليم الأم الناصبية، وزُقَّ من البغض لآل البيت وأتباعهم زقّا، فاذا به يريد أن ينفذ النذر الذي نذره والداه، فوقف في طريق الزوار مختبئاً، إلا ان مشقة الطريق اتعبته فنام، وحينها مرت قافلة الزوار عليه من دون ان يشعر، فاصابه غبار من الزائرين، ولما استيقظ عرف ان القافلة قد فاتت فصمم على أن يعود مرة ثانية، ولكن قد حدث له امر عجيب فيما بعد، فلقد رأى مناماً عجيباً حيث رأى كأن القيامة قامت وأمروا بالنواصب الى النار، ولكن لم يشمله ذلك الامر، فتعجب وحينما استيقظ عرف ان سبب عدم دخوله النار، هو الغبار الذي غطّى جسده من الزائرين، فانقلبت الامور عنده رأساً على عقب، وصار من الموالين للامام الحسين، عليه السلام، واسرع الى المرقد الشريف، تائباً، معتذراً، وحينما وصل هناك أنشد قائلاً:

إذا شئتَ النجاةَ فزرْ حسيناً  

لكي تلقى الإله قريرَ عينٍ

إن لدقائق الغبار القليلة هذه، التي أثارها زائرو أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، قد أحدثت هذا التحول الكبير في مصير انسان، رغم طريقه الطويل في الضلال، فكيف بمن بذل نفسه من اجل الحسين؟ فأي مقام يا ترى قد يناله زائر الحسين؟!

ومن ثم فالحسين هو نجاةٌ من النار، وفوزٌ بالجنة والدرجات العلى فحريٌ بنا أن لا نترك هذه السفينة وأن نلتزم بضوابطها، حتى لا نفقدها، لأن بفقدها نفقد النجاة أيضاً ونكون من المدحضين.

 

* مصباح الهدى

لو أحاطت بك المصائب والنوائب، وكثرت عليك اللوائم وضاقت الدنيا بعينك، ولن تجد من ينقذك من مواقفك هذه المؤلمة، فالتجئ الى ذلك المصباح المنير ولترفعه شعاراً عالياً لك، حتى يحلُّ كل الازمات التي قد تمحورت حولك، فإن المصيبة او النائبة وما أشبه، لتستحي من الحسين وعظمته، فأنت حينما تصاب ببلية -لا سمح الله - اعرضها على الحسين، عليه السلام، وقارنها بمصائبه فسوف تراها صغيرة جداً أمام مصائبه، عليه السلام، فعندها تخاطب نفسك فتقول: الحسين صبر على ذلك كله، وأنا لا اصبر على هذه الازمات الضئيلة المنتهية، فبعد هذا الحديث مع النفس، ترى انك قد صنعت من نفسك جبلاً راسخاً لا تهزه مثل هذه الموجات الضعيفة، فحينها تستقيم وتعود الى حالتك الطبيعية، دون غضب او ضجر او ملل، فالحسين، عليه السلام، هو صاحب المواقف العملاقة، ومن تلك المواقف نستلهم القوة من امامنا، سلام الله عليه.

ويبقى الحسين، وقود الامة الاسلامية الذي يرتقي بها سلم التقدم والفلاح الابدي دون السقوط او التراجع او الاستسلام.

-----------------

 1 - «الامام الحسين قدوة الصديقين»، لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي.


ارسل لصديق