المعرفة عند المائدة الرمضانية تقودنا الى النجاح في الحياة
كتبه: علي داشي الخفاجي
حرر في: 2015/07/26
القراءات: 768

 يمثل شهر الصوم؛ شهر رمضان المبارك، فرصة لتطهير أنفسنا من وساوس الشيطان والتخلص من قيود الحياة، كما يمثل محطة للتزود من المائدة الربانية، لتفيدنا في سائر شهور السنة، بحيث نتواصل في عملية التغيير والتطهير، وبنفس الحرارة والحيوية، حتى نكون من السبّاقين الى الكمال في الإيمان والتقوى والاخلاق الحميدة.

إن كل فرد فينا لابد أن تكون له دوافع داخلية تحفّزه ليكون في طليعة هذه المسيرة الربانية، حتى يربح نفسه ولا يخسرها، لأنه بخسارة نفسه سوف يخسر كل شيء، والعكس صحيح حيث إذ ربح نفسه أي زكّاها ربح كل شيء.

ومع شديد الاسف، نلاحظ الغالبية في مجتمعاتنا الاسلامية، حينما يدخلون شهر رمضان يبدأون العمل على بناء أنفسهم معنوياً، وتقوية ايمانهم بالله من خلال الأدعية والاذكار والصلوات وغيرها من الاعمال المستحبة، لكن العجيب فيهم، القلّة ممن يواصل هذا البناء بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، فبمجرد أن دخلوا الشهور التالية، انهدم بناؤهم وعادوا الى ما يخرّب أنفسهم، من بعض الممارسات الخاطئة والميل نحو الشهوات بكل انواعها.

فما هو السبب، يا ترى لبروز هذه الظاهرة الخطيرة؟

هنالك سبب، من جملة اسباب؛ وهو أنهم تعاملوا مع هذا الشهر معاملة قشرية وما استطاعوا أن يعدّوا له تمام العدة.

فكما أن السباق في ميدان الرياضة، بحاجة الى تدريب بدني واستعداد مسبق، فان الخوض في مثل هذه الدورة الربانية العظيمة (شهر رمضان)، يتطلب وجود خلفيات ايمانية يصل بها الإنسان الى ذروة هذه الدورة الرحيمة.

بادئ ذي بدءٍ، لابد من الإحاطة المعرفية بهذه الدورة.

وبكلمة؛ أن نعرف هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان، حقّ معرفته، وندرس صفاته النادرة عن كثب.

فمن صفات هذا الشهر؛ أنه شهر الله تبارك وتعالى، وأنه الشهر الذي فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

وأيضاً أن الشياطين وقائدهم ابليس - لعنهم الله- هم مسجونون بأمرٍ من رب العزة والجبروت.

كما لا ننسى أنه ربيع القرآن، ونوم الصائم فيه عبادة، والكثير الكثير من الصفات التي تجعله متميزاً عن باقي الشهور.

وكما أن الأعمى لا يستوي مع البصير، ولا تستوي الظلمات مع النور، كذلك المعرفة لاتتساوى ابداً مع الغفلة، وهما صفتان متضادتان.

فلو أن شخصاً دخل هذا الشهر العظيم عارفاً حقّه وصفاته، ودخل شخص آخر هذا الشهر ايضاً، وهو لا يعرف حقه ولا صفاته فهل يستويان مثلاً...؟!

إذن؛ المعرفة شرطٌ أساسي لابد منه حتى نكمل مسيرة البناء والتغيير الذاتي، في هذا الشهر الكريم، ثم في الشهور التالية.

لكن؛ هل أن المعرفة تكفي للحفاظ على مسيرة البناء والتغيير؟

إن شرط المعرفة، شرط ضروري، لكن هذا لا يعني أننا لسنا بحاجة الى شروط أخرى. فهل من الصحيح أن يدخل الإنسان هذا الشهر وهو عارف له، لكنه قد حمل معه الأوساخ والأدران التي أبعدته عن الله -عزّ وجل-؟

فمن هذه الرواسب والأوساخ أنه مثلاً حين دخوله هذا الشهر، يبقى متعايشاً مع تلك الأجواء الملوثة التي أدت به أن يكون ذا نفس غير طاهرة، كأصدقاء السوء الذين يتآلف معهم، وعدم المداومة على مساجد الله، وعدم الارتباط بتجمع ايماني يربطه بالله.

فكما أن فهم أية لغة بحاجة إلى أن تكون في الأجواء المناسبة لها، أترى هل من الممكن أن نفهم ونستفيد من لغة الرياضيين أو علماء الفلك أو الكيمياء - مثلاً- من دون أن نعيش في أجواء تلك العلوم؟

كذلك لايمكن فهم هذا الشهر العظيم، إلا إذا ارتفع المرء الى مستوى هذا الشهر الفضيل، أي الارتباط بكل شيء يؤدي به الى الله تبارك وتعالى، والابتعاد عن المنزلقات ومواطئ السوء والشبهة. هذا بشكل عام؛ أما بشكل خاص، أن نتمحور حول علماء الدين، والتجمعات الإيمانية التي تبصّرنا بعيوب أنفسنا وتدلنا على حسن أعمالنا وترشدنا الى ما هو خير في هذا الشهر الكريم.

 

 أخلاقيات التعبّد في شهر رمضان

ماذا يعني التعبّد؟ ومتى يكون الإنسان عابداً؟

إن معنى التعبّد، هو الخضوع، والاعتراف بالذل والمسكنة والضعف لله الرؤوف الرحيم جبّار السماوات والأرضين.

أما متى يكون الإنسان عابداً؟ فقد جاء في الحديث القدسي: «إذا اجتمع فيه سبع خصال؛ ورعٌ يحجز عن المحارم، وصمت يكفّه عما لا يعنيه، وخوفٌ يزداد كل يوم من بكائه، وحياءٌ يستحي منّي في الخلاء، وأكلٌ ما لابد منه، ويبغض الدنيا لبغضي لها، ويحب الأخيار لحبي إياهم». أما بغير ذلك فلا يمكن للإنسان أن يكون عابداً لأن درجة العبودية ليست درجة سهلة، لأن ما وراءها الجنة ورضوان الله عز وجل.

وفي شهر الصوم؛ شهر رمضان المبارك، تكون العبادة في القمة، ومن أجل ان نصل الى هذه القمة، علينا أن نلقي نظرةً على قدواتنا المضيئة؛ محمدٍ وأهل بيته الطيبين الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين.

فلو اطلعنا - مثلاً- على سيد الساجدين، الامام زين العابدين، سلام الله عليه، لرأينا العجب منه، حيث أنه كان حينما يدخل شهر رمضان، لا يتكلم إلاّ بالدعاء، والتسبيح، والاستغفار، والتكبير، وانه ليهتم اهتماماً بالغاً بالمأثور من العبادات، ونوافل الليالي والأيام. وكان دعاء «أبي حمزة الثمالي» لا يفارق لسانه طيلة ليالي شهر رمضان.

أما نبينا الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله، فقد روى الشيخ الصدوق - رضوان الله عليه- أن النبي يستهل شهر رمضان، بفكّ كل أسير وإعطاء كل سائل. وكان، صلى الله عليه وآله، يحرص كل الحرص على أن يكون شهر الصوم، ذا مصداقية عملية لدى المسلمين، ولايقتصر على الجوع والعطش. و روي انه سمع إمرأة تسبّ جارية لها وهي صائمة، فدعاها النبي في نهار شهر رمضان الى طعام، فقالت: أنا صائمة يا رسول الله...! فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك.

وإذا أردنا المزيد، فهذه كتب الأدعية والسيرة المطهرة، مشحونة بالاحاديث والروايات التي تؤكد على ضرورة التعبّد الحقيقي لله - تعالى- في هذا الشهر الفضيل.

ولا ننسى أننا بحاجة إلى أن نعرف الله -عزّ وجل- حتى نعبده حق عبادته، ولا نكون مثل عابد بني اسرائيل، الذي انبهر به النبي موسى، عليه السلام، فبين له الله - تعالى- أنه يعبد دون فهم ومعرفة، بل عن جهل عمن يعبده، عندما قال لموسى: ليت الله يبعث دابةً تأكل من هذه الارض المزروعة حتى لا تذهب هدراً....!

ولنسمع ربنا ماذا يقول في الحديث القدسي: «يا بنَ آدم، أعطيتك الإيمان والمعرفة عن غير سؤال وتضرّع، فكيف أبخل عليك بالجنة والمغفرة مع سؤالك وتضرُّعك».

هذا هو ربنا الحنّان المنّان ذو العطاء الواسع، الذي لا تنفد خزائنه. إذن؛ لنسعى بكل جهودنا وبكل نفسٍ عندنا للتضرع لله -عزّوجل- ولدعائه فإنه قال في محكم كتابه الكريم: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. (سورة غافر، الآية:60)

وأخيراً؛ لابد من الإشارة إلى حقيقة مثيرة للاهتمام، ألا وهي: أن لكل نجاح شروطاً، ومن الشروط أو الركائز الضرورية للتوفيق في هذا الشهر الكريم؛ وضوح الهدف والتخطيط المسبق والإرادة الصلدة. وبما أننا قد اخترنا هدفنا العملاق، ألا وهو تزكية أنفسنا وتنظيفها من الشوائب في هذا الشهر الكريم، ومواصلة هذه المسيرة في جميع أيام حياتنا، كما رسمنا تخطيطاً سليماً للوصول إلى هذا الهدف، مع ذلك فنحن بحاجة الركيزة الثالثة، ألا وهي الإرادة، فمثل الإرادة كمثل الوقود الذي يحرّك السيارة والطائرة.

كذلك الإنسان هو رهن إرادته، وقد أعلنها سيد البلغاء وأمير المؤمنين، عليه السلام، «قدر كل امرئ ما يحسن». فنحن بحاجة الى همّة عالية، وجهود مكثّفة، حتى نخرج من هذا الشهر العظيم بمحصلة وافرة، نحو رضوان الله، ونفسٍ طيّبةٍ زكيّة.


ارسل لصديق